جاءت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى العاصمة السورية دمشق يوم السبت الماضي، لتضع ملامح واضحة لشكل العلاقة التي تسعى المنظمة الدولية لبنائها مع سوريا في ظل المرحلة الانتقالية الحالية.
ورغم أن التصريحات الرسمية ركزت على الجانب التضامني واستعداد الأمم المتحدة لدعم مشاريع التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إلا أن الزيارة لا بد أنها حملت في طياتها شروطاً ومطالب دولية واضحة ترتبط بضرورة إصلاح المؤسسات وحماية الأقليات والدفع نحو بناء حكم شامل يمثل عموم المكونات السورية.
لماذا جاءت الزيارة؟
تأتي زيارة غوتيريش في سياق حراك دولي متسارع تجاه دمشق، تزامن مع توسع الاتصالات الغربية بالحكومة السورية الجديدة، وإطلاق مسارات سياسية واقتصادية هدفت إلى تخفيف العزلة الدولية عن سوريا، وفتح الباب أمام إعادة دمجها تدريجياً في محيطها الإقليمي والدولي.

ويرى المحلل السياسي السوري فراس علاوي في حديثه لـ “الحل نت”، أن التحرك الأممي يمثل امتداداً لسلسلة لقاءات أجراها مسؤولون غربيون، ولا سيما من الولايات المتحدة وفرنسا، بالتزامن مع قرارات واشنطن الأخيرة برفع العقوبات.
ويقول إن سوريا “لا تزال خاضعة لعقوبات أممية لم تُرفع بالكامل، والزيارة تبحث هذا الملف مع القيادة السورية، في محاولة لضمان سير مساري رفع العقوبات الأميركية والأممية بالتوازي”.
ويضيف أن رفع العقوبات الأممية سيتيح للدول التعامل بصورة “طبيعية” مع الحكومة السورية، ويفتح المجال أمام اتفاقيات اقتصادية واستثمارية تدعم الاستقرار وإعادة الإعمار.
إلا أن هذا المسار، لا يزال مشروطاً بجملة من الالتزامات التي تعهدت بها السلطة الانتقالية، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع استخدام الأراضي السورية للإضرار بدول الجوار، إلى جانب تطوير الحياة السياسية، واستكمال الإطار التشريعي المنظم للمرحلة الانتقالية.
“زيارة طبيعية” ومآزق السيادة
في مقابل القراءات التي احتفت بالزيارة كتحول استثنائي، خاصة أنها جاءت بعد 17 عاماً على زيارة أخر أمين عام للأمم المتحدة لسوريا، يقدم الكاتب والباحث السياسي المقيم في الولايات المتحدة، عهد هندي، قراءة مغايرة تدعو إلى وضع التفاعل الأممي في سياقه الدبلوماسي الطبيعي بعيداً عن المبالغة في دلالاته السياسية، معتبراً أنها لا تمثل اعترافاً استثنائياً بالسلطة الجديدة، ولا تعني أن سوريا تجاوزت عقبات المرحلة الانتقالية أو استعادت كامل سيادتها.
ويقول هندي لـ “الحل نت”، إن الأمين العام للأمم المتحدة “لا يزور عادة الدول المستقرة، وإنما الدول التي تمر بأزمات أو مراحل انتقالية، وسوريا اليوم لا تزال تعيش هذه المرحلة بعد انتهاء حكم نظام الأسد”.
وينبه المحلل الباحث السياسي إلى أن الدولة السورية لا تزال تواجه تحديات جوهرية تتعلق بوحدة أراضيها وسيادتها، مستشهداً بملفين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالوضع في السويداء التي تظهر صعوبة إخضاعها للنمط المركزي في الوقت الراهن، والثاني بمنطقة الجزيرة السورية التي ما تزال خاضعة لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، رغم التفاهمات السياسية الأخيرة.
وانطلاقاً من ذلك، يرى هندي أن الزيارة يجب أن تفهم باعتبارها تفاعلاً مع كيان سياسي “يعيد بناء مؤسساته وتعريف هويته الدستورية”. وهي في الوقت ذاته رسالة حث للسلطة الانتقالية للمضي في إصلاحات مؤسساتية تقلل من مخاطر التفكك وتعزز وحدة البلاد، وتمنع انزلاقها نحو سيناريوهات التفكك الشبيهة بنموذج “يوغوسلافيا السابقة”.
اعتبار القرار 2254 المرجعية الوحيدة لاستقرار سوريا
خلف الكواليس، تكشف أجندة التحركات الأممية عن فجوة واضحة في الأولويات بين دمشق والمجتمع الدولي. فبينما تسير ملفات التنسيق الأمني، ومكافحة الإرهاب، وبحث رفع العقوبات بخطوات متسارعة، يبدو الشق السياسي معطلاً بالكامل. حيث تتمسك السلطة الانتقالية الجديدة بأن التغييرات الميدانية الأخيرة تسقط آليات الحل الدولي القديمة وتفرض واقعاً جديداً، في حين تعتبر الأمم المتحدة أن القرار 2254 هو المرجعية القانونية الوحيدة لأي انتقال سياسي يحظى باعتراف دولي.

ويتضح هذا الخلاف السائد في عدم إعلان غوتيريش خلال الزيارة عن تسمية مبعوث أممي جديد خلفاً لـ غير بيدرسون، أو حتى التطرق لنقل مكتب المبعوثية إلى دمشق، مما يؤكد أن التفاهمات السياسية الكبرى لم تنضج بعد.
وتؤكد هذه المؤشرات أن العواصم الغربية مستعدة للتعامل مع السلطة الانتقالية في الملفات الخدمية والتنفيذية، لكنها تضع شروطاً صارمة قبل منحها الشرعية السياسية الكاملة.
معضلة الهياكل التشريعية واختبار التنوع
وبالتوازي مع الانفتاح الخارجي، تواجه السلطة الانتقالية اختباراً داخلياً لا يقل أهمية، يتمثل في قدرتها على بناء مؤسسات تحظى بشرعية سياسية ومجتمعية كاملة. فالسلطة الانتقالية تنظر إلى تشكيل مجلس الشعب الجديد، وإطلاق مسار إعداد الدستور الدائم، باعتبارهما دليلاً على تقدم العملية الانتقالية، إلا أن هذه الخطوات ما تزال تواجه انتقادات حقوقية وسياسية تتعلق بآليات تشكيل المجلس نفسه، وغياب الانتخاب المباشر، وضعف تمثيل المرأة، والمكونات القومية والدينية، فضلاً عن استمرار غياب رئيس حكومة أصيل يتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة.
وبالعودة إلى الباحث السياسي عهد هندي، فإنه يرى أن هذه الفجوة تفسر جانباً مهماً من الرسائل التي حرص غوتيريش على إيصالها خلال زيارته، ولا سيما جولاته في مناطق وأماكن تحمل بعداً سياسياً وإنسانياً إلى جانب زيارته لكنائس سورية.
ويؤكد هندي أن تلك الجولات حملت رسالة واضحة مفادها أن حماية التنوع الديني والعرقي تشكل جزءاً أساسياً من متطلبات المرحلة الانتقالية، مضيفاً أن المجتمع الدولي “لا يزال يراقب مدى قدرة السلطة الانتقالية على صون هذا التنوع وحمايته”، في ظل استمرار الانتقادات المتعلقة بأداء المؤسسات الجديدة.
المشروطية.. عنوان المرحلة المقبلة
تؤكد الرسائل التي حملتها تحركات غوتيريش أن العلاقة بين الأمم المتحدة والسلطة الانتقالية في دمشق دخلت مرحلة جديدة، حيث تجاوزت النقاشات مرحلة إدارة الأزمات الإنسانية والإغاثية، لتنتقل مباشرة إلى تقييم قدرة السلطة الجديدة على تنفيذ تعهداتها السياسية والمؤسساتية على أرض الواقع، ولكنها في الوقت نفسه ليست اعترافاً غير مشروطاً أو “شيكاً على بياض”، إنما مساراً محكوماً بمبدأ “المشروطية السياسية والحقوقية”.
وبمعنى آخر، الدعم الدولي لإعادة الإعمار، وتوسيع الانفتاح الاقتصادي، وتعزيز حضور سوريا في المؤسسات الدولية، سيظل مرتبطاً بمدى قدرة السلطة الانتقالية على استكمال الإصلاحات السياسية، وبناء مؤسسات أكثر تمثيلاً، وحماية التنوع المجتمعي، وترسيخ سيادة القانون.
وبذلك، تبدو زيارة غوتيريش أقرب إلى رسم إطار العلاقة المستقبلية بين الأمم المتحدة ودمشق، منها إلى منح شرعية نهائية للسلطة الانتقالية. فالمجتمع الدولي أبدى استعداداً واضحاً للانخراط مع سوريا الجديدة، لكنه ربط هذا الانخراط بمدى نجاح دمشق في تحويل تعهداتها السياسية والحقوقية إلى إصلاحات ملموسة على الأرض.

