وأسمعُ صوتَ أبي…
موفق محمد
يا ولَدي هذي ليلَتك الأولى
فاركد في قبرك
فالعتاة يجردون المقبرةَ
وهناك استماراتٌ لا مفرّ مِن مَلئها
على عكس أمنيته التي ظل يردّدها دائما، ترجّل “شاعر الوجع العراقي”، موفق محمد، عن دنيانا، بهدوء تام، بعد أقل الشهر من دخوله المشفى، وهو الذي كان يتمنى ميتة غير طبيعية، أن يرحل “شهيدا” مثل آلاف الشباب المدفونين هناك في مقبرة وادي السلام بالنجف، حيث مستقرهم الأخير قرب عليّ.
موفق محمد.. “شاعر الوجع العراقي” يسافر إلى وادي السلام!
عن عمر 77 عاما، رحل موفق محمد، تاركا خلفه ملايين العراقيين يئنون على فقده، وهو الذي عاش كل حياته يئن لفقد ولده عدي، فسخّر شعره لأجله، وعدي هو قصة كل عراقي في عهد النظام البائد، ومن هنا سمّوه بـ “شاعر الوجع”، فوجعه وجع كل الآباء والأمهات في بلاد الألم الذي لا ينضب.
ارتقى موفق إلى السماء، تاركا خلفه إرثا شعريا غنيا يلامس وجع العراق وهموم المهمشين فيه، وقد نعاه الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، معتبرا إياه “رائدا من رواد كتابة الحزن العراقي عبر قصائده التي جسّدت ما مر به الوطن من ويلات وحروب وألم، إلى أن اكتسب لقب (شاعر الوجع العراقي) لنقده الواقعَ المرير”.
“برزت أهميته في الشعر العراقي عبر تواصله المستمر ببين حاجة المجتمع للأدب من جهة وبين التوثيق لهموم الفقراء من جهة أخرى، فكان لسان الشعب والمهمشين، فسلام لروحه من الشعب الذي أحبه”، هكذا ورد في نعيه الرسمي من الاتحاد العام للأدباء والكتّاب.
كلُّ ما أرجوه من المشيعين السائرين بي
موفق محمد
إلى مقبرة السلام.. قريباً من قبر أبي
أن يرسموا في شاهدتي
ناياً يصدح وقنينة خمر تضيء لي الطريقا
وأن يغادروا قبري قبل ان يبدأ الملقنون
فلا وقت لديّ
عاش موفق يتيم الأب منذ طفولته، أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في الحلة بمحافظة بابل. نال البكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية الشريعة في بغداد، وحين اقتحم الشعر، كان مختلفا عن الآخرين، إذ امتاز شعره بنوع مختلف، يمزج بين الشعر العربي الفصيح والشعر الشعبي الساخر.
الشاعر الذي أحبّه العراقيون وأحبّهم، بني له تمثال على شط الحلة، وهو على قيد الحياة، لكنه مات بعيدا عنه وعن مدينته بعشرات الكيلومترات، حيث نقل إلى مستشفى خاص في كربلاء المجاورة لبابل، ولم يعلم بأنها ستكون محطته الأخيرة، فمات هناك قرب الحسين، الذي لطالما ذكره في قصائده طوال مسيرته الشعرية التي قاربت النصف قرن.
لم يكن موفق محمد مجرد شاعر، بل كان لسان حال جيل كامل، ومرآة عكست تقلبات الزمن العراقي بكل ما فيه من فرح وحزن، قوة وضعف. بدأ شغفه بالشعر يتشكل في بواكير شبابه، وكانت الحلة مسقط رأسه، مصدر إلهام دائم له، وحاضرة دوما في ثنايا قصائده.
عاشَ لتخليد ابنه المفقود.. “أبو خمرة” لسان حال العراقيين!
ولد موفق محمد عام 1948، ومن بابل التي تشرب منها مبادئ اللغة العربية وجمالياتها، بدأ رحلته الأدبية باكرا، فنشر أولى قصائده في الصحف والمجلات العراقية عام 1967، وهو لم يبلغ الـ 20 من عمره وقتذاك. منذ تلك اللحظة، أُعلن عن ولادة صوت شعري مميز، يمتلك القدرة على النفاذ إلى أعماق الروح والتعبير عن مكنوناتها بعفوية.
انتخب موفق، رئيسا لاتحاد الأدباء والكتاب في فرع بابل عام 2004، وأصدر عدة مجموعات شعرية، منها “عبديئيل” و”بالعربان ولا بالتربان” و”غزل حلي”، وله العديد من القصائد، منها “حصار” و”الليلة الأخيرة لموفق محمد” و”أولاد الخايبة” و”ما الذي تربحه زوجة الشاعر” و”أجراس” و”قبل غياب الشمس”، وغيرها الكثير.
لم يسعَ موفق محمد للشهرة الزائفة أو الأضواء البراقة، إنما كان يرى في الشعر رسالة سامية لا يجب أن تستغل لأغراض شخصية أو دنيوية، فكان همه الأكبر هو أن يكون صوتا لمن لا صوت له، وأن يعكس في شعره معاناة البسطاء والفقراء، فاستحق “أبو خمرة”، لقب “شاعر الوجع العراقي” عن جدارة، كيف لا وقصائده كانت وستظل بمثابة وثائق حية تسجل نبض الشارع العراقي، وتوثق لحظات الفرح القليلة والألم العميق الذي عاشه أبناء العراق المكلومين مثله.
كان يمتلك قدرة فريدة على تحويل المعاناة الفردية إلى قضية عامة، وعلى صياغة الألم بلغة شعرية مؤثرة. لم تكن كلماته مجرد رثاء للحال، فتميز شعره بالبساطة والعمق في آن. كان يستخدم لغة قريبة من لغة الناس اليومية، فلم يكن شعره نخبويا أو موجها لفئة ما، بل كان يخاطب الوجدان العراقي المشترك، ويتجاوز الحواجز الطبقية والثقافية.
قصة نجله المفقود، كانت من أكثر القصص المؤثرة والمأساوية في حياته، وقد ألقت بظلالها على شعره وحياته بشكل كبير، فهو ومنذ اختفائه بريعان شبابه، ظل ولمدة 3 عقود، أي حتى أيامه الأخيرة، يبحث عن أي خيط يوصله بخبر عنه، فابنه عدي اختفى قسرا مثله مثل مئات آلاف العراقيين الذين غيّبهم نظام صدام حسين البائد، لا لشيء فقط لأنهم ثاروا عليه في “الانتفاضة الشعبانية”، ثاروا على ظلمه وطغيانه، فقتلهم وغيّبهم.
هذا الفقدان ترك جرحا غائرا في قلب موفق محمد، ولا يزال أثره باقيا حتى رحيله اليوم، ولم يكن موقفه غائبا من ظلم النظام السابق لولده وللعراقيين، فكان ينتقده برمزية واضحة، ولم يمدحه يوما، حتى أن إحدى قصائده حملت عنوان “كتاب القتلى تأليف صدام حسين وشعر موفق محمد”، وهو نص يشير بوضوح إلى تحميل صدام ونظامه مسؤولية إبادة مليون عراقي ومعاناة ذويهم وأحبتهم.
لقد عاش موفق محمد سنوات طويلة وهو يعاني من هذا الفقد، وكان الأمل يراوده أحيانا بالعثور عليه، لكن مع مرور الوقت، ترسخ الألم في قلبه، كان هذا الجرح الشخصي يتداخل مع وجعه العام على العراق وما مر به من مآسٍ وفقدان، وها هو اليوم يترجّل بعيدا عنا، علّه يعثر على عدي هناك، فيكون قريبا منه في الآخرة، بعد أن فقد أثره في الدنيا.
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل
- پرونده قضایی برای مسابقه دو زنان در تهران؛ چالش ادامهدار پوشش اختیاری

