حرف وصناعات سورية بسيطة… لاختراع الحياة  

طبلية

رامز أنطاكي

منذ بِدء السوريون باللجوء إلى لبنان هرباً من الجحيم المستعر في بلدهم، باشروا بالبحث عن أعمال ووظائف تقيهم العوز والفاقة، ولم يستطع سوق العمل اللبناني المكتظ أصلاً استيعاب الأعداد الهائلة من الراغبين بالعمل كما هو متوقع، كما شهد المجتمع اللبناني رد فعل سلبي تجاه ما اعتبر أنه سلب لفرص العمل من قبل اللاجئين السوريين على حساب المواطنين اللبنانيين أصحاب الأرض.

المنظمات الإنسانية وتلك غير الحكومية التي تهتم باللاجئين السوريين في لبنان، وبعض تجمعات هؤلاء اللاجئين، حاولوا استنباط حلول لخلق مجالات عمل ذاتية تمكنهم من تحصيل بعض الربح المادي دون عناء البحث عن عمل في الأسواق اللبنانية التقليدية، وقد نجحت بعض هذه التجارب بينما لم يكتب للأخرى النجاح.

التجارب تعددت، فمن الطبخ إلى المشروبات والأطعمة التي تدخل تحت تصنيف “المونة”، مروراً بمنتجات الخياطة والتطريز والنسيج على أنواعها، كما تختلف المناطق التي احتضنت هذه التجارب كبيروت وطرابلس وصيدا وشاتيلا بالإضافة إلى مناطق متعددة في منطقة سهل البقاع.

أحد هذه المشاغل في منطقة بيروت تجاوز عمره سنة الكاملة وهو يهتم بتدريب وتشغيل السيدات في مجال التطريز وشغل الإبرة والكروشيه وما شابه، هذا المشغل الذي يضم نساء سوريات، وفلسطينيات سوريات بات شبه قادر على تحقيق الاستقلال المادي ليكمل مسيرته دون أن يكون بحاجة إلى أي دعم خارجي.

تقول أم عبد العزيز التي تعمل في المشغل: “لم تعد خياراتي محصورة في البقاء ضمن جدران المنزل الصغير المعتم، صرت أخرج يومياً لأعمل مع سيدات أخريات باتوا صديقات لي. قد تعلمت مهنة تؤمن لي دخلاً يكفل لي نوعاً من الاستقلالية”.

المشغل الذي ينتج الأوشحة والحقائب وأغطية المخدات ومنتجات أخرى، يبيع منتجاته للمهتمين من زائري المشغل، كما لمستهلكين من البلدان العربية وأوروبا وأميركا، في حين يستقدم المواد الأولية اللازمة لعمله من أسواق دمشق وبيروت.

مشغل آخر للسجاد المحاك يدوياً قرب مدينة زحلة في منطقة البقاع لم يكتب له النجاح، فبعد تصنيع الأنوال الصغيرة اللازمة والبدء بتدريب السيدات على حياكة السجاد على يد شاب يملك خبرة طويلة في المجال عينه، تبين أن عملية التعليم شاقة، وليست محل إقبال، كما أن إنتاج سجادة صغيرة من قياس يقارب المتر عرضاً والمتر ونصف المتر طولاً يحتاج إلى 3 أشهر من العمل تقريباً تحتاج خلالها العاملات إلى مدخول في الوقت الذي لم يبع المشغل أي منتج بعد.

ضعف التمويل بالإضافة إلى عدم الدراسة الكافية للمشاريع من الناحية التسويقية والإنتاجية وأيضاً من ناحية الكلفة كلها ساهمت في وأد مشاريع عديدة كمشغل السجاد هذا، وأيضاً مطبخ ناشئ في بيروت يبدو أنه سيلاقي المصير نفسه، فالسيدات العاملات في المطبخ جاهزات لتلبية أية طلبية تردهن، لكن الدعاية تنقصهن كما أن معدلات الطلب ما تزال متدنية وغير مستقرة، مما يشكل عبئاً مادياً لا طريقة بعد لتجنبه، خصوصاً وأن العمل في مجال الطبخ والمواد الغذائية يعني توقع خسارات على صعيد المواد والأغذية التالفة بسبب ضعف التصريف، في هذا السياق تشرح أم سلام التي تشارك في العمل ضمن هذا المطبخ: “نركز الآن على إنتاج اللبنة المحفوظة بالزيت، والجبنة، والخل، والشرابات الطبيعية، كل هذه يسهل تخزينها لفترات طويلة، كما أنها تلاقي رواجاً مقبولاً بين اللبنانيين”.

سيدات أخريات فضلن العمل في نفس المجال لكن بشكل فردي في مطابخ مطاعم معروفة، سواء في بيروت أو في الجبل، تقول أم فاطمة حول الموضوع: “ظروف العمل صعبة ومتعبة، وأعرف زميلاتٍ يتعرضن للإهانة والاستغلال، لكن يبقى الجانب الجيد حيث الدخل الثابت المستقر وعد القلق لجهة تصريف الإنتاج، فهذه ليست مسؤوليتي.

في حرفة مختلفة تماماً يعمل سليم وجهاد الصديقان الآتيان من حمص في تصنيع الكراسي والطاولات والرفوف الخشبية بالإضافة إلى مفروشات متنوعة، تصنع بغالبها من الخشب الخام مع الاستفادة من “الطبليات” الخشبية التي تستعمل عادة في عمليات الشحن، كما من النوافذ والشبابيك القديمة، منتجين مفروشات غريبة من مواد قليلة الكلفة أو مواد يعمد الكثيرون إلى التخلص منها ورميها، هذه المفروشات تلقى اقبالاً واسعاً من الشباب اللبناني والسوري كما من الأجانب المقيمين في بيروت، جهاد يعتبر أن الفكرة بسيطة والربح معقول، وأن هاتين النقطتين هما ما دفعاه وسليم إلى خوض غمار هذه التجربة: “طبلية نحصل عليها مجاناً أو مقابل 10 دولارات، نركب لها أربع دواليب صغيرة، ونطليها بالـلكر، وربما نضع لها لوحاً زجاجياً فتصبح طاولة مناسبة للغرفة المزودة بجلسة عربية على الأرض بكلفة لا تتجاوز 20 إلى 30 دولاراً”.

جوزيف يستفيد من زجاجات البيرة الفارغة ذات اللون الداكن، فيعمد إلى جمعها ومن ثم يقوم بقصها، فإما أن يقوم بقص كعبها وإزالته ليزود الزجاجة لاحقاً بشريط يمر عبر فتحة القنينة ومصباح كهربائي مناسب داخلها فتتحول مجموعة من القناني إلى ثريا تلفت الأنظار، أو يقوم بقص الجزء العلوي الضيق من الزجاجة ويبرد حافة القسم الباقي محولاً الزجاجات المرمية إلى كؤوس متعددة الاستعمالات بخسة الكلفة، ويعلق جوزيف: “يحب الأجانب هنا في بيروت هذه المنتجات لأنهم يعدونها صناعة تدوير نفايات، ولذا فهم يشجعونها مما يتيح لي ممارسة عمه أحبه وتأمين دخلٍ مادي متوسط القيمة في الوقت نفسه”.

الحاجة أم الاختراع، ويبدو أن السوريين في لبنان سيبقون يستنبطون وسائل جديدة لكسب الرزق، سواء عبر الخبرات التي اكتسبتها المرأة على نحو تلقائي خلال تربيتها المنزلية من طبخ وحياكة، أو عبر الأفكار الغريبة والجديدة التي تخرج بها عقول الشباب بحثاً عن تحقيقٍ للذات وتأمين مصادر العيش الكريم في بلد ترتفع فيه كلفة المعيشة وتندر فرص العمل.