الموازنات العراقية في بحر من الفساد: لماذا تنفق المليارات على مشاريع فاشلة أو وهمية؟

الموازنات العراقية في بحر من الفساد: لماذا تنفق المليارات على مشاريع فاشلة أو وهمية؟
أستمع للمادة

تثير الموازنات العراقية المقرّة من جانب حكومة بغداد كثيراً من الجدل في البلد الغني بالموارد النفطية. فقد أقر العراق موازنة مالية لعام 2021، بإجمالي نفقات بلغ 129 تريليون دينار، أي نحو 88 مليار دولار. الا أن هذه الموازنة الضخمة، وغيرها من الموازنات العملاقة، التي تشرّع كل عام، لا تقي العراق من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة. وتراجع خدمات مؤسساته الحكومية، وتهالك بناه التحتية. فضلاً عن ملف الكهرباء، الذي طالما خرج العراقيون بسببه في تظاهرات غاضبة ببغداد وبقية المحافظات. لا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة في كل موسم صيف.

مراقبو الشأن الاقتصادي والاجتماعي أرجعوا إهمال القطاع الخدمي، وسوء البنى التحتية، وتردي قطاع التربية والصحة، رغم الموازنات العراقية الكبيرة، إلى عمليات الفساد وسيطرة الاحزاب المتنفّذة على مفاصل الدولة كافة. وقيامها بإجراء  تعاقدات مع شركات وهمية. فضلاً عن سوء التخطيط والتنفيذ.

شركات وهمية للأحزاب

مسؤول حكومي في إحدى المؤسسات الحكومية، رفض الكشف عن اسمه، قال لـ«الحل نت» إن «أموال الموازنات العراقية، والمشاريع المقررة في بغداد وبقية المحافظات، يذهب أغلبها إلى جيوب الفاسدين. فضلا عن التعاون مع شركات وهمية، تابعة لجهات سياسية متنفّذة. تستلم الأموال وتختفي. ولا يكون لها وجود على أرض الواقع».

مبيناً أن «هناك أيضاً شركات حقيقية يتم الاتفاق معها. إلا أنها لا تتمتع بالكفاءة. وهذا ما يلاحظ في المدارس والمشافي والشوارع. فبعد إنجاز أعمال صيانتها وترميمها تعود إلى وضعها السابق خلال فترات قصيرة، قد لا تتجاوز العامين. لذلك من الضروري الاتفاق مع شركات عالمية رصينة ومعروفة. والابتعاد عن الحسابات الحزبية الضيقة في ذلك».

الموازنات العراقية ضحية عمليات فساد منظّمة

ورغم وجود إيرادات في الموازنات العراقية، تصل لأكثر من مئة ترليون دينار. تبقى البنى التحتية والقطاعات الخدمية في البلاد متهالكة وضعيفة. ولا تتناسب مع احتياجات المواطنين.  

“حسين العقابي”، النائب السابق في البرلمان العراقي، أكد لـ«الحل نت» أن «العجز في المدارس والمستشفيات والمنشآت الأخرى كبير جداً. فأكثر من ثلاثين مستشفى ما يزال إنجازها متلكئاً في بغداد منذ سنوات. فضلاً عن سوء أحوال الطرق، الذي تسبب بكوارث بشرية كبيرة».

ويشير “العقابي” إلى وجود «عملية فساد منظّمة. تبتلع مبالغ ضخمة في عدد من مفاصل الدولة العراقية. وتمنعها من استثمار مواردها، التي يمكن أن ترفد الموازنات العراقية بمبالغ كبيرة جداً. مثل الإيرادات الجمركية والضريبية. إضافة إلى عقود الاتصالات، وملف الكهرباء، الذي يعد أكبر ملف فساد. ناهيك عن قضية التراخيص النفطية».

ويتابع بالقول: «أموال الموازنات العراقية تنفق على بنود غير ضرورية. مثل نفقات سيارات المسؤولين، وفرق حماياتهم الشخصية، ومشترياتهم اليومية، وغيرها. وكل هذا يحصل بسبب غياب الرقابة القانونية. وعدم اضطرار المسؤولين لتقديم حسابات ختامية عن انفاقهم».  

مبيناً أن «قيمة المشاريع المُعطّلة وحدها، بحسب وزارة التخطيط العراقية، تبلغ أكثر من عشرة تريليونات دينار».

فوضى الوزراء وضياع أموال الموازنات العراقية

من جهته يشتكي “محمد أوس الشمري”، مدير إحدى الدوائر في وزارة البلديات العراقية، من تغيير الوزراء المستمر. قائلاً في حديثه لـ«الحل نت»: «المحاصصة الحزبية، وعدم استقرار الوزراء، لهما دور كبير في تلكؤ المشاريع وعدم تنفيذها. وفي بعض الأحيان تصدر الموافقات الأصولية على تنفيذ المشاريع. وتُصرف المبالغ المالية لأجلها. ثم يُخل بالاتفاق مع الشركات المنفذة. التي لا تعيد الأموال التي صُرفت».

“الشمري” يضيف أن «اختلاف سياسة كل وزير عن الوزير الذي سبقه، بحسب انتمائه الحزبي، يخلق فوضى في المشاريع. والوزير الذي لا مصلحته شخصية له بإتمام مشروع، بدأه وزير سابق، يقوم بإهماله أو عرقلته. كما أن الصراعات بين المنفذين في الدوائر المسؤولة عن الاستثمار، وغياب الرقابة، جميعها عوامل أسهمت في هدر أموال طائلة من الموازنات العراقية. بحجة المشاريع الخدمية».

عرقلة تنفيذ الحكومة الإلكترونية

يجمع أغلب المراقبين والمحللين، الذين التقاهم الموقع، على أن هيمنة الأحزاب السياسية المتنفّذة، ولجانها الاقتصادية، على الخدمات والاقتصاد بشكل غير مشروع، سببٌ مباشرٌ لهدر واختفاء أموال الموازنات العراقية.

“ضرغام محمد علي”، رئيس “المركز الاقتصادي” العراقي، يحدد، في حديثه لـ«الحل نت»، أسباباً مباشرة لتدهور البنى التحتية وتردي القطاعات الخدمية العراقية: «ضعف التخطيط وانعدام العمل به. وتعذّر الالتزام بتعليمات الإحالة إلى شركات رصينة، بمناقصات سرية. والتعاقد مع شركات ضعيفة أو وهمية. وغياب الرقابة الإدارية، لمتابعة قضايا الفساد الكبرى. وضعف دور “هيئة النزاهة” و”ديوان الرقابة المالية”، المشرف نظرياً على عمل جميع المسؤولين، من رؤساء الحكومات السابقين، مروراً بالوزراء والمدراء العامين، وصولاً لمسؤولي لجان الإحالات».

مقالات قد تهمك: السفير الهولندي ببَغداد: مصدومٌ من حجم الفساد بالعراق.. كيف يمكن أن يحصل كل هذا؟

وأمام هذا الواقع عوّل كثيرون في الفترات السابقة على أتمتة النشاط الاقتصادي في البلاد، وتأسيس ما يسمى بـ”الحكومة الالكترونية”، لمراقبة إنفاق أموال الموازنات العراقية. إلا أن “محمد علي” يعلّق على هذا بالقول: «تم تأخير تنفيذ الحكومة الإلكترونية، التي من شأنها تقليل عمليات الفساد. وكان هذا عاملاً مهما في ضياع مبالغ ضخمة من الموازنات العراقية. ولعل من أهم عوامل هذا التأخير هيمنة الأحزاب المتنفّذة ولجانها الاقتصادية على مفاصل الدولة الخدمية والاقتصادية. وسعيها لجمع الأموال بشكل غير مشروع، لدوافع شخصية وسياسية، على حساب بناء الدولة».

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات