تتزايد التحذيرات في الأوساط الاقتصادية الدولية من أن الحرب الدائرة ضد إيران قد لا تبقى مجرد أزمة جيوسياسية محدودة التأثير، بل قد تتحول تدريجياً إلى صدمة مالية عالمية تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد الدولي في حال استمر التصعيد العسكري وتواصلت الاضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
ففي الوقت الذي يتركز فيه تسليط الضوء على تقلبات أسعار النفط، تشير المعطيات الاقتصادية الأوسع إلى أن تداعيات مثل هذه الحروب غالباً ما تتجاوز قطاع الطاقة لتطال مختلف مفاصل النظام المالي العالمي، بدءاً من أسواق العملات وصولاً إلى الأسهم والسندات وتكاليف النقل والتجارة الدولية.
النفط يشعل شرارة الأزمة
أعادت الارتفاعات الحادة التي شهدتها أسعار النفط خلال الأسابيع الأخيرة طرح سؤال جوهري بشأن قدرة صدمة الطاقة أن تتطور سريعاً إلى صدمة مالية عالمية، وهو ما أجاب عنه أستاذ الاقتصاد وإدارة الأعمال مخلص الناظر، الذي يرى أن صدمة العرض في سوق النفط ما هي إلا شرارة تطاول بقوة قلب النظام المالي إذا استمر التصعيد أو طال أمده.
وأوضح الناظر عبر منصة “إكس” أن ما تشهده الأسواق العالمية منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب مع إيران يمثل برهاناً جديداً على أن الأزمات الجيوسياسية في المناطق الحيوية لا تظل حبيسة قطاع الطاقة أو محصورة في نطاق جغرافي محدد، بل تتحول سريعاً إلى وقود يشعل اضطرابات واسعة في مختلف مفاصل النظام المالي العالمي.
وتظهر تحليلات البنوك الاستثمارية الكبرى أن أثر الصدمة قد يكون محدوداً أحياناً على سلاسل الإمداد غير الطاقوية، لكنه حاد ومباشر على النمو والأسعار، حيث تقول توقعات مجموعة “غولدمان ساكس” الاستثمارية الأميركية إن صدمة نفط مستمرة قد تخفض النمو العالمي بحوالي ثلاثة أعشار النقطة المئوية وتضيف ما بين نصف إلى ستة أعشار نقطة مئوية إلى التضخم العام، مع اختلاف التبعات بين مناطق العالم بحسب تبعية كل اقتصاد للطاقة المستوردة.
ورغم تقديرها لضعف احتمالات صدمة سلسلة إمداد عامة مماثلة لأزمة ما بعد جائحة كورونا، إلا أنها تحذر من انتقال الضغوط إلى مستويات فائدة أعلى ونتائج أضعف للنمو.
إعادة تسعير المخاطر العالمية
يؤكد الناظر أن التطورات المتلاحقة التي أعقبت اندلاع النزاع كشفت عن ارتباك واضح في حركة رؤوس الأموال الدولية، حيث انخرط المستثمرون في عملية إعادة تسعير واسعة وعنيفة للمخاطر، مشيرًا إلى أن هذه العملية لم تقتصر على مراقبة أسعار الوقود فحسب، بل شملت تقييماً معقداً ومتداخلاً لعوامل عدة، منها القفزات المتوقعة في معدلات التضخم، والارتفاع الحاد في تكاليف التأمين والشحن البحري، والتحولات المفاجئة في قيم العملات الرئيسية، وصولاً إلى الاضطرابات في عوائد السندات السيادية.
يعكس هذا المشهد حالة من عدم اليقين المطلق، إذ يدرك الفاعلون الاقتصاديون أن التصعيد في منطقة تعد الشريان التاجي لإمدادات الطاقة العالمية لا يمكن أن يمر دون إحداث تصدعات عميقة في بنية الاستقرار المالي العالمي، وهو ما يمهد الطريق لنشوء أزمة سيولة قد تعصف بالأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء.
أستاذ الاقتصاد وإدارة الأعمال مخلص الناظر
وعند النظر إلى الأرقام المسجلة خلال الأسابيع الأخيرة، نجد أن سوق النفط كان بالفعل نقطة الانطلاق لهذه الموجة العاتية من التقلبات، فقد سجل خام غرب تكساس الوسيط قفزة تاريخية بلغت نحو 47 بالمئة، بينما ارتفع خام برنت بنسبة 36 بالمئة، وهي أرقام تعد مؤشرًا على ذعر حقيقي يسود أسواق الطاقة نتيجة التهديدات التي تحيط بطرق الملاحة البحرية الرئيسية واحتمالات توقف الامدادات.
مخاوف انهيار الأسواق
تشير مذكرات داخلية وتقارير تحذيرية من مؤسسات مالية كبرى مثل بنك “جيه.بي مورغان تشيس” الأميركي إلى أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قد يطلق سلسلة من عمليات البيع في أسواق الأسهم العالمية قد تضع مؤشرات كبرى تحت ضغط هبوطي يتراوح، وفق سيناريوهات المؤسسة، بين 10 و15بالمئة في حالات التصعيد المطول، وهو ما يضع المستثمرين أمام احتمال “تبدد الثروة” الذي ينعكس سريعاً على الاستهلاك والتمويل الخاص.

كما نوه الناظر بأن الخطورة تكمن في أن هذه الزيادات في أسعار الخام لم تكن إلا الفصل الأول من القصة، إذ سرعان ما انتقلت العدوى إلى قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية، موضحاً أن تكاليف الشحن الدولي شهدت ارتفاعات ملحوظة، مدفوعة بزيادة هائلة في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، واضطرار السفن إلى اتخاذ مسارات أطول وأكثر تكلفة لتفادي مناطق التوتر.
وأكد أن ارتفاع مؤشر الشحن بنحو 2.8 بالمئة يعد نذيراً ببدء أزمة في سلاسل الإمداد قد تؤدي إلى شلل في حركة التجارة العالمية وتدفع بأسعار السلع النهائية إلى مستويات قياسية لا تستطيع القوة الشرائية للمستهلكين تحملها.
الطيران أول الضحايا
في موازاة ذلك، يبرز قطاع الطيران كواحد من أكبر الضحايا الاقتصاديين لهذه الحرب، حيث يقول الناظر إن القطاع وجد نفسه محاصراً بين مطرقة الارتفاع الجنوني في أسعار وقود الطائرات وسندان إغلاق المسارات الجوية الحيوية فوق مناطق النزاع، لافتاً إلى أن هذا الوضع فرض على شركات الطيران العالمية تكاليف تشغيلية غير مسبوقة، مما انعكس بشكل مباشر وقاس على أدائها في البورصات، حيث هوى مؤشر شركات الطيران باكثر من 15بالمئة.
يؤكد أن هذا التراجع لا يمثل خسارة مالية للمساهمين فحسب، بل يشير إلى احتمال حدوث انكماش في قطاع السفر والسياحة العالمي، وهو ما سيلقي بظلاله على اقتصادات الدول التي تعتمد على هذا القطاع كمصدر رئيسي للدخل، مما يزيد من احتمالات الركود الاقتصادي الشامل.
أما في أسواق الصرف والعملات، فيقول إن الحرب تسببت في تحولات جذرية أعادت إلى الأذهان أنماط الأزمات الكبرى، مشيرًا إلى اندفاع المستثمرون بشكل محموم نحو الدولار الأميركي، باعتباره الملاذ الأخير للأمان والسيولة في أوقات الحروب، مما رفع مؤشر العملة الأمريكية بنحو 3 بالمئة.
الدولار يضغط على العملات
يؤكد الناظر أن هذا الصعود القوي للدولار لم يكن مجانياً بالنسبة لبقية العالم، حيث دفع ثمنه عملات الأسواق الناشئة التي وجدت نفسها تحت ضغوط بيع هائلة، لافتًا إلى أنه على سبيل المثال فقد الجنيه المصري نحو 8.3 بالمئة من قيمته أمام الدولار، بينما تراجعت الروبية الهندية بنسبة 1.5 بالمئة، في حين واصل الريال الإيراني نزيفه الحاد تحت وطأة الضغوط المزدوجة الناتجة عن العقوبات والعمليات العسكرية.

ويشدد على أن هذا التدهور في قيم العملات المحلية يفاقم من أزمات الديون السيادية لهذه الدول ويزيد من تكلفة استيراد السلع الأساسية، مما ينذر بموجة من الاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن تدهور الاوضاع المعيشية.
وفي مفارقة لافتة، يشير الناظر إلى أن الذهب، الذي يعد تاريخيا التحوط الأمثل ضد الأزمات الجيوسياسية، خالف التوقعات بتراجعه بنحو 3.2 بالمئة، مرجعاً هذا السلوك الذي وصفه بالغير تقليدي للمعدن الأصفر لقوة الدولار وتشديد الأوضاع المالية العالمية، حيث أن ارتفاع عوائد السندات الأميركية وقوة العملة الخضراء جعلا من الذهب أصلا أقل جاذبية في المدى القصير، رغم حالة القلق السائدة.
جرس إنذار للنظام المالي
يؤكد الناظر أن هذا التحول يعكس مدى تعقيد الأزمة الحالية، حيث لم تعد القواعد التقليدية للأسواق تعمل بالضرورة بنفس الطريقة السابقة، مما يزيد من صعوبة التنبؤ بمسار الأصول المالية ويجعل إدارة المحافظ الاستثمارية عملية محفوفة بالمخاطر العالية.
ويشدد في ختام تحليله على أن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد اضطراب عابر في أسعار الطاقة، بل هو جرس إنذار لصدمة مالية عالمية قد تعيد صياغة النظام الاقتصادي الذي استقر منذ نهاية الحرب الباردة، مؤكداً أن ارتفاع تكاليف الطاقة ليس إلا محركاً لسلسلة من ردود الفعل تبدأ بزيادة تكاليف الشحن، مرورا بارتفاع التضخم، وصولا إلى ضغوط نقدية تجبر البنوك المركزية على اتخاذ قرارات صعبة قد تؤدي إلى انفجار فقاعات الأصول المالية.

