تبدو أن الزيادة الجديدة بالأجور التي أقرتها الحكومة الانتقالية السورية مؤخراً خطوةً ذات وجهين، فهي من جهة استجابة متأخرة لضغط معيشة خانق طال معظم العاملين في القطاع العام، لكنها من جهة أخرى اختبار مباشر لقدرة المالية السورية على تحمل فاتورة جديدة من دون أن تنتقل الكلفة سريعاً إلى الأسعار وسعر الصرف.
فقد أعلنت وزارة المالية في 10 أيار/مايو التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 67 لعام 2026، القاضي بإضافة 50 بالمئة إلى الرواتب والأجور الثابتة، مع بدء الصرف خلال الأسبوع الأخير من أيار، فيما أُرفقت هذه الزيادة لاحقاً بزيادات نوعية في قطاعات محددة، عبر المرسوم رقم 68.
اتساع فجوة التمويل
أوضحت التعليمات أن الزيادة تُحتسب على الراتب الثابت فقط، وتُمول من مخصصات الجهات العامة لعام 2026، مع إمكان طلب دعم إضافي من وزارة المالية إذا لم تكفِ الاعتمادات.
ويأتي ذلك في سياق موازنة حكومية قُدرت بنحو 10.5 مليارات دولار، خُصص نحو 41 بالمئة منها للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مع الحديث أيضاً عن فجوة تمويلية تقارب 1.8 مليار دولار، وهي مؤشرات تعكس أن المسألة لا تتعلق برفع الأجور وحده، بل بقدرة الدولة على تمويل هذه الخطوة من دون عبء تضخمي جديد يثقل كاهل المواطنين.

في هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي محمد علبي أن التعليمات التنفيذية الصادرة بزيادة الأجور بنسبة 50 بالمئة لم تكن مجرد خطوة إدارية لتحسين الرواتب، بل اختباراً حقيقياً لقدرة المالية العامة السورية على تمويل التزاماتها الجديدة من دون دفع الاقتصاد إلى موجة تضخمية إضافية.
وأشار في منشور له عبر منصة “فيسبوك” إلى أن التعليمات جاءت متزامنة مع زيادات نوعية لاحقة في بعض الفئات والقطاعات، فيما أوحت بنية موازنة 2026 بأن الحكومة تراهن على توسيع الإنفاق الاجتماعي في ظرف مالي بالغ الحساسية، إذ قدّرت الحكومة إجمالي الموازنة بنحو 10.5 مليارات دولار، مع تخصيص 41 بالمئة منها للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، أي ما يقترب من 4.3 مليارات دولار، بينما تحدثت الحكومة نفسها عن فجوة تمويلية تبلغ 1.8 مليار دولار.
الليرة تحت الضغط
يضيف علبي أن الإشكال لا يكمن في رفع الأجور بحد ذاته، بل في كيفية تمويله ومتى يظهر أثره في الأسواق، موضحاً أن التعليمات التنفيذية نصّت على صرف الرواتب والتعويضات بالليرة السورية الجديدة حصراً، وهو تفصيل لا يبدو تقنياً فقط، لأن أي زيادة نقدية لا يوازيها توسع في الإنتاج أو في موارد حقيقية من القطع الأجنبي تتحول سريعاً إلى ضغط على الأسعار وسعر الصرف.
وأفاد بأنه قد سبق للسوق أن أظهر حساسية واضحة تجاه ملف الأجور، إذ تراجعت الليرة في السوق الموازية خلال الفترة نفسها التي تصاعدت فيها التوقعات بشأن الزيادة، وظلت عند مستويات ضعيفة تاريخياً قياساً إلى الدولار.
وفي قراءته للآثار الاجتماعية، يشير علبي إلى أن أي تحسن اسمي في الرواتب سيظل محدوداً ما دام التضخم يلتهم جزءاً كبيراً من الدخل الجديد، موضحاً أن التضخم السنوي في سوريا بلغ 26.4 بالمئة بين آذار/مارس 2025 وآذار/مارس 2026، بحسب قراءة استندت إلى تقرير لمركز بحوث السياسات السوري، وهو مستوى كافٍ لتآكل الزيادة خلال فترة قصيرة إذا لم تترافق مع استقرار في أسعار الطاقة والمواد الأساسية وسعر الصرف.
وقال إن الحكومة نفسها كانت قد لجأت في زيادة سابقة إلى ترتيبات تمويل خارجية ودعم إقليمي، بعدما قدّرت كلفة رفع الأجور آنذاك بنحو 1.65 تريليون ليرة، أي ما يقارب 127 مليون دولار شهرياً، ما يعكس أن ملف الرواتب بات مرتبطاً مباشرة بإمكانات التمويل لا بالرغبة السياسية وحدها.
من يدفع الكلفة فعلياً؟
يخلص علبي، وفق هذه القراءة، إلى أن المشكلة الأساسية في سوريا ليست في إعلان زيادة الأجور، بل في تحميل الاقتصاد كلفة الزيادة عبر أدوات تمويل غير مستدامة أو عبر نقل العبء إلى المستهلك النهائي، لافتاً إلى أنه حين تعتمد الموازنة على الإنفاق الجاري أكثر من اعتمادها على توسع إنتاجي حقيقي، تصبح الزيادة في الدخل النقدي قابلة للتحول إلى تضخم جديد.
وأضاف أن بذلك تبقى النتيجة الاجتماعية محدودة إذا لم تترافق مع إصلاح ضريبي عادل، وضبط للنفقات غير المنتجة، وخلق فرص عمل في القطاع الخاص، وتوسيع قاعدة الإيرادات الحقيقية للدولة، مؤكداً أنه حينها فقط يمكن للزيادة أن تتحول من مجرد إعلان سياسي إلى تحسن فعلي في مستوى المعيشة.

ويزيد القلق من هذه المعادلة أن مؤشرات الأسعار نفسها لم تُظهر أي تهدئة حقيقية، فالمركز السوري لبحوث السياسات قال في نشرته عن آذار/مارس 2026 إن التضخم الشهري بلغ 2.6 بالمئة، وإن الضغوط السعرية في سوريا “مستمرة ومترسخة هيكلياً” وليست ظرفية، مع ارتفاع واضح في مجموعات السكن والطاقة والغذاء.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الأمم المتحدة أن برنامج الغذاء العالمي خفّض المساعدات الطارئة في سوريا إلى النصف بسبب نقص التمويل، ما يعكس هشاشة البيئة الاجتماعية التي تستقبل فيها الزيادات النقدية أي أثر محتمل، ما يعني أن جزءاً كبيراً من الزيادة قد يتبدد سريعاً إذا لم يرافقها إنتاج أعلى، وتمويل مستقر، وضبط حقيقي للإنفاق غير المنتج، وإلا تحولت الزيادة من أداة إنصاف اجتماعي إلى حلقة جديدة في دورة الأسعار المرتفعة.
- استهدف ناقلة إيرانية قرب جزيرة خرج وترامب يلوّح بالتصعيد
- شريان تعز تحت النار.. قصف “حوثي” يستهدف المدنيين في هيجة العبد والكدحة
- القضاء العراقي يشدد الخناق على الفصائل المسلحة بتهم “الإرهاب”
- الرئيس الإيراني السابق: على طهران سؤال شعبها قبل مواصلة الحرب لعقود
- “وول ستريت جورنال”: حصار مضيق هرمز انقلب على إيران والحرب تستنزفها

