واشنطن ترفع القيود.. هل تبدأ سوريا فصلاً اقتصادياً جديداً بعد قانون قيصر؟

قانون قيصر

تتسارع خطوات التحول في السياسة الأميركية تجاه الإدارة السورية الجديدة بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، وتجلى ذلك بعد أن أصدرت واشنطن رخصة عامة تُتيح تخفيفًا جزئيًا للعقوبات المفروضة على دمشق، في إطار الوفاء بتعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال جولة له في الشرق الأوسط، منذ نحو أسبوعين، عزمه إصدار قرار بإنهاء العقوبات المفروضة على الحكومة الانتقالية السورية.

وأوقفت إجراءات اتخذتها وزارة الخارجية الأميركية لمدة ستة أشهر مجموعة صارمة من العقوبات التي فرضها الكونغرس في عام 2019، كما أوقفت وزارة الخزانة الأميركية تطبيق العقوبات على أي شخص يتعامل مع مجموعة من الأفراد والكيانات السورية، بما في ذلك “البنك المركزي السوري”.

فتح باب استقبال الاستثمارات

تمثل تلك الخطوة المهمة إعلانًا رسميًا لفتح الباب أمام استقبال الاستثمارات في سوريا التي ظلت تواجه حربًا على مدار ما يقرب من عقد ونصف.

دمشق رحبت بالقرار، ووصفته وزارة الخارجية السورية بأنه “خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح لتخفيف المعاناة الإنسانية والاقتصادية في البلاد”، مُعلنة أن سوريا تمد يدها لكل من يرغب في التعاون على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”.

وتنوعت العقوبات الأميركية بين تشريعات أقرها الكونغرس، وأوامر تنفيذية أصدرها الرئيس، وعقوبات أصدرتها وزارة الخزانة بالتشاور مع وزارة الخارجية، وعقوبات تحظر التجارة لأغراض غير إنسانية بين دمشق وواشنطن، فضلاً عن عقوبات أخرى تهدف إلى منع بلدان ثالثة من ممارسة أعمال تجارية مع سوريا.

وتتضمن العقوبات الأميركية ثلاث قوانين وهي قانون إدراج سوريا على قوائم الدول الراعية للإرهاب، وقانون محاسبة سوريا، وقانون قيصر الذي لا يزال سارياً منذ إقراره عام 2019.

ولكونها صادرة عن الكونغرس، فلا يملك غيره صلاحية إلغاء هذه العقوبات أو تعديلها بشكل كامل، ولكن رئيس الولايات المتحدة لديه صلاحية تجميد العقوبات بمهل محددة وقابلة للتمديد.

إلغاء قانون قيصر

وفق المدد التي حددها القانون لن يطرح قانون قيصر للنقاش أمام الكونغرس حتى عام 2028، وعملية إدراجه قبل هذا الموعد على جدول أعمال المجلس ترتبط بالعلاقة بين الجمهوريين والديمقراطيين لتأمين الأغلبية المطلوبة.

ويتطلب الأمر إقناع أعضاء الكونغرس أن سوريا استوفت الشروط التي فرضت العقوبات من أجلها، ومنها قيام حكومة ديمقراطية تشمل جميع الفئات، وضمان أمن الأقليات وإزالة الجماعات الإرهابية من بينها تنظيم داعش ووقف تجارة المخدرات.

يُجيز القانون للرئيس الأميركي تعليق فرض العقوبات أو أي تعديل يتم إجراؤه بموجب هذا القانون كلياً أو جزئياً لفترات لا تتجاوز 180 يوماً.

واستمرت العقوبات على “البنك المركزي السوري”، بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، ما منع وصول النظام المالي السوري إلى النظام المصرفي العالمي، وأعاق أي محاولة لإعادة إنعاش الاقتصاد السوري من خلال النظام المالي الدولي.

وكانت عقوبات الكونغرس، المعروفة باسم “قانون قيصر”، تهدف إلى عزل النظام السوري السابق، من خلال طرد كل من يتعامل معهم تجارياً من النظام المالي العالمي.

كما تمنع هذه العقوبات تحديداً إعادة الإعمار بعد الحرب، لذا فبينما يمكن إعفاؤها لمدة 180 يوماً بموجب أمر تنفيذي، من المرجح إمكانية إعادة فرضها بعد ستة أشهر، حسبما أوردت “أسوشيتد برس”. 

إعادة بناء الاقتصاد السوري

يشمل الترخيص 25 رفع العقوبات عن الخطوط الجوية السورية والمصرف التجاري السوري ومصرف سوريا المركزي والشركتين السورية للغاز والسورية للبترول، إضافة إلى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون والشركة العامة لمرفأ اللاذقية والكثير من المؤسسات المصرفية واللوجستية.

وبحسب بيان الخزانة الأميركية، فإن هذا التفويض يهدف إلى المساعدة في إعادة بناء الاقتصاد السوري، والقطاع المالي، والبنية التحتية، بما يتماشى مع مصالح السياسة الخارجية الأميركية.

ومن أجل تحقيق ذلك، من الضروري جذب استثمارات جديدة إلى سوريا، ودعم الحكومة السورية الجديدة، كما تجيز الرخصة العامة 25 المعاملات التي كانت محظورة بموجب العقوبات الاقتصادية الأميركية على سوريا.

خارطة طريق أميركية

بحسب “أسوشيتد برس”، فإن وزارة الخارجية الأميركية، قدمت الأسبوع الماضي، خارطة طريق من ثلاث مراحل، تبدأ بتخفيف مؤقت وجزئي للعقوبات في البداية، وتضع شروطاً شاملة، على السوريين الالتزام بها في أي مراحل مستقبلية من تخفيف العقوبات أو رفعها الدائم.

يأتي إبعاد الفصائل الفلسطينية من سوريا على قائمة الشروط للوصول إلى المرحلة الثانية، إضافة إلى تولي الحكومة الجديدة، إدارة مراكز احتجاز مقاتلي تنظيم “داعش”، وأن تمضي قدماً في ضم قوة كردية مدعومة من الولايات المتحدة (قوات سوريا الديمقراطية “قسد”) إلى الجيش السوري.

أما للوصول إلى المرحلة الثالثة، فتطلب الإدارة الأميركية من سوريا، الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإثبات تدميرها للأسلحة الكيميائية التي كان يمتلكها نظام الرئيس السابق بشار الأسد.

جسر الوصول إلى الرفع النهائي للعقوبات

تعليقًا على القرار، ثمن الخبير الاقتصادي السوري، الدكتور كرم الشعار، أهميته مؤكدًا أنه خطوة هامة نحو تلبية الوعد الذي تقدم به الرئيس الأميركي دونالد ترامب برفع العقوبات كاملة عن سوريا، منوهًا بأنه لا زال هناك طريقًا طويلًا لاستكمالها.

وأوضح خلال فيديو نشره على صفحته بموقع التواصل “فيسبوك“، أن العقوبات المستثناة من الرخصة العامة رقم 25 مرتبطة فقط بالأوامر التنفيذية وليس القوانين، من ضمنها الاستثناء من قانون قيصر لمدة ستة أشهر، وهو استثناء يصدره الرئيس لكن رفع العقوبات نهائيًا بحاجة إلى تصويت بالكونغرس كونها قوانين.

وأشار إلى أن الرخصة العامة 25 قادرة على إحداث خرق في العقوبات المرتبطة بالأوامر التنفيذية، موضحًا أنها قد تكون حلًا قد يشكل جسرًا حتى يتم الرفع النهائي للعقوبات، وهو ما سيتم بصورة تدريجية وتحتاج إلى وقت كبير.

وأفاد بأن تلك الخطوة قد تكون إشارة من الإدارة الأميركية لعدم وجود رغبة لديها أن يتم رفع العقوبات المرتبطة بالأوامر التنفيذية كاملة، حيث يمكن أن ترفع من خلال الذراع التنفيذية فقط، وبالتالي فإن الرخصة العامة تنفذ بشكل سريع، لكن في نفس الوقت يمكن سحبها بسرعة.

ورجح أن تكون الخطوة حلًا مؤقتًا للرفع الكامل للعقوبات، مؤكدًا أن من أهم إيجابياتها أن الاستثناءات فيها واسعة،  وسيكون لها أثرًا إيجابيًا من دول غير الأميركية التي لديها رغبة للاستثمار في سوريا كدول الخليج على سبيل المثال.

خطوات متبقية

قال الخبير الاقتصادي السوري، إن هناك خطوات لا تزال متبقية خاصة في ظل استمرار القوانين التي تحتاج إلى وقت لإلغائها، والتي  تتطلب تصويتًا، على سبيل المثال تصنيف سوريا أنها دولة راعية للإرهاب حيث يستطيع الرئيس الأميركي أن يجري تعليقًا له لكنه سيظل موجودًا.

الاستثناء من قانون قيصر مدته قصيرة 180 يومًا فقط، وهو ما يعني أن النشاطات المرتبطة بالاستثمار البعض منها لا يمكن أن يحدث، خاصة وأن المستثمر عادة ما يبحث عن الأمان ووضوح الرؤية فيما يتعلق بالعقوبات مستقبلًا.

الخبير الاقتصادي السوري، الدكتور كرم الشعار

من جهته رأى الأستاذ في جامعة العلوم الماليزية فرع إسطنبول الدكتور مخلص الناظر، أنها خطوة لافتة وغير مسبوقة منذ سنوات، بعد إصدار مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية الترخيص العام رقم 25، والذي يوسع بشكل ملحوظ نطاق المعاملات المسموحة مع جهات حكومية ومالية سورية.

وأرجع خلال منشور له على موقع التواصل “فيسبوك”، ذلك إلى أن الترخيص يشمل للمرة الأولى الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، إضافة إلى مصرف سوريا المركزي والبنك التجاري السوري والمصرف الصناعي، فضلًا عن شركة النفط السورية وشركات الطاقة الكبرى، والخطوط الجوية السورية ووزارة السياحة، وكيانات سورية تمتلكها الحكومة أو الأفراد المذكورون بنسبة 50 بالمئة أو أكثر.

قيود حاسمة لا تزال قائمة

بشأن ما سيغيره هذا الترخيص على أرض الواقع، أوضح الناظر، أن بموجبه يمكن الآن للشركات والمصارف والمؤسسات الدولية إجراء تعاملات مالية وتجارية مباشرة مع الحكومة السورية والكيانات المشمولة، واستئناف بعض الأنشطة الاقتصادية التي كانت محظورة تمامًا، كما يمكن فتح باب التعاون “المشروط” في قطاعات السياحة، النقل، الطاقة، والخدمات المصرفية.

وبيّن أنه على الرغم من أن هذا الترخيص خطوة مهمة، إلا أن العقوبات لم تُرفع بالكامل، وأن هناك قيود حاسمة لا تزال قائمة، حيث لا يُسمح بفك تجميد أي أصول مجمدة حاليًا، كما لا يمكن التعامل مع كيانات أو أفراد لا يشملهم الملحق الخاص بالترخيص، ويُمنع أي نشاط ذو صلة بروسيا، إيران، كوريا الشمالية، أو التحويلات التكنولوجية إليهم، حيث يبقى الامتثال للوائح التصدير الأميركية إلزاميًا (خاصة في ما يتعلق بالتقنيات والأسلحة).

ورأى أن هذا القرار يحمل أبعادًا تتجاوز الجوانب الفنية، منها إعادة توجيه السياسة الأميركية نحو انفتاح محدود مع سوريا، ربما لغايات إنسانية أو جيوسياسية، وفتح الباب أمام إعادة هيكلة تدريجية للمنظومة المالية السورية من خلال قنوات قانونية، إضافة إلى استكشاف فرص استثمار دولية مشروطة في قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية.

الحكومة السورية والسياسة الأميركية

أكد الناظر، أن هذا الترخيص يمثل تحولًا مرنًا لكنه محسوب في السياسة الأميركية تجاه سوريا، خاصة وأنه لا يعني رفع العقوبات، لكنه يسمح بهوامش أوسع للتفاعل الاقتصادي والتجاري، في ظل رقابة دقيقة وشروط صارمة.

تلك الخطوة تحتاج إلى تحرك ذكي من القطاعين العام والخاص لاقتناص الفرص دون تجاوز الخطوط الحمراء التنظيمية، إضافة إلى ضرورة وجود حوار قانوني ومالي معمّق مع الشركاء الدوليين لفهم حدود وإمكانات هذا الانفتاح الجديد.

الأستاذ في جامعة العلوم الماليزية فرع إسطنبول الدكتور مخلص الناظر

فيما قالت الباحثة الاقتصادية، رشا سيروب، إن الكرة الآن في ملعب الحكومة السورية، موضحة أن أداؤها خلال الستة أشهر القادمة سيؤدي إلى إزالة العقوبات كلياً أو تمديدها أو إعادتها.

وعبرت عن آمالها بأن لا تكون سياسة أميركا أولًا ومصالح السياسة الأميركية تعني السيطرة على قرارات وخيارات الدولة السورية في بناء تحالفاتها وفرض شروطها لتوقيع اتفاقيات ومعاهدات مع كيانات ودول تحتل الأراضي السورية وتنتقص من سيادة سوريا.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم