في خطوةٍ هدفت إلى وقف استنزاف العملات الأجنبية وإبقائها داخل الاقتصاد المحلي، أقدمت الحكومة السورية، الشهر الماضي، على تعليق استيراد السيارات المستعملة، لكن النتائج جاءت عكسية تمامًا، حيث ارتفعت الأسعار بنحو 1000 دولار للسيارة الواحدة، فيما استمرت عمليات الاستيراد عبر قنوات غير رسمية.
هذا القرار الذي كان يفترض أن يحمي الاقتصاد الوطني، تحول إلى ضربة قاصمة للطبقة المتوسطة والفقيرة، بينما استفاد منه كبار التجار والمستوردين.
صدمة الأسعار
قبل صدور القرار، شهدت سوق السيارات في سوريا انخفاضًا ملحوظًا في الأسعار بنسبة قاربت 50 بالمئة مقارنة بمستوياتها القياسية في السنوات السابقة، ما أعاد حلم امتلاك سيارة إلى متناول بعض العائلات.
لكن القرار الجديد بدد هذه الآمال، إذ ارتفعت الأسعار بشكل مفاجئ بنحو 1000 دولار، وهو مبلغ يُعد ضخمًا بالنسبة لغالبية المواطنين الذين يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض القدرة الشرائية.

ويرى خبراء السوق أن هذه الزيادة ليست نتيجة نقص حقيقي في المعروض، بل انعكاس لحالة عدم اليقين التي تلت صدور القرار، حيث حاول بعض التجار استغلال الظرف ورفع الأسعار بدعوى انخفاض الاستيراد، رغم تراكم المخزون لديهم.
في هذا الصدد علق الخبير الاقتصادي والمتخصص في سوق السيارات، الدكتور أحمد السليم، موضحًا أن القرار أثار انقسامًا بين المؤيدين والمعارضين، ففي حين يرى البعض أن وقف استيراد السيارات المستعملة سيقلل من استنزاف العملة الصعبة، يعتقد آخرون أن القرار يخدم مصالح كبار التجار ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار على حساب المستهلكين، بحسب ما نقلت عنه صحيفة “الثورة“.
وأشار إلى أن وزارة الاقتصاد استندت في تبريرها إلى حجم كبير من النقد الأجنبي الذي يخرج من البلاد بسبب استيراد السيارات، والذي يُقدّر بنحو ملياري دولار سنويًا، معظمها في أسواق الخليج، متساءلًا عما إذا كان حظر استيراد السيارات المستعملة وحده كفيلًا بحل مشكلة استنزاف العملة، خاصة أن السيارات الجديدة ما تزال تُستورد بأسعار أعلى بكثير.
قانون العرض والطلب وتوازن السوق
تشرح النظرية الاقتصادية أن توقف الاستيراد يؤدي غالبًا إلى انخفاض المعروض، مما يخلق حالة من الارتفاع المؤقت في الأسعار، لكن الخبير الاقتصادي يرى أن السوق السورية حاليًا تعاني فائضًا في المعروض من السيارات بسبب ضعف القوة الشرائية، ما يعني أن الأسعار مرشحة للانخفاض على المدى المتوسط.
“تجار السيارات لن يستطيعوا الاحتفاظ بمخزون كبير لفترات طويلة دون بيع، خاصة مع تزايد التكاليف وخطر التغيرات الاقتصادية أو القانونية المفاجئة”، مرجحًا أن تبدأ الأسعار بالانخفاض مجددًا خلال الأشهر المقبلة، لا سيما إذا بدأت الوكالات الرسمية في طرح عروض بيع بالتقسيط لجذب المستهلكين.
الخبير الاقتصادي والمتخصص في سوق السيارات، الدكتور أحمد السليم
ومن الناحية الاجتماعية، شكل القرار ضربة لآمال السوريين من الطبقة المتوسطة الذين كانوا يتطلعون للاستفادة من انخفاض الأسعار لشراء سيارات بأسعار مقبولة، ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن المواطن السوري فقد الكثير من مدخراته خلال السنوات الماضية، وأصبح يميل إلى الشراء بالتقسيط في مختلف المجالات، من العقارات إلى الأدوات الكهربائية، لتخفيف العبء المالي.
ويؤكد أن العائلات التي كانت قريبة من امتلاك سيارة باتت الآن بحاجة إلى إعادة حساباتها، إذ إن الزيادة الأخيرة قد تعني حرمانها من وسائل نقل مريحة أو حتى من أبسط مظاهر الرفاهية.
انعكاسات الثقة في الاقتصاد
أربك التوقيت المفاجئ للقرار الشارع السوري، إذ كان من الممكن منح فترة انتقالية قبل التنفيذ، تسمح للمستهلكين باتخاذ قرارات مدروسة وتجنب حالة الإرباك في السوق، ويضيف السليم: “لو كان الهدف تحسين جودة السيارات المستوردة، لكان من الأجدر فرض معايير فنية واضحة بالتعاون مع الجهات المعنية بدلاً من الحظر الكلي”.
ويتساءل: “لماذا لم تتخذ الوزارة مثل هذه الخطوة منذ البداية إذا كانت جودة السيارات المستعملة تمثل هاجساً حقيقياً؟”، مؤكداً أن القرارات الاقتصادية يجب أن تكون مدروسة وتصدر بعد التشاور مع الخبراء لضمان تحقيق الأثر الإيجابي المطلوب.

كما أشار إلى أن القرارات الاقتصادية العشوائية تضعف ثقة المواطنين في السوق المحلية، وهي ثقة تمثل حجر الأساس لأي نمو اقتصادي مستدام، موضحًا أن المستهلكون عندما يشعرون بغياب الشفافية والوضوح في السياسات الاقتصادية، يصبحون أكثر ميلًا لتجميد أموالهم أو إنفاقها على سلع غير إنتاجية، ما يفاقم الركود.
وأكد أن استعادة الثقة تحتاج إلى وضوح في الرؤية وإشراك القطاع الخاص والخبراء في رسم السياسات الاقتصادية، بدلًا من الاعتماد على قرارات مفاجئة ذات أثر قصير المدى.
مستقبل سوق السيارات في سوريا
التوقعات تشير إلى أن سوق السيارات ستشهد فترة من الركود المؤقت نتيجة تراجع الطلب وارتفاع الأسعار، لكن الأسعار قد تعود للانخفاض مع بداية طرح برامج تقسيط من قبل الوكالات الرسمية أو تقديم تسهيلات تمويلية، كما يمكن أن يلعب تراجع الطلب العام دورًا في إجبار التجار على خفض الأسعار لتصريف المخزون.
رغم الجدل الدائر، يؤكد السليم أن تأثير القرار قد يكون إيجابيًا على المدى المتوسط إذا ترافق مع إصلاحات حقيقية تهدف إلى تنظيم الاستيراد وضبط السوق، منوهًا بأن استمرار غياب الشفافية والإجراءات المصاحبة سيجعل القرار مجرد حل مؤقت لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية.
على الرغم من أن قرار وزارة الاقتصاد والصناعة بوقف استيراد السيارات المستعملة قد بدا محاولة جدية لحماية الاقتصاد الوطني والدفع نحو ضبط القطع الأجنبي، إلا أن التطبيق والتوقيت أسفرا عن مواقف متباينة وشكوك حول جدواه قصيرة المدى، إذ كان لابد من وضع خطة شاملة للتطبيق دون إرباك الأسواق أو إلحاق الضرر بالمواطنين البسطاء.
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً

