الذهب في سوريا.. لماذا يخالف الأسعار العالمية؟

الذهب في سوريا

عندما يرتفع سعر الذهب عالمياً، يفترض كثير من السوريين أن أسعار المعدن الأصفر في السوق المحلية ستسلك الاتجاه نفسه، والعكس صحيح.

إلا أن الواقع يكشف أن العلاقة بين السوق السورية والأسواق العالمية ليست بهذه البساطة، إذ تتحرك أسعار الذهب داخل البلاد وفق معادلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها التطورات الدولية مع عوامل محلية تتصدرها تقلبات سعر صرف الليرة السورية، ومستوى الثقة بالعملة الوطنية، وحجم الطلب المحلي، فضلاً عن القيود التي تحكم عمليات الاستيراد والتمويل.

سعر الصرف.. اللاعب الأكثر تأثيراً

خلال الأشهر الأخيرة، شهدت الأسواق العالمية تقلبات حادة في أسعار الذهب بفعل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتحركات الدولار الأميركي، وتوقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، وهي عوامل دفعت المعدن النفيس إلى تسجيل مستويات تاريخية قبل أن يتراجع لاحقاً مع تغير توقعات المستثمرين.

إلا أن انعكاس هذه التحركات على السوق السورية جاء بصورة مختلفة، إذ سجلت الأسعار المحلية أحياناً ارتفاعات رغم استقرار الذهب عالمياً، أو تراجعات أقل من تلك التي شهدتها البورصات الدولية.

خلال الأشهر الأخيرة، شهدت الأسواق العالمية تقلبات حادة في أسعار الذهب- إنترنت

ويقول أحد خبراء النقد إن تفسير هذه الظاهرة يبدأ من طبيعة الاقتصاد السوري نفسه، الذي لم يعد يتأثر فقط بالسعر العالمي للأونصة، وإنما بمجموعة واسعة من المتغيرات الداخلية التي تمنح سوق الذهب خصوصية تختلف عن معظم الأسواق المستقرة، مشيراً إلى أن السعر العالمي يمثل أحد عناصر التسعير، لكنه ليس العامل الحاسم في تحديد قيمة الغرام داخل سوريا.

ويؤكد أن سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار العامل الأكثر تأثيراً في حركة الذهب المحلية، إذ يتم تسعير الذهب عالمياً بالدولار، قبل تحويل قيمته إلى الليرة وفق سعر الصرف السائد، ولذلك فإن أي تراجع في قيمة الليرة يؤدي تلقائياً إلى ارتفاع سعر الذهب محلياً حتى وإن بقيت الأونصة مستقرة في الأسواق العالمية.

 ويوضح أنه في المقابل، قد يؤدي تحسن سعر الصرف إلى انخفاض الأسعار المحلية رغم صعود الذهب عالمياً، وهو ما يجعل حركة المعدن الأصفر في سوريا انعكاساً مباشراً لتقلبات سوق القطع الأجنبي أكثر من كونها استجابة فورية للأسواق الدولية.

الذهب ملاذ الادخار الأول

يشير الخبير إلى أن العلاقة بين الدولار والذهب داخل سوريا تكاد تكون طردية، فارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بنسبة معينة ينعكس غالباً بارتفاع مقارب في أسعار الذهب، وهو ما يفسر اختلاف منحنى الأسعار المحلية عن نظيره العالمي، خاصة في الفترات التي تشهد اضطرابات نقدية أو تغيرات سريعة في سوق الصرف، وفقاً لموقع “العين السورية”.

ويقول إنه لا يقتصر الأمر على سعر الصرف، إذ أدى تراجع الثقة بالعملة المحلية خلال السنوات الماضية إلى تحول الذهب إلى أحد أهم أوعية الادخار بالنسبة للسوريين، ففي ظل التضخم وتآكل القوة الشرائية، أصبح المعدن الأصفر وسيلة لحفظ القيمة أكثر منه سلعة للزينة، ما عزز الطلب المحلي بصورة مستمرة، حتى في الفترات التي تشهد هدوءاً نسبياً في الأسواق العالمية.

وكان أستاذ التمويل والمصارف بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد،  قد أوضح في تصريحات سابقة أن ضعف القوة الشرائية وغياب الأدوات الاستثمارية الآمنة دفعا شريحة واسعة من السوريين إلى اقتناء الذهب باعتباره أكثر الأصول قدرة على الحفاظ على القيمة، لافتاً إلى أن سهولة تداوله مقارنة بأصول أخرى جعلته الخيار المفضل لكثير من المدخرين.

المضاربة وتكاليف الاستيراد ترفع الأسعار

يضيف الخبير أن خصوصية السوق السورية تبرز أيضاً في استمرار الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية والموازية، وهي فجوة تخلق مساحة واسعة للمضاربة اليومية تنعكس بصورة مباشرة على تسعير الذهب، لافتاً إلى أنه في الاقتصادات المستقرة، يعتمد التجار على سعر صرف موحد تقريباً، بينما يواجه السوق السوري تعدد أسعار الصرف واختلافها، الأمر الذي يجعل عملية التسعير أكثر حساسية للتقلبات اليومية.

ومن جهة أخرى، لا تزال السوق المحلية تعاني محدودية في المعروض نتيجة صعوبات الاستيراد، وارتفاع تكاليف التمويل والنقل، إلى جانب الرسوم والضرائب المفروضة على الذهب الخام والمصنّع، وهو ما يزيد التكلفة النهائية على المستهلك.

خلال الأشهر الأخيرة، شهدت الأسواق العالمية تقلبات حادة في أسعار الذهب- إنترنت

كما أن القيود المفروضة على التحويلات المالية والتجارة الخارجية تجعل توفير المعدن أكثر كلفة مقارنة بالأسواق المفتوحة، لتتحول هذه التكاليف الإضافية إلى عنصر دائم في تسعير الذهب داخل سوريا.

ولا تقتصر آثار هذه المعادلة على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى الحياة اليومية للسوريين، إذ بات شراء الذهب يشكل عبئاً متزايداً على الأسر، خصوصاً مع ارتباطه بعادات اجتماعية راسخة مثل الزواج.

مرآة للأزمة الاقتصادية

يؤكد عاملون في سوق الصاغة أن المبالغ التي كانت قبل سنوات تكفي لشراء عدة قطع ذهبية، أصبحت اليوم بالكاد تكفي لشراء خاتم أو قطعة صغيرة، ما دفع كثيراً من العائلات إلى تقليص قيمة الشبكة أو الاستغناء عنها بالكامل، أو اللجوء إلى أعيرة أقل سعراً لتخفيف الأعباء المالية.

بناء على ما سبق، فإن سعر الذهب في سوريا لا يتحرك وفق اتجاهات البورصات العالمية وحدها، بل يخضع لمعادلة مركبة يتصدرها سعر صرف الليرة، ومستوى الثقة بالعملة المحلية، وحجم الطلب الداخلي، وفجوة أسعار الصرف، وصعوبات الاستيراد وتكاليفه.

لذلك، فإن متابعة حركة الأونصة في الأسواق العالمية لا تكفي لفهم ما يجري في محلات الصاغة السورية، لأن السعر المحلي أصبح، إلى حد كبير، مرآة لحالة الاقتصاد السوري وتوازناته النقدية أكثر من كونه انعكاساً مباشراً لحركة الأسواق الدولية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم