في خطوة أثارت صدمة، وأعادت إلى الأذهان فصولًا دامية من الصراع السوري، صدر قرار بتعيين أحمد الهايس، المعروف بـ “أبو حاتم شقرا” الموالي لتركيا، قائد فصيل “أحرار الشرقية” سيئ السمعة، عميدًا وقائدًا لـ “الفرقة 86” في الجيش السوري الجديد.
هذا التعيين، الذي يأتي في خضم محاولات الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، دمج فصائل مختلفة وتشكيل قوة عسكرية موحدة، قوبل باستياء وغضب شديدين، خاصة من قبل الكرد الذين يتذكرون جيدًا البصمات الدموية لـ “أبو حاتم شقرا” وفصيله في مناطقهم، وعلى رأسها عفرين، فضلًا عن حساسية المنطقة الشرقية التي تمتد لتشمل محافظات دير الزور والرقة والحسكة، والتي تخضع لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن سلطة “الإدارة الذاتية”.
تعيين “أبو حاتم شقرا” ينذر بتقويض اتفاق دمشق و”قسد”؟
“أبو حاتم شقرا”، اسم تردد صداه في ساحات القتال السورية مقرونًا باتهامات خطيرة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم حرب. فصيل “أحرار الشرقية” الذي يقوده، كان في طليعة الفصائل التي شاركت بعملية “غصن الزيتون” التي أطلقتها تركيا للسيطرة على منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية عام 2018. خلال تلك الفترة، وثقت منظمات حقوقية عديدة، فظائع عدة ارتكبها عناصر الفصيل بحق المدنيين الكرد، من عمليات قتل وخطف وتعذيب وسلب ونهب للممتلكات.
تلطخ تاريخ “أبو حاتم شقرا” بشكل خاص بدماء السياسية الكردية الشابة هفرين خلف، الأمينة العامة لحزب “سوريا المستقبل”، ففي أكتوبر عام 2019، وخلال عملية توغل فصائل المعارضة في رأس العين، انتشرت صور ومقاطع فيديو مروعة تُظهر جثة هفرين خلف وقد تعرضت للتعذيب والتشويه، واتهم على نطاق واسع عناصر من “أحرار الشرقية” بالوقوف وراء هذه الجريمة البشعة. هذا الحادث ترك جرحًا غائرًا في الذاكرة الكردية وعزز صورة “أبو حاتم شقرا” كرمز للعنف والوحشية.
اليوم، يأتي تعيين هذا الشخص الملطخ بالدماء في منصب عسكري رسمي ليثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الاتفاق الذي وقّعه الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي في مارس الماضي، فقد عبّرت مصادر كردية مقرّب من “قسد” عن خشيتها من أن يؤدي تعيين شقرا إلى تقويض هذا الاتفاق، الذي نصّ على دمج المؤسسات الإدارية والعسكرية للإدارة الذاتية ضمن هيكل الدولة السورية.
ترى أطراف كردية، أن هذه الخطوة قد تمثّل تراجعًا عن وعود الشراكة وتفريغًا للاتفاق من مضمونه، في ظل غياب إجراءات المحاسبة والعدالة الانتقالية، كما أن الكرد يرون في هذا التعيين صفعة جديدة لهم وتجاهلًا لمعاناتهم وضحاياهم. إنه بمثابة مكافأة لشخص يُعتبر مسؤولًا عن فظائع ارتُكبت بحقهم.
هذا القرار من شأنه أن يزيد من حالة عدم الثقة العميقة بين الكرد وحكومة دمشق، ويقوض أي جهود مستقبلية لدمجهم في المؤسسات السورية، بما في ذلك الجيش، بل ويهدد بتفجير التفاهمات مع “قسد” وتعميق فجوة الثقة مع المكوّن الكردي، الأمر الذي قد يعيد شرق سوريا إلى مفترق طرق حادّ بين التهدئة والتفكك، وفقًا للمصادر الكردية.
تداعيات تهدّد استقرار سوريا؟
تداعيات هذا التعيين لن تقتصر على العلاقة المتوترة أصلًا بين الحكومة والكرد، فـ “أبو حاتم شقرا” يعتبر إحدى الشخصيات المدرجة على لوائح الإرهاب الأميركية، بسبب تورطه في جرائم خطف وقتل وتعذيب، بالإضافة إلى مصادرة ممتلكات مدنيين في مناطق عدة، أبرزها عفرين ورأس العين، وتعيينه في منصب قيادي بمنطقة حساسة مثل الشرق السوري قد يعقد جهود مكافحة الإرهاب ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.
يبقى السؤال الأهم: ما هي الدوافع وراء هذا التعيين المثير للجدل؟ هل هو جزء من تسوية مع فصائل مسلحة قوية؟ أم أنه يعكس رؤية معينة لهيكلة الجيش الجديد تتجاهل اعتبارات العدالة والمصالحة، وتستخف بحساسية المنطقة الشرقية وتوازنات القوى فيها، وتضع مستقبل أي تقارب بين دمشق وقسد على المحك؟
في ظل هذه التطورات، يبدو أن مهمة بناء جيش وطني سوري موحد وقادر على كسب ثقة جميع مكونات الشعب السوري تواجه تحديات جمة، فبدلًا من طي صفحة الماضي المؤلم، يبدو أن تعيين “أبو حاتم شقرا” يعيد فتح الجراح ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري في سوريا، ويضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل هذا البلد ومسار انتقاله نحو الاستقرار.

