بدأت التحولات الجيوسياسية التي فرضها التصعيد العسكري في الخليج تدفع دول المنطقة إلى إعادة رسم خريطة تصدير النفط، في محاولة لتقليص الاعتماد التاريخي على مضيق هرمز، الذي ظل لعقود الشريان الرئيس لتدفق نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية.
ويأتي هذا التوجه في وقت أعلنت فيه الولايات المتحدة دعمها لجهود العراق وسوريا لإحياء خط أنابيب كركوك–بانياس، باعتباره أحد أبرز المشاريع المطروحة لتوفير مسار بديل للصادرات النفطية بعيداً عن المضيق، الذي تحول مجدداً إلى بؤرة توتر تهدد أمن الطاقة العالمي.
كركوك–بانياس يعود إلى الواجهة
بحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، فإن واشنطن تتوقع أن تلعب الشركات الأميركية دوراً في تسريع إعادة تأهيل خط الأنابيب، الذي خرج من الخدمة منذ تعرضه لأضرار كبيرة خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، فيما أشارت تقارير إلى احتمال مساهمة شركة “شيفرون” في المشروع، رغم امتناع الشركة عن التعليق.
ومن المخطط أن ينقل الخط النفط الخام من حقول كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس على الساحل السوري، في خطوة تنسجم مع توجه إقليمي أوسع لتنويع منافذ التصدير وتقليل مخاطر الاعتماد على هرمز.

وفي هذا السياق، ترى مديرة برنامج الشرق الأوسط في منظمة “أولويات الدفاع” روزماري كيلانيك، أن الأشهر الأخيرة كشفت هشاشة الاعتماد على ممر بحري واحد لتصدير الطاقة، الأمر الذي دفع دول الخليج إلى تسريع مشاريع خطوط الأنابيب البديلة.
وتوضح في تدوينة عبر منصة “إكس” أن أحد أسباب تأخر هذه المشاريع لعقود يعود إلى ما تصفه بـ”المخاطر الأخلاقية”، إذ إن المظلة الأمنية التي وفرتها الولايات المتحدة لحماية الملاحة في مضيق هرمز قللت الحوافز الاقتصادية للاستثمار في بدائل برية مرتفعة الكلفة، بعدما تحملت واشنطن عملياً عبء حماية صادرات النفط الخليجية.
توسع شبكة البدائل
ليس العراق وسوريا وحدهما في هذا المضمار، فالمملكة العربية السعودية تمتلك بالفعل خط أنابيب “شرق-غرب” الذي يمتد 1200 كيلومتر من المنطقة الشرقية إلى البحر الأحمر، بطاقة استيعابية تبلغ نحو 7 ملايين برميل يومياً، وتشير تقارير إلى أن الرياض تدرس حالياً توسيع قدرات هذا الخط.
كما أن دولة الإمارات العربية المتحدة أنشأت خط أنابيب يربط منطقة حبشان البترولية بميناء الفجيرة على بحر عمان، خارج نطاق المضيق.
وتؤكد كيلانيك أن خطوط الأنابيب لا تلغي المخاطر الأمنية بالكامل، لكنها تجعلها أقل كلفة وتأثيراً مقارنة بالنقل البحري، فإصلاح الأنابيب يتم بسرعة وبتكاليف محدودة، ولا يتطلب إخراجها من الخدمة لفترات طويلة كما هو الحال مع ناقلات النفط التي قد تصل قيمة الواحدة منها إلى ما بين 100 و200 مليون دولار، مضيفة أن استهداف خطوط الأنابيب لا يعرض أطقم السفن لخطر مباشر، وهو عامل أصبح أكثر أهمية بعد تزايد مخاوف شركات الشحن من العمل في المناطق عالية المخاطر.
وتضيف أن الأضرار البيئية المحتملة في حال تعرض خطوط الأنابيب لهجمات تبقى أقل نسبياً، نظراً لإمكانية وقف تدفق النفط فوراً عند حدوث أي تسرب، فضلاً عن أن معظم هذه الخطوط تقع على مسافات أبعد من السواحل الإيرانية، ما يمنح أنظمة الدفاع الجوي وقتاً أكبر للاستجابة لأي تهديدات محتملة.
خريطة الطاقة تتغير
تشير هذه التطورات إلى أن المنطقة قد تكون بصدد مرحلة جديدة في تجارة الطاقة، إذ لا يقتصر الأمر على إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس، بل يمتد إلى حزمة من مشاريع الأنابيب الجديدة أو توسعة القائم منها في العراق والإمارات والسعودية، بهدف تقليص الاعتماد على مضيق هرمز.

وتشير تقديرات محللي غولدمان ساكس إلى أن هذه المشاريع قد تتيح تحويل أكثر من 45 بالمئة من صادرات النفط الخليجية التي كانت تمر عبر المضيق إلى مسارات بديلة بحلول نهاية عام 2027، مع إمكانية تجاوز هذه النسبة 60 بالمئة خلال العام التالي إذا اكتملت المشروعات المخطط لها.
وبينما لا يعني ذلك انتهاء الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، فإنه يعكس تحولاً متسارعاً في حسابات دول الخليج، التي باتت تنظر إلى تنويع طرق التصدير باعتباره استثماراً في أمن الطاقة، وليس مجرد مشروع للبنية التحتية، في ظل قناعة متزايدة بأن استمرار الاعتماد على ممر بحري واحد يفرض كلفة اقتصادية وجيوسياسية تتزايد مع كل أزمة جديدة تشهدها المنطقة.

