مشاريع اقتصادية جديدة في سوريا.. ما مصيرها؟

مشاريع اقتصادية جديدة في سوريا.. ما مصيرها؟
أستمع للمادة

مع استمرار تدهور الاقتصاد السوري وعدم قدرة الجهات الحكومية على إيجاد حلول كبرى وجذرية على الرغم من التصريحات الدائمة حول ذلك، تتجه حكومة دمشق لتجربة اقتصادية جديدة عبر تشجيع الاستثمارات الصغيرة ومتناهية الصغر والتي تُعرف دوليا بمشاريع سُبل العيش، لكن دون أن تتضح النتائج بعد ما إذا ستكون ناجحة أم لا.

مرحلة الاستبيان

بحسب تقرير لصحيفة “تشرين” المحلية، يوم أمس الأحد، فإن وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، تتحضر خلال الفترة المقبلة للعمل الدقيق على صعيد تنمية المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتاليا ضرورة الوقوف على العقبات والمشكلات التي تحد من انطلاق عمل هذه المشروعات بالشكل الأمثل، وخصوصا مع الدخول في مرحلة إعادة الإعمار، وتهيئة البيئة المحفزة للعمل والإنتاج، وفقا لمعاون وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية رانيا أحمد.

وبحسب الصحيفة، فقد دعت أحمد كل أصحاب الأنشطة الاقتصادية سواء أكانوا يعملون رسميا أم في اقتصاد الظل، ومهما كان حجم نشاطهم أو منشآتهم سواء كبيرة أم متوسطة أم صغيرة أم متناهية الصغر، وأيا كان مجال عملهم (زراعيا، صناعيا، تجاريا، أو خدميا) إلى المشاركة في الاستبيان الإلكتروني الذي طرحته الوزارة لتقييم بيئة الاستثمار وممارسة الأعمال في سوريا، وفتحت المجال لإدخال المقترحات والحديث عن كل المعوقات داخل الاستبيان حتى 20 أيلول/سبتمبر الحالي، مشيرة إلى إمكانية المشاركة فيه أيضا لمن هم خارج سوريا ولديهم عمل أو نشاط اقتصادي في الداخل.

ولفتت أحمد، إلى أن المعوقات والمشكلات موجودة وقد يقول البعض إنها واضحة ولا تحتاج استبيانا، ولكن الفكرة منه تهدف إلى العمل المتكامل والوقوف عند كل ما يواجهه المنتج في أي قطاع ولا يقتصر على جوانب معينة، بالإضافة لإتاحة الفرصة للمستهدفين للتعبير عن آرائهم بحرية لكون البيانات الشخصية غير إلزامية، وأن نطاقه لا يخص وزارة الاقتصاد فحسب وإنما ستتم معالجة نتائج الاستبيان بالتنسيق مع كل الوزارات والجهات المعنية، والمشاركة في الاستبيان فرصة لمن يصعب عليه المشاركة في الاجتماع المركزي للإدلاء برأيه وعرض مقترحاته.

وأوضحت أحمد، أن وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية أطلقت هذا الاستبيان بعد فترة على صدور قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021، وبعد العمل على برنامجي إحلال بدائل المستوردات ودعم أسعار الفائدة، وأيضا بعد إطلاق الوزارة مجموعة من برامج دعم الصادرات.

وكانت وزارة الاقتصاد طلبت من الفعاليات الاقتصادية المشاركة في تعبئة استمارة الاستبيان الإلكتروني الموجودة على المنصات الإعلامية للوزارة (الموقع الإلكتروني، الصفحة الرسمية للوزارة على فيسبوك وتلغرام).

إقرأ:اقتصاد الظل يسيطر على سوريا.. ما الذي يحصل؟

تمويل مشاريع متنوعة

تقرير سابق لـ”الحل نت”، أشار إلى أن مصرف التوفير أعلن في بيان له عن إطلاق منتج تمويل المشاريع المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، كما اعتبر بيان لمصرف التوفير أن هذا المنتج يأتي في إطار السعي المستمر لتنويع وتطوير المحفظة الائتمانية للمصرف، والعمل وفقا للتوجهات الحكومية بما يسهم بدعم متطلبات الاقتصاد الوطني، علما بأن فروع المصرف في المحافظات بدأت باستقبال طلبات القروض من الراغبين اعتبارا من الـ 19 من حزيران/يونيو الماضي.

البيان أوضح أن هذا المنتج يستهدف أصحاب المشاريع لكل القطاعات الصناعية والتجارية والخدمية والسياحية والتعليمية والإنتاج الزراعي، ويتضمن قروضا للمشاريع متناهية الصغر بسقف 5 ملايين ليرة، الغاية منه تمويل الدورة الإنتاجية للمشروع أو مستلزمات إنتاج المشروع بضمانة كفالة عامل أو عاملين من العاملين بالدولة أو ضمان مؤسسة ضمان مؤسسة مخاطر القروض بفائدة 12.5 بالمئة، لمدة 5 سنوات، إضافة لقرض المشاريع الصغيرة بسقف 50 مليون ليرة، الغاية منه تمويل الدورة الإنتاجية للمشروع أو مستلزمات إنتاج المشروع بضمانة عقارية أو ضمان مؤسسة ضمان مخاطر القروض بفائدة 13 بالمئة لمدة من 5 إلى عشر سنوات.

كما أعلن المصرف عن قرض المشاريع المتوسطة الذي يصل سقفه إلى 500 مليون ليرة، والغاية منه تمويل الدورة الإنتاجية للمشروع أو لإنشاء وتأسيس مشروع جديد بضمانة عقارية فقط وفائدة 13.5 بالمئة لمدة تصل من 5- 10 سنوات.

قد يهمك:تمويل مشاريع اقتصادية بـ500 مليون ليرة سورية

اقتصاد الظل

هو كل نشاط اقتصادي غير قانوني، سواء كان يمس مسائل مشروعة من الناحية الأخلاقية والنظامية العامة أو غير مشروعة، أي مجمل الأنشطة التي لا تتم تحت مظلة القانون وشفافيته.

وتصنف “جمعية العلوم الاقتصادية السورية” اقتصاد الظل ضمن نوعين، الأول نشاط قانوني لكنه غير مرخص، ويُعرف باسم “الاقتصاد غير الرسمي”، إذ لا يخضع للرقابة الحكومية ولا تدخل مدخلاته ومخرجاته في الحسابات القومية، أما الثاني نشاط غير قانوني يُعرف بـ “اقتصاد الجريمة” أو “الاقتصاد الأسود”، وتندرج ضمنه الأعمال المتعلقة بالأسلحة والمخدرات وسرقة الآثار والمتاجرة بالبشر.

وبحسب الجمعية، فإن أسباب انتشار اقتصاد الظل إلى عوامل عدة، أبرزها تراجع دور الدولة والقوانين المختصة، انخفاض دخل الفرد وارتفاع معدل الإعالة، عدم قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل للقادمين إلى سوق العمل، ندرة السلع وانتشار السوق السوداء، عدم مرونة التشريعات الاقتصادية، وغيرها.

بحسب متابعة “الحل نت”، يواصل اقتصاد الظل في سوريا تمدده خلال السنوات الأخيرة، في ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة واتجاه الكثير من السوريين إلى سياسة “النجاة الفردية” بحثا عن أي فرصة لتحقيق دخل يكفي أدنى متطلبات الحياة.

ونقل التقرير في وقت سابق، عن الباحثة الاقتصادية، رشا سيروب، أنه لا توجد دراسات حول اقتصاد الظل، وحتى بالنسبة للتقديرات فإن هامش الخطأ فيها كبير لعدة أسباب، أّولها عدم دقة الرقم الإحصائي للبيانات الرسمية المعلنة، وعدم توافر العديد من الأرقام الإحصائية التي تخدم التقدير، إضافةً إلى صعوبات التقدير الناتجة عن تشابك وتداخل أنشطة القطاع الرسمي مع غير الرسمي، موضحة أن معظم من يعمل في القطاع الرسمي يعمل أيضا في اقتصاد الظل من أجل تحسين الدخل، كذلك فإن معظم قطاعات الأعمال الرسمية لديها قسم كبير من أنشطتها غير مصرح بها، وتدخل ضمن اقتصاد الظل وذلك لغايات ضريبية، مضيفة أنه “حتى إن عامليها المسجلين في التأمينات الاجتماعية، فإن الجزء الآخر من راتبهم غير المقيد في السجلات الرسمية يندرج تحت اقتصاد الظل أيضا.

وأضافت سيروب، أن العديد من التقديرات المبنية لاقتصاد الظل، مبنية على المشاهدة وليس على أساسٍ علمي، تتفق معظمها رغم اختلافها على أن اقتصاد الظل في سوريا في حالة تورم مزمن ومستمر، وأن القوة العاملة التي تغذيه هي شريحة الشباب، وذلك يعود إلى ارتفاع معدلات البطالة، التي تجاوزت 60 بالمئة لدى هذه الفئة، وبالمقارنة بين متوسط دخل الفرد ومتوسط الإنفاق يمكن القول إن حجم اقتصاد الظل يتجاوز 100 بالمئة.

إقرأ:سوريا.. رفع سقف قروض ترميم السكن ولكن الشروط تعجيزية!

أسباب اقتصاد الظل

سيروب رأت أن أسباب انتشار اقتصاد الظل في سوريا كثيرة ولا يمكن حصرها، لكن يمكن ترتيبها وفق الأكثر مساهمة في خلق هذا النشاط المخفي، أهمها الإجراءات المعقدة وغير الواضحة، والتهرب من الواجبات المالية أي ضريبة الدخل، إضافة إلى انخفاض مستوى الدخل مقارنة مع مستوى المعيشة، مشيرة إلى أنه على الرغم من مساهمة اقتصاد الظل في توفير فرص عمل وتحسين مستوى الدخل وحفاظ بعض الأسر على وضعها فوق خط الفقر، وتوفير بعض السلع والخدمات في السوق، غير أنه يبقى حالة غير صحية للاقتصاد والمجتمع على المدى الطويل، حيث إن جميع العاملين فيه يعملون في بيئة عمل لا تتمتع بشروط السلامة الصحية والمهنية، ويفتقدون حقوقهم في الضمان الصحي والتأمينات الاجتماعية.

ولفتت سيروب، إلى أن انتشار هذا القطاع يعني مزيدا من العجز في الموارد العامة للدولة، وهذا ينعكس لاحقا على جودة الخدمات العامة المقدمة وعلى حُسن رسم السياسات، مبينة أن لاقتصاد الظل نوعا آخر ذا طبيعة إجرامية مؤذية للاقتصاد والمجتمع، مثل تجارة السلاح والآثار والتجارة بالأعضاء البشرية والمضاربة على العملة وغيرها، والتي تعتبر من أكثر الأنشطة المدرة للأرباح، بل كانت السبب الرئيسي لبروز أمراء الحرب، يضاف إليهم تجار الأزمات الذين احتكروا بعض السلع، وتاجروا بها (مثل تجار المواد الغذائية).

كما أشارت سيروب، إلى عدم قدرة الحكومة على ضبط النشاط الاقتصادي وتهربها من واجباتها تجاه المواطنين، بسبب شرعنتها انتشار هذه الأنشطة بذريعة الحرب، وتحسين مستوى المعيشة لمن يستطع تأمين فرصة له في هذا القطاع، وذلك وفق مبدأ غض النظر.

وطالبت بتنفيذ عقوبات صارمة من خلال قضاء نزيه ومستقل، على أنشطة اقتصاد الظل غير المشروعة قانونا كالأنشطة الجرمية والتهرب الضريبي والتي لها أباطرتها، لأن حجم المداخيل النقدية المتأتية منها أكبر بكثير من تكاليف العقوبات، مما يبقيها على استعداد للمخاطرة في هذه الأعمال.

قد يهمك:رفع سقف قروض الأرياف السورية.. ما القصة؟

يذكر أنه ليس لدى حكومة دمشق أية خطة واضحة لإجراء إصلاحات اقتصادية، إضافة للتضارب في الآراء والتصريحات، ففي الوقت الذي يُعتبر اقتصاد الظل مخالفا للقانون ويستوجب خضوع العاملين فيه لعقوبات صارمة، تدعو معاون وزير الاقتصاد أصحاب هذا الاقتصاد للمشاركة في استبيان الوزارة لتعطيه بذلك نوعا من المشروعية القانونية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد