إيران في قبضة المتشددين.. صراع السلطة واحتمالات تغيير النظام

ظهرت مؤشرات الانقسام واضحة داخل الحكم في إيران خلال الفترة الفائتة بين التيارين المتشدد والبراغماتي، وهو ما طرح تساؤلات صعبة عما سيحدث في الأيام المقبلة، سواء في العودة إلى طاولة التفاوضات مع الولايات المتحدة أم الاستمرار في الحرب الدائرة، وسط غموض تاريخي حول شكل الحكم الحالي في إيران. فهل لا يزال هناك فرصة للاتفاق قد تغير المسار السياسي والاقتصادي لإيران؟ أم أن هيمنة التيار المتشدد جعلت هذا السيناريو غير واقعي منذ البداية؟

تدعيماً لذلك، كشف تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” مؤخراً عن اتساع الفجوة داخل المؤسسة الحاكمة في إيران، وهو ما وصفته بالصراع على السلطة، بين المسؤولين الإيرانيين المعتدلين الذين يسعون للحفاظ على الاتفاق الذي فكان مبرماً مع واشنطن قبل أن يفشل قبل أيام قليلة، والمتشددين المعارضين لأي اتفاق، وهو انقسام تحول إلى عداء علني خلال مواكب جنازة المرشد الأعلى علي خامنئي، حيث أظهرت الفوضى في الجنازة مؤشرات واضحة عن التوترات الداخلية العميقة داخل النظام، والتي كانت بالفعل ظاهرة سابقاً لكن ليس بهذا الوضوح.

كذلك، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن الانقسام بين التيارين “المتشدد” و”البراغماتي” داخل إيران أسهم في تجدد التوتر مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن واشنطن لا تزال ترى فرصة لمواصلة المسار الدبلوماسي رغم التطورات العسكرية الأخيرة.

مؤشرات الانقسام

وأوضح فانس، في مقابلة مع الإعلامي جو روغان، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتبع ما وصفه بـ”رقصة دبلوماسية دقيقة”، مشيراً إلى أن التيار المتشدد تبنى مواقف أكثر تصعيداً، بينما يفضل التيار البراغماتي مواصلة الحوار مع واشنطن. وأضاف أن واشنطن تسعى للتواصل مع هذا التيار، مع الرد عسكرياً في حال تعرضها لهجمات، معتبراً أن مذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان الشهر الماضي “حُرفت بشكل كبير”، وأن ما أثير حولها لا يعكس مضمونها الحقيقي.

مسؤولون إيرانيون كبار يحضرون جنازة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي. من اليسار إلى اليمين: وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، والرئيس مسعود بزشكيان؛ 4 يوليو 2026.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، ونقلتها قناة “إيران الدولية”، الرئيس بزشكيان وهو يُقتاد على عجل عبر الحشود من قبل حراسه الشخصيين، بينما كان المشيعون يهتفون “الموت للمُساوم”، كما هتفوا “الموت للخائن” في وجه وزير الخارجية عباس عراقجي، مما كشف عن صراع إيران المتفاقم على السلطة بشأن المحادثات مع الولايات المتحدة.

وبعيداً عن المطالبات العامة بقتل بزشكيان وعراقجي، جاء مثال آخر على المواجهة الداخلية عندما تم قطع مقابلة تلفزيونية مع قاليباف أثناء شرحه لمذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وهي الحادثة التي أثارت عاصفة شعبية في إيران، تضمنت دعوات لإقالة رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية، الذي عيّنه علي خامنئي وينتمي إلى التيار المتشدد.

حرب البراغماتيين والمتشددين

يضم المعسكر الأكثر براغماتية رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، والرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، وعدداً من كبار جنرالات “الحرس الثوري” الإيراني لم يُكشف عن أسمائهم، وهو التكتل الذي حقق التقدم في مذكرة التفاهم الأخيرة والمحادثات المباشرة مع الولايات المتحدة، والذي يسعى لمستقبل أفضل لإيران من شأنه أن يخرجها من العزلة الدولية ويساهم في تحسين الوضع الاقتصادي.

ووفقاً لأربعة مسؤولين إيرانيين استشهدت بهم صحيفة “التايمز”، فقد حذر بزشكيان شخصياً علي خامنئي قبل وفاته من أن الاقتصاد الإيراني يعاني من ضائقة شديدة جراء الحصار البحري الأميركي، وهدد بالاستقالة في حال رفض الاتفاق، كما حذر محافظ البنك المركزي، عبد الناصر همتي، بشكل منفصل من أن الإمدادات الغذائية والطبية الأساسية قد تنفد بحلول نهاية آب/أغسطس في حال عدم رفع الحصار. ووُصفت هذه التحذيرات بأنها حاسمة في قرار خامنئي النهائي بالسماح بتنفيذ الاتفاق.

بينما يُعرَّف المتشددون عادة بأنهم أعضاء في النخبة الإيرانية يدافعون عن المبادئ الدينية لثورة 1979 ويرفضون التحرر الاجتماعي والانخراط الدبلوماسي مع الدول الغربية، إلا أن موقف المتشددين في الواقع أكثر تنوعاً مما يوحي به هذا المصطلح.

ويشكل المتشددون تحالفاً فضفاضاً يضم عدة دوائر انتخابية، تشمل هذه الدوائر جبهة بايداري في البرلمان، التي ينتمي إليها نابافيان وغضنفري، بالإضافة إلى قطاعات من “الحرس الثوري” الإسلامي القوي والتكتلات الاقتصادية المرتبطة به، فيما تحمل هذه الجماعات مصالح اقتصادية وسياسية. فعلى سبيل المثال، لعبت الدوائر التجارية التابعة “للحرس الثوري” الإيراني دوراً محورياً في طرق التهريب، والمراجحة النقدية، وشبكات التجارة غير الرسمية التي ازدهرت في ظل عزلة إيران عن الأنظمة المالية العالمية.

وفي الوضع الحالي، فإن المتشددين يحاولون تعطيل الاتفاق مع الولايات المتحدة، وربما دفع إيران إلى الحرب مرة أخرى. فأكثر ما أثبت المتشددون فعاليته تاريخياً هو تقييد هامش إيران للتفاوض مع الولايات المتحدة، سواء من خلال التشريعات أو حق النقض المؤسسي، أو من خلال جعل المشاركة صعبة سياسياً.

بينما يقول المحللون إن الانقسامات الفئوية والمعارضة للمحادثات مع الولايات المتحدة موجودة داخل التسلسل الهرمي الإيراني، وربما هذه الانقسامات تعرقل عملية التفاوض أو تنسفه في النهاية.

من يحكم إيران حقاً؟

وصفت “مجموعة الأزمات الدولية” نظام القيادة الإيراني بأنه “غامض تاريخياً”، وأنه الآن “مضطرب بشدة بسبب مقتل العديد من قادته في وقت مبكر من الحرب، فضلاً عن الخوف المستمر من المزيد من الضربات”، لكن على الرغم من ذلك، ظهرت بوادر تغيير في آلية صنع القرار في إيران عندما أدلى نائب الرئيس الإيراني، محمد جعفر قائم بناه، بتصريحات يمكن تفسيرها على أنها تعني أن المرشد الأعلى لم يعد له الكلمة الفصل.

وقال في خطاب له: “إذا كان القصد هو تطبيق كل ما يقوله المرشد باعتباره رأيه، فلا حاجة لأي مؤسسة أخرى. ويفقد البرلمان ومجلس الأمن القومي الأعلى معناهما أيضاً. يعبّر المرشد عن موقف، ويخضع هذا الموقف لمراجعة مهنية”. في عهد علي خامنئي، ما كان لمثل هذا التصريح أن يمر.

عناصر من “الحرس الثوري الإيراني” في عرض عسكري – إنترنت

بينما يُزعم أنه في الواقع، تُدار إيران منذ أشهر بعد الحرب من قبل جنرالات “الحرس الثوري” الإيراني، على الرغم من أن قاليباف وعراقجي، إلى جانب بزشكيان، هم من دفعوا بالاتفاق قدماً. فيما تساءلت مواقع إيرانية: هل انتهى حكم الرجل الواحد بعد خامنئي؟

وهو ما ظهر منذ أن تولى مجتبى خامنئي الحكم، حيث بدأت عملية إعادة تعريف دور المرشد الأعلى نفسه، بعد أن استندت الجمهورية الإسلامية على مبدأ مركزي واحد: المرشد الأعلى له الكلمة الأخيرة. ولكن مؤخراً، لم يعد المرشد له الكلمة الأخيرة، وأثير هذا التساؤل بسبب الخلاف حول مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.

من جانبه، قال باتريك كلاوسون، نائب مدير الأبحاث في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”: “فكرة أن المرشد الأعلى ليس هو من يتخذ القرار النهائي هي فكرة جيدة للغاية”.

وأضاف كلاوسون إنه بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً، تحولت السلطة اليومية بشكل متزايد نحو المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث يتم تمثيل المؤسسات الرئيسية في إيران، بما في ذلك الرئاسة والقضاء و”الحرس الثوري” وأجهزة المخابرات.

بينما ترى جاناتان سايه، وهي محللة أبحاث في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، قوة أخرى وراء هذا التحول، وقالت: “لم يسبق لأحد أن قلل من شأن دور المرشد الأعلى بهذه الطريقة”.

وأضافت سايه: “لم تعد المؤسسة العسكرية تشعر بالحاجة إلى استرضاء رجال الدين كما كانت تفعل في السابق، حيث يستفيد الحرس الثوري الإسلامي من الحفاظ عليه كمصدر للشرعية الدينية والدستورية، في حين تتدفق السلطة الحقيقية بشكل متزايد عبر المؤسسات الأمنية”.

وأوضح سايه: “من الناحية المثالية، يريدون ولاية فقهية يهيمن عليها الحرس الثوري الإيراني ولا تتأثر برجال الدين”. وهو ما يعكس التغيير العميق داخل إيران، فلعقود طويلة، تنافست مؤسسات إيران تحت سلطة واحدة لا جدال فيها. أما اليوم، فيبدو أن التنافس يدور بشكل متزايد حتى داخل تلك السلطة نفسها.

آلة البروباغندا الإيرانية إزاء استهداف الخليج

ليس خافياً أن المشهد الميداني بات مكرراً بوضوح؛ فحين يستهدف “الحرس الثوري” الإيراني السفن والملاحة بطائرات مسيّرة، يأتي الرد الأميركي المباشر مستهدفاً قواعد وقدرات صاروخية في مناطق مثل بندر عباس. إلا أن “الحرس الثوري” يتعمد فوراً إلى توجيه ضربات مباشرة نحو دول الخليج والأردن والعراق تحت غطاء دعائي يزعم استهداف “قواعد عسكرية أميركية”.

كما أن الوقائع على الأرض تدحض تماماً الرواية الإيرانية؛ فلم تسجل هذه الهجمات أي خسائر مادية أو بشرية في صفوف القوات الأميركية أو قواعدها. وفي المقابل، تؤكد تقارير ووكالات الأنباء أن بنك الأهداف الحقيقي للاستهدافات الإيرانية ينحصر في المنشآت المدنية كالمطارات والمولات، ومحطات الوقود والفنادق والأبراج السكنية.

و”الحرس الثوري” لم يتوقف، منذ بداية التصعيد مع واشنطن، عن ضخ آلة البروباغندا، إذ لم يتوقف النظام الإيراني عن الاستثمار إعلامياً في هذه الضربات لتسويق صورة “البطل المنتقم” أمام جمهور الممانعة.

الغرب يراهن على “التيار البراغماتي”

يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت السلطة بطهران ستستقر في نهاية المطاف في يد المجلس الأعلى للأمن القومي، أو “الحرس الثوري” الإيراني، أو تحالف آخر من النخب السياسية، مع ذلك، ثمة مؤشرات على تغير موازين القوى. فقد وافق المجلس الأعلى للأمن القومي على مذكرة التفاهم الأخيرة مع الولايات المتحدة قبل أن يُصادق عليها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. وتشير التقارير إلى أن الاتفاقية حظيت بأغلبية ساحقة تتجاوز عتبة الثلاثة أرباع المطلوبة، وتفيد بعض الروايات بأن جميع الأعضاء باستثناء عضو واحد صوتوا لصالحها.

كما شهدت الساحة البرلمانية تحولاً ملحوظاً، فقد حصل قاليباف، الذي كان يقود المفاوضات، على 235 صوتاً لتمديد ولايته في أيار/مايو، بينما لم يحصل منافسه المدعوم من “جبهة بايداري” وهي تيار سياسي يميني إيراني متشدد، إلا على 29 صوتاً.

والسؤال الآن ليس ما إذا كان المتشددون سيعرقلون الدبلوماسية، بل أيّ الفصائل قد استنتجت أن التشدد لن يذهب بإيران إلى أي مكان؟ وإلى أي مدى سيتمكنون من الدفع بإيران نحو الاتفاق مع الولايات المتحدة؟

قيادة الخلافة، التي يرأسها الآن ابن خامنئي، ستواجه اختيارها الأوضح عندما يتعين عليها إجراء تعيينات رئيسية لرئاسة السلطة القضائية والإذاعة الحكومية وميليشيا “الباسيج”، وهي قرارات قال مسؤولون إيرانيون للصحيفة إنها ستشير إلى الفصيل الذي يتمتع بنفوذ أكبر في المستقبل.

ووفق مراقبون للشأن الإيراني، فإن السلوك الإيراني الحالي يتحرك في مساحة أمنية تتيحها الاستراتيجية الأميركية والإقليمية الحالية، والتي تراهن بشكل أساسي على صعود تيار براغماتي إيراني يمكنه التفوق والسيطرة على التيار الأصولي الراديكالي المتشدد. وفي حال لم يحصل ذلك، فإن الضغوط الخارجية والإقليمية حتماً ستدفع إلى تغيير النظام الإيراني، وإن بدا ذلك مكلفاً إلى حد ما.

سارة شريف

سارة شريف

مُحللة شؤون خارجية وباحثة دكتوراه في الإعلام السياسي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم