فشل النظام السياسي في العراق.. الملف نحو التدويل؟

فشل النظام السياسي في العراق.. الملف نحو التدويل؟
أستمع للمادة

كلمة مزلزلة تلك التي ألقتها مبعوثة “الأمم المتحدة” لدى العراق جينين بلاسخارت، أمس الثلاثاء في “مجلس الأمن” الدولي، أكدت ما يردده العراقيون منذ وقت ليس بالقصير، وهو فشل النظام السياسي في العراق.

جلسة “مجلس الأمن”، كانت مخصصة لمناقشة الوضع العراقي، وفيها بدت المبعوثة الأممية أكثر صراحة عكس دبلوماسيتها التي اعتادت عليها في كل جلسة تخص العراق، فهاجمت المنظومة السياسية بقسوة غير اعتيادية.

بلاسخارت، قالت إن النظام السياسي فشل في العراق، ويجب تغييره، وهذا يفتح الباب على السؤال التالي: هل يعني الاعتراف بفشل النظام السياسي العراقي، الذهاب إلى تدويل الملف العراقي دوليا وأمميا؟

كل شيء وارد فيما يخص الوضع العراقي، كما يقول الباحث السياسي هيثم نعمان الهيتي، الذي يردف في حديث مع “الحل نت”، أن النظام السياسي وصل إلى مرحلة العجز عن تشكيل حكومة جديدة، وذلك يمثل قمة الفشل، بحسبه.

عام كامل مرّ على إجراء الانتخابات المبكرة الأخيرة، ولم تنجح القوى السياسية العراقية حتى اليوم في تشكيل حكومة جديدة، ودخلت البلاد في انسداد سياسي مزمن، لم ينته بعد، رغم المساعي الجادة لإنهائه.

ما هو القادم؟

الفشل في تشكيل الحكومة، سببه الصراع الشرس بين “التيار الصدري” الشيعي، والقوى الشيعية الموالية لإيران، التي انضمت في “إطار تنسيقي” لمواجهة مقتدى الصدر، ومنعه من تشكيل حكومة أغلبية يقصي “الإطار” منها.

بلاسخارت

نجح “الإطار” في مسعاه وانسحب “التيار الصدري”، الفائز في الانتخابات المبكرة من البرلمان والعملية السياسية، لكنه تحول إلى معارضة شعبية من الشارع، تسببت بعرقلة مضي “الإطار” في تشكيل حكومة توافقية محاصصاتية مثل كل حكومات ما بعد 2003.

فشل النظام السياسي في العراق حقيقة ثابتة ولا أمل بتصحيح مساره من قِبل القوى السياسية، وبالتالي فإن العراق مُقبل على نهاية هذا النظام بطريقة مؤلمة؛ كونها ستتسبب بإراقة الدماء، بحسب هيثم الهيتي.

ما هو مقبِل، نشوب صراع مسلّح بين القوى المسلحة في العراق، سيفتح حمّام الدم في الشارع، في محاولة من كل طرف لفرض إرادته على الآخر وإقصائه من العملية السياسية العراقية، على حد تعبير الهيتي.

الصراع المسلح، حدث في ليلة 29 آب/ أغسطس المنصرم، بين فصيل “سرايا السلام” التابع للصدر، وميليشيات “الإطار” داخل المنطقة الخضراء، معقل الحكومة والبرلمان والبعثات الدبلوماسية، وكاد يجر البلاد لحرب أهلية.

انتهى الصراع ظهر يوم 30 آب/ أغسطس الماضي بتدخل من زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، حيث وجّه أنصاره بالانسحاب الفوري من الخضراء ليجنب البلاد حربا شيعية-شيعية، كانت حتمية.

يقول المحلل السياسي علي البيدر، لـ “الحل نت”، إن جلسة “مجلس الأمن” كانت غير كل الجلسات، وعبّرت عن لسان الشارع العراقي حرفيا، وذلك يمهّد لتدويل الملف العراقي، لكن ليس مثل عام 2003 بتدخل أجنبي. “هذا الأمر يحتاج لوقت”.

في عام 2003 تم تدويل الملف العراقي بتدخل أجنبي عبر تحالف دولي واسع، لإسقاط نظام صدام حسين السابق، وهو ما حدث بالفعل في ربيع عام 2003، لتجيء بعد ذلك النظام، المنظومة السياسية الحاكمة اليوم.

تدويل الملف في الوقت الراهن، يعني اهتمام الدول الكبرى بالشأن العراقي، عبر رسائل دورية إلى الطبقة السياسية الحاكمة لتعديل مسارها؛ لأن أزمة الغزو الروسي لأوكرانيا، يضاف لها أزمة الطاقة، جعلت العالم يبتعد عن الملف العراقي، بحسب البيدر.

تدويل وفرصة أخيرة

بلاسخارت، قالت في جلسة “مجلس الأمن”، البارحة، إن الفساد هو سمة أساسية للاقتصاد السياسي العراقي الحالي، وهو متغلغل في المعاملات اليومية، ويمثل سببا جذريا رئيسا للاختلال الوظيفي في العراق، ولا يمكن لأي زعيم سياسي أن يدّعي أنه محمي منه.

وأردفت مبعوثة “يونامي”، أن “إبقاء المنظومة كما هي سيرتد بنتائج سلبية عاجلا وليس آجلا، لذا من المهم صياغة ما أقول بدقة وعلى النحو التالي: المنظومة، وليست مجموعة من الأفراد أو سلسلة من الأحداث”.

تركيز المبعوثة الأممية على كلمة منظومة بدل أفراد، يؤكد بما لا يقبل الشك فشل هذه المنظومة، وبالتالي تدويل الملف العراقي، وضرورة تغيير هذا النظام في الوقت المناسب، لكن بعد إعطاء فرصة أخيرة لقيادات هذه المنظومة، وفق الباحث السياسي هيثم الهيتي.

في كل الأحوال، فإن الملف العراقي بطريقه للتدويل عبر مراقبته بشكل مكثف، لكن تغيير النظام من عدمه يعتمد على استجابة أو فشل قيادات المنظومة السياسية بالتعامل مع الفرصة الأخيرة التي ستمنح له، بحسب تعبير الهيتي.

الهيتي يختتم باعتقاده، أن القيادات لن تنجح باستثمار الفرصة ويؤكد على طرحه السالف، أن تلك القيادات ستجر البلاد لصراع مسلّح، وحينها سيتحرك “مجلس الأمن” لتدويل الملف بصيغته النهائية، من أجل تغيير النظام السياسي الحالي.

يتفق علي البيدر، مع طرح الهيتي، بأن التدخل لتغيير النظام سيتم بعد الفرصة الأخيرة لقيادات المنظومة السياسية الحالية، غير أنه يختلف بتوقيت التدخل، إذ أن التدخل سيحدث في حال فشل القيادات باستثمار الفرصة، بعد نهاية الأزمات الحالية في العالم.

“مجلس الأمن” والدول الكبرى، من الصعب عليها إدخال نفسها في ملف آخر مثل العراق لتغيير نظامه في ظل الأزمات العالمية الراهنة، أهمها الغزو الروسي لأوكرانيا، والتدخل سيحصل بعد فك كل تلك الأزمات، بحسب المحلل السياسي علي البيدر.

اشتدّت وتيرة الأزمة السياسية العراقية، في 30 تموز/ يوليو الماضي، عندما اقتحم جمهور “التيار الصدري”، المنطقة الخضراء حينها، وأقاموا اعتصاما مفتوحا من داخلها وأمام مبنى البرلمان العراقي، بعد 72 ساعة من الاقتحام الأول لهم للخضراء، الذي لم يتجاوز 5 ساعات قبل أن ينسحبوا بتوجيه من زعيم “التيار“، مقتدى الصدر وقتئذ.

العاصمة العراقية بغداد، شهدت في 29 آب/ أغسطس الماضي، تصعيدا صدريا على إثر إعلان زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، اعتزاله الحياة السياسية نهائيا، من خلال اقتحام أنصاره لكل بقعة في المنطقة الخضراء، وأهمها القصر الجمهوري، قبل أن يتطور المشهد لصراع مسلح.

انسداد لم ينضب

الميليشيات “الولائية”، هاجمت أنصار الصدر لتفريقهم وإخراجهم من الخضراء، فتدخّل فصيل “سرايا السلام”، التابع للصدر للدفاع عن المتظاهرين الصدريين، واندلعت مواجهة مسلحة داخل الخضراء منذ ليل 29 آب/ أغسطس، وحتى ظهر 30 آب/ أغسطس، عندما دعا الصدر في مؤتمر صحفي، أتباعه للانسحاب وإنهاء اعتصاماتهم.

جراء العنف المسلح، سقط 40 قتيلا و700 جريح، وانتهت اعتصامات الجمهور الصدري بعد شهر من خروجها أمام البرلمان للمطالبة بحله وإجراء انتخابات مبكرة جديدة.

الأزمة السياسية العراقية، تأتي نتيجة لصراع سياسي دام لأكثر من 10 أشهر منذ انتهاء الانتخابات المبكرة الأخيرة، وفوز الصدر فيها وخسارة “الإطار” الموالي لإيران، الذي وقف بوجه مشروع “التيار الصدري“، عندما سعى إلى تشكيل حكومة “أغلبية”.

بعد الانتخابات المبكرة، ذهب “التيار الصدري” بقيادة الصدر، إلى تشكيل تحالف ثلاثي مع الحزب “الديمقراطي الكردستاني” وتحالف “السيادة” الجامع لأغلب القوى السنية، وسمي بتحالف “إنقاذ وطن“.

“إنقاذ وطن”، أصر بـ 180 مقعدا نيابيا على الذهاب نحو تشكيل حكومة “أغلبية” تستثني مشاركة كل “الإطار التنسيقي”، أو بعض أطرافه، في وقت استمر الأخير بالدعوة إلى حكومة “توافقية” يشترك فيها الجميع، وذلك ما لم يقتنع به الصدر، ولم ينجح في ذات الوقت بتمرير مشروعه.

مقتدى الصدر

الفشل في تمرير مشروع حكومة الأغلبية، جاء بسبب عدم تمكن التحالف الثلاثي من حشد النصب القانوني لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 3 مناسبات، والذي تكمن أهمية انتخابه في تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، ودونه لا يمكن المضي بحكومة جديدة.

سبب الفشل كان إلزام “المحكمة الاتحادية العليا” -التي لجأ إليها “الإطار” صاحب 83 مقعدا نيابيا بالتصدي لمشروع الأغلبية- البرلمان العراقي بعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بحضور ثلثي أعضاء المجلس، أي 220 نائبا من أصل 329، وفقا للدستور.

بعد ذلك، شهد العراق انسدادا سياسيا أضطر الصدر للانسحاب من العملية السياسية، وتوجيه أعضاء كتلته بالاستقالة من البرلمان في 12 حزيران/ يونيو الماضي، لتستبشر قوى “الإطار” بعدها بسهولة تشكيل الحكومة، وهذا ما لم يحدث إلى الآن.

ما منع “الإطار” من تشكيل الحكومة، توجيه الصدر لأنصاره بالنزول إلى الشارع، مجرد أن أعلن “الإطار” توصله إلى تفاهمات داخلية أفضت لترشيح السياسي محمد شياع السوداني، لرئاسة الحكومة لتشكيلها وفق عملية التوافق والمحاصصة، وهو الأمر الذي رفض الصدر تكراره جملة وتفصيلا.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة