واقعيا، تمثل منشأة فوردو النووية الرهان الأصعب على إسرائيل في حربها مع إيران حتى الآن، لدرجة أنها تنتظر منذ أيام دخول أميركا للحرب معها، فقط لأجل هذا الهدف، وهو ضرب وتدمير المنشأة الأكثر تحصينا، والتي لا يمكن تدميرها بأي سلاح تقليدي، بل بقنبلة خارقة، وواشنطن وحدها من تمتلكها، لكن مع عدم حسم الإدارة الأميركية قرارها بعد، يبدو أن تل أبيب تخطط لضرب المنشأة بمفردها، ولكن كيف؟
خطط إسرائيل لضرب فوردو
تقرير لصحيفة “واشنطن بوست”، كشف أنه لدى إسرائيل القدرة على إلحاق خسائر بمنشأة فوردو، ونقلت عن مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، قوله إن “الحرب خططت لها إسرائيل. لا نحتاج الولايات المتحدة لتحقيق الأهداف التي حددناها، نحن نعرف كيف نتعامل مع كل الأمور، بما في ذلك فوردو”.
وبحسب الصحيفة، لا يشرح الإسرائيليون كيف سيتعاملون مع فوردو، لكن بجعبتهم عدة أفكار، ومن بين الأفكار المطروحة والتي لم تستبعدها إسرائيل، “تنفيذ غارة على المنشأة النووية بإرسال فرق كوماندوز. يمكن لقوات مدربة خصيصا على الأرض أن تحاول تدميرها”.

وفي السياق، أكد خبير الأسلحة النووية الإيرانية، ديفيد أولبرايت، في مقابلة مع مجلة “Tablet”، أنه لدى إسرائيل طرق أخرى لتعطيل عمل فوردو، مردفا؛ “يمكنهم قطع الكهرباء. يمكنهم تدمير نظام التهوية. يمكنهم بسهولة تدمير المدخل المخصص للمشاة، ويمكنهم تدمير المداخل الرئيسية”.
ووفقا لأولبرايت، فإنه “حتى من دون القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات، يمكن جعل فوردو غير صالحة للعمل لفترة طويلة”، فيما كشفت “واشنطن بوست”، أن “إرسال جنود على الأرض قد يكون أمرا محفوفا بالمخاطر، وقد تكون نتائج القصف ضعيفة لدرجة أن إسرائيل لن تحقق أهدافها من الحرب من دون المساعدة الأميركية”.
وحتى الآن، تستمر حالة الترقب بشأن موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول دخوله الحرب مع إسرائيل ضد إيران من عدمها، وفي آخر الجديد، كشفت مصادر أميركية، بأن ترامب سيتلقى، اليوم الخميس، إحاطة استخباراتية بشأن الحرب الجارية بين إسرائيل وإيران، وربما ستدفعه هذه الإحاطة لحسم قراره بدخول الحرب من عدمها.
لهذا السبب يتردد ترامب في دخول الحرب
وكالة “بلومبرغ نيوز”، نقلت اليوم الخميس، عن مصادر مطلعة، أن مسؤولين أميركيين كبارا يستعدون لاحتمال توجيه ضربة لإيران خلال الأيام المقبلة، إذ توجد خطط محتملة لشن ضربة في مطلع الأسبوع المقبل، مردفة أن الوضع لا يزال يتطور وقد يتغير.
يأتي هذا، بعد أن كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، أمس الأربعاء، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “أبلغ كبار مساعديه بأنه وافق على خطط لمهاجمة إيران، لكنه لم يُصدر بعد الأمر النهائي لتنفيذها”.
من جهته، أفاد موقع “أكسيوس” الأميركي، نقلا عن مسؤولين أميركيين، بأن ترامب يريد التأكد من أن القنابل الخارقة للتحصينات ستنجح في تدمير منشأة فوردو النووية، في حال قررت الولايات المتحدة ضربها، إن دخلت الحرب ضد إيران.
ونقل الموقع عن مستشاري ترامب، قولهم أن “سؤالا رئيسيا يدور في ذهن ترامب هذه الأيام، وهو إذا انضمت الولايات المتحدة إلى حرب إسرائيل وألقت قنابلها الخارقة للتحصينات الضخمة، فهل ستدمر فعليا -فوردو- أكثر منشآت إيران النووية تحصينا أم لا؟”.
“ترامب يريد التأكد من أن مثل هذا الهجوم ضروري حقا، ولن يجرّ الولايات المتحدة إلى حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، والأهم من ذلك كله، أن يحقق هدف تدمير البرنامج النووي الإيراني”، أضاف الموقع، نقلا عن مستشاري الرئيس الأميركي.
نبذة عن فوردو
فوردو، هي منشأة نووية إيرانية لتخصيب اليورانيوم، وهي ثاني أبرز موقع نووي في إيران، لكنها الأكثر تحصينا، واكتشفت مؤخرا فقط رغم تشييدها منذ سنوات، وتقع المنشأة المحصنة في أعماق الجبال، ولا يعرف عمقها بدقة، إلا أن بعض التقديرات تشير إلى أنه يتراوح بين 80 و90 مترا تحت الأرض، وتقديرات أخرى تقول إن عمقها يصل إلى 600 متر.
هذه المنشأة التي تقع ضمن حدود محافظة قم، على بعد 30 كم من المدينة، وتحديدا في جبال منطقة فوردو، تشكل تحديا كبيرا أمام إسرائيل التي تسعى بكل الطرق لإنهاء البرنامج النووي الإيراني، لكن ما يجعل تل أبيب عاجزة عن تدميرها، هو أنها عصية على التدمير عبر الهجمات الجوية التقليدية بل وحتى غير التقليدية.

تأسست المنشأة في أواخر العقد الأول من القرن الحالي، وبحسب تقارير “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، تضم فوردو أكثر من ألف جهاز طرد مركزي متقدّم، وتستخدم لتخصيب اليورانيوم بدرجات نقاء عالية، وبمستويات قريبة من تلك المطلوبة لصناعة سلاح نووي، وعمقها الجيولوجي والتحصينات الخرسانية التي تغلف المنشأة، تجعلها هدفا بالغ الصعوبة لأي هجوم.
وفي مارس 2023، قالت “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، إنها اكتشفت يورانيوم مُخصّبا بنسبة نقاء 83.7 % في فوردو، وهو ما يقارب مستوى التخصيب اللازم لصنع الأسلحة النووية، أي 90 %، علما أن إيران دائما ما تؤكد أنها لا تنوي استخدام التكنولوجيا النووية لصنع أسلحة بل لأغراض سلمية. ويعد ضرب فوردو أمرا أساسيا في أي جهد لتدمير قدرة إيران على صنع أسلحة نووية.
بداية الحرب بضربة استباقية إسرائيلية
شنت إسرائيل، في 13 يونيو الجاري، عملية “الأسد الصاعد”، إذ بدأتها بعشرات الضربات الجوية، استهدفت قلب إيران، بهدف إنهاء البرنامج النووي الإيراني، حيث تم استهداف عشرات الأهداف العسكرية والنووية في مناطق مختلفة داخل إيران، أبرزها منشأة تخصيب اليورانيوم الرئيسية الإيرانية “نطنز”، والمقر الرئيسي لـ “الحرس الثوري” في طهران، فضلا عن استهداف مواقع عسكرية ونووية أخرى في مدن طهران وأصفهان ونطنز وكرمنشاه وقم وتبريز وشيراز وهمدان.
ومع الضربات الإسرائيلية، تم اغتيال أو مقتل أكثر من 25 قائدا ومسؤولا عسكريا وعلماء نوويين إيرانيين، على رأسهم قائد “الحرس الثوري” حسين سلامي، واللواء محمد باقري، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، واللواء غلام علي، قائد مقر “خاتم الأنبياء العسكري المركزي”، وطاهر بور، قائد قوة الطائرات المسيرة التابعة لسلاح الجو في “الحرس الثوري”.
إضافة إلى ذلك، تأكد اغتيال اللواء أمير علي حاجي زادة، قائد القوات الجوفضائية في “الحرس الثوري الإيراني”، واللواء مهدي رباني مع عائلته، وهو نائب رئيس هيئة الأركان العامة للعمليات في الجيش الإيراني، فضلا عن مقتل العميد داود شيخيان، قائد الدفاع الجوي لـ “الحرس الثوري الإيراني”.
وبشأن العلماء النوويون، فقد قتل مهدي طهرانجي، وهو عالم نووي ورئيس “جامعة آزاد الإسلامية”، وفريدون عباسي، عالم نووي ورئيس سابق لـ “منظمة الطاقة الذرية الإيرانية”، وأحمد رضا ذو الفقاري، وهو أستاذ الهندسة النووية، وكل من عبد الحميد منوشهر، وأمير حسين فقهي، ومطالب ليزاده، وجميعهم علماء في المجال النووي.

