العراق بين المسيرات والميليشيات.. هل تنجح بغداد في فرض احتكار السلاح؟

أعلنت السلطات العراقية اعتقال ثلاثة أشخاص يديرون ورشة لتصنيع الطائرات المسيّرة من نوع “الرؤية من منظور الشخص الأول” (FPV) داخل العاصمة بغداد، مع مصادرة عشرات الهياكل والمعدات المستخدمة في إنتاجها.

وكشفت هذه التطورات الأخيرة عن تصاعد التحديات التي تواجه الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي، في مساعيها لحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع استمرار الضغوط الأميركية والإقليمية على الميليشيات المدعومة من إيران.

مصنع مسيرات داخل بغداد

بحسب السلطات، ضبطت الأجهزة الأمنية 25 هيكلاً لطائرات مسيرة، إلى جانب ألواح من ألياف الكربون ومعدات للتجميع والإنتاج، في عملية تشير إلى استمرار تصنيع هذا النوع من الطائرات محلياً.

وتقع الورشة، وفق تقديرات معهد دراسة الحرب (ISW)، في منطقة شرقي بغداد تشهد نشاطاً لكتائب “حزب الله” العراقية، إحدى المليشيات المدعومة من إيران، والتي سبق أن استخدمت طائرات مسيرة مشابهة في هجمات استهدفت قواعد أميركية داخل العراق ومواقع أخرى في الخليج خلال الأشهر الماضية.

كما يأتي ضبط المصنع بعد أسابيع من إعلان السلطات السورية إحباط محاولة لتهريب طائرات مسيرة متطورة وأسلحة من العراق إلى لبنان عبر الأراضي السورية، في عملية اتهم فيها “الحرس الثوري” الإيراني.

الفصائل ترفض تسليم السلاح

بالتوازي مع التحرك الأمني، أبلغت عشر فصائل منضوية ضمن ما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق” الحكومة العراقية، بصورة غير رسمية، رفضها التخلي عن سلاحها قبل تنفيذ انسحاب أميركي كامل من البلاد.

صورة من تشييع عناصر في ميليشيات عراقية مدعومة من إيران – رويترز

وتشير تقارير إعلامية عراقية إلى أن هذه الفصائل لا تعتقد أن القوات الأميركية ستغادر العراق ضمن الجدول الزمني الذي أعلنته الحكومة، ما يجعلها تتمسك بالإبقاء على ترسانتها العسكرية.

وتضم “المقاومة الإسلامية في العراق” فصائل رئيسية، أبرزها كتائب “حزب الله”، و”كتائب سيد الشهداء”، و”حركة النجباء”، إلى جانب فصائل أخرى أصغر.

ويرى مراقبون أن الميليشيات العراقية دأبت خلال السنوات الماضية على ربط استمرار تسليحها بوجود القوات الأميركية، إلا أنها استخدمت أيضاً مبررات أخرى للحفاظ على بنيتها العسكرية، من بينها التوترات الإقليمية، بينما يشيروا المراقبون أن قرار المليليشيات مرتبط بإيران وسياساتها العدائية في المنطقة.

ويعتقد محللون أن انسحاب القوات الأميركية، إذا تم، قد لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء نفوذ هذه الفصائل، التي قد تلجأ إلى تبريرات جديدة للإبقاء على سلاحها ودورها العسكري.

وفي هذا السياق، أفادت تقارير بأن رئيس الوزراء العراقي يعتزم مناقشة ملف الصواريخ التي زودت إيران بها بعض الفصائل المسلحة، خلال زيارة مرتقبة إلى طهران، في إطار جهود حكومته لتعزيز سيطرة الدولة على الملف الأمني.

هجمات مستمرة قرب القواعد الأميركية

وفي مؤشر آخر على استمرار التوتر، أعلنت قوات الأمن العراقية سقوط طائرة مسيرة مفخخة قرب قاعدة الحرير الجوية التي تستخدمها القوات الأميركية في إقليم كردستان العراق.

أثار للقصف الإيراني على إقليم كردستان العراق – رويترز

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث، إلا أن القاعدة كانت هدفاً متكرراً لهجمات نفذتها ميليشيات عراقية مدعومة من إيران خلال الأشهر الماضية، في وقت تواصل فيه أنظمة الدفاع الأميركية اعتراض طائرات مسيرة تستهدف مواقعها في أربيل.

تعكس هذه التطورات استمرار التحدي الذي تواجهه الحكومة العراقية في تنفيذ تعهداتها بحصر السلاح بيد الدولة، وسط توازنات سياسية وأمنية معقدة تربط ملف الفصائل المسلحة بالصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران.

ويرى متابعون أن نجاح بغداد في تفكيك شبكات تصنيع المسيرات، أو التوصل إلى تفاهمات بشأن سلاح الفصائل، سيشكل مؤشراً على قدرتها على فرض سيادتها الأمنية، في حين أن استمرار تعدد مراكز القوة قد يبقي العراق ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم