القفز نحو الأمام.. الصعود الإندونيسي وتحولات ميزان القوى الاقتصادية في شرق آسيا

أستمع للمادة

الاقتصاد الإندونيسي توسع بأسرع وتيرة له في أكثر من عام في الربع الثالث من العام الجاري مدعوما بتحسن الاستثمار والإنفاق الحكومي، حيث حققت إندونيسيا الدولة الأرخبيلية المتنوعة التي تضم أكثر من 300 مجموعة عرقية، وهي أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، نموا اقتصاديا مثيرا للإعجاب منذ التغلب على الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينيات.

اليوم، إندونيسيا هي رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان وعاشر أكبر اقتصاد من حيث تعادل القوة الشرائية، وعلاوة على ذلك، حققت إندونيسيا مكاسب هائلة في مجال الحد من الفقر، حيث خفضت معدل الفقر بأكثر من النصف منذ عام 1999، إلى أقل من 10 بالمئة في عام 2019 قبل انتشار جائحة “كورونا”.

مع تولي إندونيسيا رئاسة مجموعة العشرين هذا العام، والتي ستعقد قمتها بين 15 و16 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، تشير توقعات أصدرها “البنك” الدولي وصندوق “النقد” الدولي إلى أن الدولة الآسيوية قد تحتل المركز الخامس على قائمة أكبر اقتصادات العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2024.

أهمية إندونيسيا على المدى القريب والمتوسط بعد النمو الاقتصادي والتقدم السريع لها، يسلط الضوء حول الركائز التي اعتمدتها لتعزيز الاقتصاد والقطاع المالي، بداية من صعود إندونيسيا على المسرح العالمي الاقتصادي، وكيف مهدت الصناعات المتوسعة في إندونيسيا الطريق لنمو اقتصادي إيجابي، والتحديات الاقتصادية في إندونيسيا، بالإضافة للآفاق الاقتصادية للبلاد، وكيف باتت الصين الأكثر تضررا من قيود إندونيسيا على الصادرات.

تأملات في الصعود الاقتصادي لإندونيسيا

في العقود الأخيرة، كان يُنظر إلى إندونيسيا على أنها واحدة من الاقتصادات الناجحة عالية الأداء والحديثة بمجال التصنيع في جنوب شرق آسيا، بعد مسار النمور الآسيوية (هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان)، وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإندونيسي نما بسرعة مذهلة خلال الثمانينيات والتسعينيات، فقد واجه مشاكل كبيرة بعد الأزمة المالية لعام 1997، والتي أدت إلى إصلاحات سياسية كبيرة. 

الاقتصاد الإندونيسي يتعافى اليوم، ولكن من الصعب تحديد متى سيتم حل جميع مشاكله. فعلى الرغم من أنه لا يزال من الممكن اعتبار إندونيسيا جزءا من العالم النامي، إلا أنها تتمتع بماض غني ومتعدد الاستخدامات، من الناحية الاقتصادية وكذلك الثقافية والسياسية.

إندونيسيا تقع في جنوب شرق آسيا وتتكون من أرخبيل كبير بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ، من أكثر من 13 ألف جزيرة، أكبر الجزر هي جافا وكاليمانتان وسومطرة وسولاويزي وبابوا. وتبلغ مساحة إندونيسيا الإجمالية 1.9 مليون كيلومتر مربع، هذا هو ثلاثة أضعاف مساحة تكساس، وحوالي ثمانية أضعاف مساحة المملكة المتحدة وحوالي خمسين ضعف مساحة هولندا. 

البلد الأسيوي المنطلق في صدارة الدول الاقتصادية يتمتع بمناخ استوائي، ولكن نظرا لوجود مساحات شاسعة من الأراضي المنخفضة والعديد من المناطق الجبلية، يختلف المناخ من حار ورطب إلى أكثر اعتدالا في المرتفعات. وبصرف النظر عن الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، فإن إندونيسيا غنية بمجموعة من الموارد الطبيعية، تتنوع من البترول والغاز الطبيعي والفحم إلى معادن مثل القصدير والبوكسيت والنيكل، والنحاس، والذهب، والفضة.

بعبارة حزينة إلى حد ما، وصفت العالمة الأميركية، آن بوث، التاريخ الاقتصادي لإندونيسيا بـ”تاريخ من الفرص الضائعة”، فعلى الرغم من مواردها الطبيعية الغنية والتنوع الكبير في التقاليد الثقافية، كان أداء الاقتصاد الإندونيسي ضعيفا لفترات طويلة من تاريخه، إذ بدا الاقتصاد الإندونيسي عدة مرات وكأنه في طور التنمية الاقتصادية والتحديث المستمر؛ ولكن لأسباب مختلفة، عانت إندونيسيا مرارا وتكرارا من حوادث خطيرة منعته من التوسع. وغالبا ما نشأت هذه الحوادث في المجالات المؤسسية أو السياسية الداخلية.

بعد عام 1997، ووفقا لـ “جمعية التاريخ الاقتصادي” التي تتخذ من هولندا مقرا لها، فإن “النظام الجديد” في إندونيسيا رفض التعبئة السياسية والأيديولوجية الاشتراكية، وأنشأ نظاما يخضع لرقابة مشددة لم يشجع الاستقصاء الفكري، لكنه وضع الاقتصاد الإندونيسي على رأس الأولويات، حيث تم اجتذاب تدفقات جديدة من الاستثمار الأجنبي وبرامج المساعدات الخارجية، وانخفض النمو السكاني الجامح بسبب برامج تنظيم الأسرة، وحث إلى التحول من اقتصاد يغلب عليه الطابع الزراعي إلى اقتصاد صناعي، وكل ذلك مر عبر ثلاث مراحل، كانت البداية في الاستقرار وإعادة التأهيل والتحرير الجزئي والانتعاش الاقتصادي؛ ثم الانتقال إلى طفرات النفط، والنمو الاقتصادي السريع، وزيادة التدخل الحكومي؛ ليتم بعدها الانتقال إلى طفرة ما بعد النفط، وتحرير القيود، والنمو السريع الذي تقوده الصادرات. 

من الأمثلة المهمة الأخرى على الاعتراف الدولي فيما يتعلق باقتصاد إندونيسيا التحسينات الأخيرة للتصنيفات الائتمانية للبلاد من قبل شركات الخدمات المالية الدولية مثل “”ستاندرد” و”بورز”، تمت الإشارة إلى النمو الاقتصادي المرن والدين الحكومي المنخفض والإدارة المالية الحكيمة؛ كأسباب للتحديثات وهي عوامل أساسية في جذب التدفقات المالية إلى إندونيسيا.

إعادة تموضع العملاق الثالث في آسيا

على الرغم من أن إندونيسيا كانت حريصة على تقليل اعتمادها التقليدي على صادرات السلع الخام وتعزيز الصناعة التحويلية من خلال قانون التعدين الجديد لعام 2009، إلا أنه طريق صعب خاصة لأن القطاع الخاص لا يزال غير مكتمل النضوج في الاستثمار. لكن هذا التحول مهم؛ لأن انخفاض أسعار السلع الأساسية بعد عام 2011 نتيجة توقف النمو الاقتصادي للصين قد أثر بشكل كبير على إندونيسيا. حيث ضعّف أداء الصادرات الإندونيسية بشكل كبير، مما أدى إلى ارتفاع عائدات النقد الأجنبي والقوة الشرائية، مما تسبب في حدوث تسارع في العجلة الاقتصادية.

في الرهانات العالمية إندونيسيا تتقدم بسرعة، هذا ما أوضحه أنتوني ريد، المحاضر في الجامعة “الوطنية” الأسترالية، إذ إن صعود إندونيسيا ليس مجرد صعود اقتصادي، بل طريقة يتبناها 240 مليون نسمة بحماس الديمقراطية وانتقال السلطة والمجتمع المفتوح.

ترقي إندونيسيا على المسرح العالمي نجح بعد انتقالها الصعب إلى الديمقراطية بعد عام 1998، حيث أجرت جاكرتا ثلاث انتخابات شعبية بأقل مستوى من العنف وفقا لمعايير جنوب آسيا. وهذا بدوره كان حافزا لأن يكون معدل نموها الاقتصادي مرتفعا فوق 6 بالمئة سنويا ومتصاعدا، ففي حين كانت الصين تنخفض وكان العالم المتقدم في أزمة، كانت إندونيسيا التي انضمت في عام 2009 إلى نادي مجموعة العشرين للدول الأكثر نفوذا في العالم، تؤكد مكانتها التي تنطوي عليها حجمها، مما أدى لأن يعلن بعض النقاد الدوليين أن إندونيسيا هي النجم الجديد الذي يجب توجيه الأنظار إليه.

وفقا لبيانات البنك الدولي، تأثر الاقتصاد الإندونيسي بالوباء، وانتقلت إندونيسيا من فئة الدخل المتوسط الأعلى إلى فئة الدخل المتوسط الأدنى اعتبارا من تموز/يوليو 2021. كما عكس الوباء جزئيا التقدم الأخير في الحد من الفقر، من الرقم القياسي المنخفض البالغ 9.2 بالمئة في أيلول/سبتمبر 2019 إلى 9.7 بالمائة اعتبارا من أيلول/سبتمبر 2021.   

لكن عام 2022 كان انقلابا غير اعتيادي في الاقتصاد الإندونيسي، حيث مع تعافي الاقتصاد في البلاد الآن، من المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 5.1 بالمئة في عام 2022، مدعوما بصادرات السلع الأساسية المتزايدة والسياسة المالية التيسيرية.

الاقتصاد الإندونيسي في عام 2022، توسع بأسرع وتيرة له في الربع الثالث مدعوما بتحسن الاستثمار والإنفاق الحكومي، حيث نما أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا بنسبة 5.72 بالمئة على أساس سنوي، وفقا لبيانات من مكتب الإحصاء في إندونيسيا، وارتفع ذلك من وتيرة 5.44 بالمئة في الربع الثاني.

كما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي غير المعدل حسب العوامل الموسمية، بنسبة 1.81 بالمئة عن الأشهر الثلاثة السابقة، أعلى من توقعات الاستطلاع بنسبة 1.62 بالمئة، وتوسعت الصادرات بنحو 22 بالمئة على أساس سنوي في الربع الثالث، حيث ارتفعت وتيرتها من نمو أقل بقليل من 20 بالمئة في الربع الثاني من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو هذا العام. 

إندونيسيا تتوقع أن تحقق أكبر عائدات تصدير للبلاد في عام 2022 حيث استفادت الدولة الغنية بالموارد من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وقد تصل صادرات إندونيسيا إلى 300 مليار دولار بحلول عام 2024، مدفوعة بتكرير الموارد.

المدير الإقليمي لبنك “التنمية” الآسيوي في إندونيسيا، جيرو توميناجا، قال إن الاقتصاد الإندونيسي يتأقلم بشكل جيد مع التهديدات التي تواجه النمو، فالإنفاق الاستهلاكي قوي، وازدهرت صادرات السلع.

إندونيسيا، التي تنمو مرة أخرى بعد الركود الاقتصادي العالمي الناجم عن وباء “كورونا”، أصبحت أكثر تطورا وتقدما عاما بعد عام. وهي على وشك استخدام وضعها التكنولوجي المتقدم والقوي بشكل متزايد لتحريك الاقتصاد أو على الأقل تحويله تدريجيا من اقتصاد قائم على الموارد الطبيعية البحتة وموجه للتصدير إلى خدمة مختلطة، وتصنيع، واقتصاد قائم على الموارد الطبيعية واقتصاد آسيوي.

إدارة الاقتصاد والنمو الإيجابي

بالعودة إلى الأساسيات، فإن نقاط القوة في إندونيسيا التي تفسر نمو الاقتصاد الكلي الهيكلي، تعود إلى: 

• موارد طبيعية وفيرة ومتنوعة.

• عدد السكان الشباب والكبير والمزدهر فالطبقة الوسطى الآخذة في التوسع بسرعة.

•  الاستقرار السياسي.

• الإدارة المالية الحكيمة منذ أواخر التسعينيات.

• الموقع الاستراتيجي فيما يتعلق بالاقتصادات العملاقة في الصين والهند.

• انخفاض تكاليف العمالة.

• كونه سوقا ناشئة، هناك الكثير الذي يجب بناؤه وتطويره.

إندونيسيا هي اقتصاد سوق تلعب فيه الشركات المملوكة للدولة ومجموعات الأعمال الخاصة الكبيرة والتكتلات دورا مهما، فهناك المئات من مجموعات الأعمال المتنوعة المملوكة للقطاع الخاص في إندونيسيا التي مع الشركات المملوكة للدولة تهيمن على الاقتصاد المحلي. وعلى هذا النحو، تتركز الثروة في قمة المجتمع وليس من غير المعتاد وجود روابط وثيقة بين الشركة والقمة السياسية للبلاد.

الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في إندونيسيا، والتي تمثل مجتمعة 99 بالمئة من إجمالي حجم الشركات النشطة في إندونيسيا، تعتبر مهمة والعصب الرئيسي في الاقتصاد أيضا. حيث يمثلون حوالي 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لإندونيسيا ويخلقون فرص عمل لما يقرب من 108 ملايين إندونيسي. هذا يعني أن هذه الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم هي العمود الفقري للاقتصاد الإندونيسي.

هناك دلائل على أن النمو الاقتصادي في إندونيسيا بدأ يتسارع مرة أخرى بعد التباطؤ الاقتصادي في السنوات 2011-2015، وعلى هذا النحو قد تكون جاكارتا في بداية ما يمكن أن يصبح فترة أخرى من النمو الاقتصادي الكبير. فمن أجل جلب المستثمرين وتأمين استثماراتهم المستقبلية، قامت الحكومة الإندونيسية بتبسيط عملية الحصول على إعفاء ضريبي. حيث يمكن الآن إكمال العملية التي كانت تستغرق ما يصل إلى 45 يوما في مدة لا تزيد عن 5 أيام. حيث تستغرق هذه العملية الآن وقتا أقل لأنه لم تعد هناك حاجة للمستثمرين لإجراء مناقشة مع اللجنة الوزارية عند التقدم للحصول على إعفاء ضريبي.

الآن، يحتاج المستثمرون فقط إلى التقدم بطلب للحصول على إعفاء ضريبي على نظام التقديم الفردي عبر الإنترنت الذي تديره وزارة الاستثمار، وبات بمجرد استيفاء المتطلبات، يتم منح تسهيلات الإعفاء الضريبي.

القطاعات التي قد تحصل على إعفاء ضريبي هي الصناعات التحويلية القائمة على المنتجات الزراعية والمزارع والغابات، فضلا عن قطاع الاقتصاد الرقمي. تم دمج قطاع مكونات الكمبيوتر وقطاع مكونات الهواتف الذكية الرئيسي في قطاع معدات الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات. وبالتالي، في المجموع، هناك 18 قطاعا قد تحصل على إعفاء ضريبي في إندونيسيا.

بالتركيز على تنامي الاقتصاد الرقمي في إندونيسيا، شكلت القيود الاجتماعية واسعة النطاق وسن القيود على النشاط المجتمعي إلى حدوث تحول أو تغيير في سلوكيات الناس من اعتيادهم في السابق على الجهد الشخصي والجسدي إلى الأنشطة التي يتم إجراؤها عبر الإنترنت. وقد أدى هذا التحول إلى توليد قطاعات اقتصادية جديدة جيدة الأداء وسط الوباء، مثل قطاع المعلومات والاتصالات، الذي سجل نموا مزدوج الرقم فوق 10 بالمئة مقارنة بالقطاعات الاقتصادية الأخرى التي تقلصت خلال فترة الوباء. 

ذكر تقرير صادر عن “غوغل” و”تيم ماسك”، أن جنوب شرق آسيا قد دخلت العقد الرقمي، وتشير التقديرات إلى أن اقتصاد الإنترنت في المنطقة يمكن أن يصل إلى تريليون دولار أميركي من حيث القيمة بحلول عام 2030. ومن المتوقع أن تصل القيمة الإجمالية للبضائع من التجارة الإلكترونية إلى 234 مليار دولار أميركي في عام 2025. 

وفي سياق إندونيسيا، من المتوقع أن تصل إمكانات الاقتصاد الرقمي لإندونيسيا إلى 146 مليار دولارا أميركيا في عام 2025، كما من المتوقع أن يرتفع ثمانية أضعاف في عام 2030. ومن الواضح أن هذا الاتجاه يحتاج إلى دعم من خلال نظام دفع رقمي قوي وتسريع الخدمات المصرفية الرقمية لتحسين إمكانات الاقتصاد الرقمي في إندونيسيا.

الاقتصاد والتمويل الرقمي سيستمر في لعب دور مهم في الاقتصاد الإندونيسي، تشير التقديرات إلى أن مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي والعمالة ستستمر في الارتفاع، كما يمكن أن يشجع الشركات الصغيرة والمتوسطة على التعافي من الركود الوبائي أو حتى النمو والارتقاء.

الصين الأكثر تضررا؟

نجاح إندونيسيا في ترسيخ الديمقراطية ونموها الاقتصادي السريع دفعها إلى موقع قوة إقليمية وعالمية. حيث شهدت البلاد تغيرا سياسيا كبيرا في السنوات القليلة الماضية، حيث انتقلت من الحكم الاستبدادي إلى ديمقراطية قوية ونابضة بالحياة وبناء اقتصاد ديناميكي بعد أن أصابته الأزمة المالية الآسيوية بالشلل. كما أن “القوة الناعمة” لإندونيسيا آخذة في النمو، سواء في الجوار أو خارجها.

وزير الخارجية الإندونيسي السابق، حسن ويراجودا، قال “لقد علمتنا تجربتنا أن التنمية الاقتصادية المستدامة ممكنة فقط إذا كانت هناك تنمية سياسية أيضا”. ولطالما كانت إندونيسيا القوة الدافعة وراء رابطة دول جنوب شرق آسيا “الآسيان”، وتنشط في المساعدة في تسوية النزاعات الإقليمية، كما هو الحال في بحر الصين الجنوبي وتطلعها إلى ما وراء آسيا وهي لاعب مهم لأوروبا والولايات المتحدة فيما يتعلق بالأمن البحري، إلا إن كل ذلك لم يعجب الصين.

استضافت إندونيسيا لقمة مجموعة “العشرين”؛ يعني أن إندونيسيا التي يقودها الرئيس جوكو ويدودو، تقف بقوة على الساحة العالمية، مستخدمة وضعها من أجل محاولة إضافة بعض الدبلوماسية إلى التوترات الدبلوماسية المتأججة بين الغرب وروسيا، وهذا بالتأكيد بحسب المحللين محور لا يتأقلم مع التطلعات الصينية.

كما أن مطالبة إندونيسيا بشكل متزايد في محاربة التوسع الصيني في ساحتها الخلفية، وتحديدا في بحر الصين الجنوبي، ومحاربتها لقوارب الصيد الصينية غير القانونية، هو دور تراه الصين بأن جاكارتا بدأت في تأكيد وجودها على كل من المسرح الدبلوماسي الإقليمي والعالمي.

على المستوى الاقتصادي، ترى الصين في الصعود الإندونيسي مصدر قلق، خصوصا بعد أن تعهدت إندونيسيا، في نيسان/أبريل الفائت، بأن تكون أكثر من مجرد مورِّد للمواد الخام الذي من شأنه أن يزيد الضغط على قطاعات الصناعة الصينية من الصلب إلى السيارات الكهربائية، والتي تعاني بالفعل تحت وطأة تقلبات التكلفة المتزايدة.

كانت الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا، قد صرحت في الربع الثاني من العام الجاري، بأنها تدرس فرض ضريبة تصاعدية في أقرب وقت هذا العام على صادرات الحديد والنيكل. وقد أدت المخاوف بشأن انخفاض الشحنات من أكبر مورِّد للنيكل في العالم إلى ارتفاع مؤشر بورصة لندن للمعادن إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عقد.

هذا الأمر يهدد بزيادة التكاليف للمصانع الصينية المنتجة للفولاذ المقاوم للصدأ وهم كبار مستهلكي المعدن، بالإضافة إلى انضمام النيكل إلى مجموعة من السلع التي أصبحت تشكل مصدر إزعاج متزايد لصانعي البطاريات في ظل ارتفاع أسعار خام المعادن.

يذكر أن إندونيسيا لعبت دورا رئيسيا في الأسواق العالمية كمورِّد للمواد السائبة، لكن الرئيس، جوكو ويدودو تعهد، مؤخرا، بوقف تصدير جميع السلع الخام لتحويل البلاد إلى مركز تصنيع ضخم للسيارات الكهربائية. ففي أيلول/سبتمبر الفائت، أشارت الحكومة إلى أن القيود على تصدير النيكل تلوح في الأفق، وقالت إنها ستوقف شحنات تصدير “البوكسيت” وخام النحاس، وذلك بغرض إنتاج جميع مكونات السيارات الكهربائية، بما في ذلك بطاريات الليثيوم، محليا.

الشاغل الأساسي للصناعات الصينية يتمثل في اعتمادها على إندونيسيا لتزويدها بالنيكل، حيث تجدر الإشارة إلى أن الصين تحصل على حوالي 84 بالمئة من وارداتها من إندونيسيا، بينما تمثل اليابان وكولومبيا وميانمار وكاليدونيا الجديدة النسبة المتبقية من وارداتها من المعدن الفلزي.

بالإضافة إلى ذلك كله، ستستمر صناعات الاستخراج والتصنيع القائمة على السلع الصلبة في أن تكون محركا موسعا للنمو في عام 2023، كما كانت في 2021-22 وسط ارتفاع أسعار السلع العالمية. وسيعوض هذا الاتجاه جزئيا التأثير السلبي على الاستثمار في الصناعات الأخرى لتشديد السياسة النقدية في إندونيسيا. 

كما أن الرئيس ويدودو، سيركز جهوده لجذب وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعات الثقيلة قبل انتهاء ولايته النهائية في منتصف عام 2024. وستقدم إدارته إشارات رمزية فقط بشأن المسائل السياسية الملحة الأخرى، بما في ذلك معالجة الصراع السياسي في المقاطعات الشرقية في إندونيسيا والحد من الفساد، وهذا بدوره يعرقل طموحات بكين في السيطرة الكلية على دول آسيا وخنق الاقتصاد العالمي.

التحديات الاقتصادية في إندونيسيا

الهند وإندونيسيا دخلتا مؤخرا قائمة أكبر 10 اقتصادات عالمية، ومن المتوقع أن تتقدم الدولتان الآسيويتان إلى المرتبة الثالثة والخامسة على القائمة بحلول العام 2024.

إذا تم تتبع مؤشرات الاقتصاد الكلي الرئيسية مثل النمو والتضخم والاحتياطيات الأجنبية، فإن الاقتصاد الإندونيسي ليس لديه عموما أي مصدر يدعو للقلق. فمقارنة بالأزمة المالية الآسيوية لعام 1998، والأزمة المالية العالمية لعام 2008، و2013 وأزمة الأسواق الناشئة الأخيرة، يُظهر الاقتصاد الإندونيسي نموا مستقرا نسبيا، إلى جانب انخفاض معدل التضخم وارتفاع احتياطي النقد الأجنبي. وعلاوة على ذلك، فإن مستوى الدين الخارجي لإندونيسيا منخفض نسبيا أيضا، حيث يبلغ 34 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 116 بالمئة خلال الأزمة المالية الآسيوية لعام 1998.

مع ذلك، هناك مصدر واحد محتمل لأن يؤدي إلى ضعف الاقتصاد الإندونيسي، وهو العجز المتزايد في الحساب الجاري، حيث أدى تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، إلى جانب التضييق العام للأوضاع المالية، إلى ممارسة ضغط كبير على الاستقرار المالي لاقتصادات الأسواق الناشئة، بما في ذلك إندونيسيا. 

مستثمرو المحافظ قاموا بسحب استثماراتهم من هذه الأسواق، لا سيما تلك التي تعاني من عجز كبير في الحساب الجاري، وشهدت هذه البلدان كالأرجنتين وإندونيسيا انخفاض عملتيهما منذ بداية هذا العام. لكن إلى حد أقل، إندونيسيا معرضة لهذا النوع من تدفق رأس المال إلى الخارج، لأن نسبة كبيرة من عجز الحساب الجاري يتم تمويلها من خلال الاستثمار في المحفظة.

في حين أن المؤشرات الرئيسية قوية وتظل الأسس الاقتصادية للبلاد مرنة، إلا أن هناك تحديات تلوح في الأفق أمام الحكومة الإندونيسية، إذ من المرجح أن يؤثر تغير المناخ على توافر المياه، والصحة والتغذية، وإدارة مخاطر الكوارث، والتنمية الحضرية لا سيما في المناطق الساحلية. 

مع تحقيق إندونيسيا نجاحا ملحوظا في خفض معدل التقزم من 37 بالمئة في عام 2013 إلى أقل من 24.4 بالمئة في عام 2021، إلا أنه لا يزال هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به لضمان تنمية رأس المال البشري القوية والمنتجة، حيث كشف مؤشر رأس المال البشري للبنك الدولي، أن فقدان التعلم الناجم عن إغلاق المدارس خلال وباء “كورونا” سيكون له تداعيات على الجيل القادم في البلاد.

إحدى طرق تسهيل توسع الصناعات في إندونيسيا تتمثل في إعطاء الأولوية للمنتجات المحلية على المنتجات المستوردة، ومع ذلك، فإن أحد أكبر التحديات التي تواجه إندونيسيا حاليا هو ارتفاع الطلب على السلع المستوردة نتيجة تنفيذ اتفاقيات التجارة الحرة المختلفة، وسط روح تعزيز القدرة التنافسية الصناعية وتأمين أسواق المنتجات المحلية. 

وزير الصناعة الإندونيسي، أجوس كارتاسميتا، أطلق برنامجا لاستبدال الواردات بنسبة 35 بالمئة في عام 2022. تبلغ قيمة إحلال الواردات المستهدفة 152.83 تريليون روبية إندونيسية أو 35 بالمئة من إمكانات الاستيراد لعام 2019 والتي تبلغ 434 تريليون روبية إندونيسية.

لذا يجب على الاقتصاد الإندونيسي التغلب على عدد من التحديات للحفاظ على معدل نموه، والأخذ بعين الاعتبار ما قاله ثيو توماس، كبير أخصائي القطاع العام في مكتب البنك الدولي في جاكرتا، بأن الاقتصاد الإندونيسي يستفيد من عائد الديمقراطية ومن المرجح أن يحقق نتائج نمو أفضل بين 7 إلى 9 بالمئة، إلا أن نقص البنية التحتية يعيق النمو، وهذا يشمل البنية التحتية المادية، والأراضي المتاحة، ونقص العمال المهرة لمشاريع البناء، حيث تحتاج البلاد أيضا إلى تجنب فخ الدخل المتوسط، حيث تم تصنيف 50 مليون مواطن على أنهم من الطبقة المتوسطة.

خلاصة واستنتاجات

إندونيسيا هي رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، إذ يبلغ إجمالي عدد سكانها أكثر من 266 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلى 319 مليونا بحلول عام 2045. إندونيسيا جمهورية مستقلّة وعضو في مجموعة العشرين وهي حاليا عضو غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 2019-2020، ومجلس حقوق الإنسان 2020-2022.  

كانت أزمة إندونيسيا شديدة بشكل خاص، فما بدأ كأزمة اقتصادية سرعان ما تطور إلى أزمة سياسية، إلا إن النجاح الاقتصادي الذي حققته إندونيسيا خلال الفترة من 1985 حتى 2022، وسجلاتها بشأن إصلاحات السياسة، قد أقنع الكثيرين، بأنها الأقل ضررا من الأزمة الآسيوية والأوفر حظا في الصعود على مدى الأعوام المقبلة. 

تحليل التاريخ الاقتصادي لإندونيسيا يُظهر أن الإصلاحات الأولية، التي تمت صياغتها بعناية من قبل مجموعة من التكنوقراط الاقتصاديين، عالجت العديد من التشوهات الأكثر خطورة التي أعاقت النمو الاقتصادي، وبدأت هذه الإصلاحات تؤتي ثمارها من حيث معدلات النمو الأعلى، والانخفاض الحاد في معدلات الفقر، وزيادة مستوى الاندماج في الاقتصاد العالمي.

الحكومة الإندونيسية بقيادة جوكو ويدودو الذي تم تنصيبه كسابع رئيس لإندونيسيا في تشرين الأول/أكتوبر 2014، نفذت العديد من الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تحقيق نمو طويل الأجل، وكانت الأولوية القصوى لحكومته تطوير البنية التحتية كما يتضح من الارتفاع الحاد في ميزانية البنية التحتية الحكومية، والاستثمار كما يتبين من إلغاء القيود والحوافز المالية التي يتم تقديمها للمستثمرين من القطاع الخاص.

صعود إندونيسيا، كدولة أرخبيلية كبيرة جدا ومترامية الأطراف لدرجة أنها لا تهتم بالتوسع، ولكنها تركز فقط على الحفاظ على أراضيها المتباينة والممتدة معا ينبغي الترحيب به. كما يجب أن يُنظر إلى وضعها الذي لا تتحالف فيه مع الصين على أنه أمر إيجابي، ومن خلال الحفاظ على موقفها تلعب إندونيسيا عملية توازن جيدة للشرق الأوسط وللغرب.

لقد قطعت إندونيسيا شوطا طويلا خلال السنوات الخمس الماضية، ناهيك عن العقد الماضي. ومع الإرادة والقيادة الصحيحة، المتوافقة مع صنع السياسات والإدارة المالية السليمة، لا يوجد سبب يمنع إندونيسيا من تسريع صعودها الاقتصادي بشكل أكبر خلال العقد المقبل والمطالبة بمكانة مرغوبة على طاولة القوى العظمى في آسيا.

السعي لتحقيق النمو الاقتصادي يعني أنه يجب على الحكومة الإندونيسية أيضا تعديل لوائحها لجعلها جذابة قدر الإمكان للمستثمرين في المستقبل، أحد الأشياء التي قامت بها الحكومة الإندونيسية هو توفير إعفاء ضريبي لزيادة معدل الاستثمار في إندونيسيا.

من المتوقع أن يتسارع الاقتصاد الإندونيسي عند 5.1 بالمئة في عام 2022، و5.3 بالمئة في عام 2023 بسبب تحسن ثقة المستهلك، وتحسن شروط التبادل التجاري، لذا من المهم إدامة الإصلاحات السياسة الهيكلية لدعم النمو في المستقبل وتقليل الاعتماد على تحفيز الاقتصاد الكلي ودعم الطاقة على المدى القريب لاحتواء التضخم المتوقع، الأمر الذي يمكن أن يساعد بدوره في تجنب التشديد النقدي الحاد الذي من شأنه أن يخنق الانتعاش المحلي.

على هذا النحو، يمكن أن تلعب أربعة مجالات للإصلاحات الهيكلية دورا أكبر في تحفيز الاقتصاد، الإصلاحات الضريبية لتوسيع الإنفاق العام الجيد؛ إعطاء الأولوية لبيئة تمكين الأعمال للمؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة؛ إعادة التفكير في السياسات التجارية لتطوير الصناعات التحويلية الأكثر اخضرارا؛ وتعميق القطاع المالي.

التمويل الرقمي والمنافسة والبنية التحتية المالية السليمة يلعب دورا رئيسيا في تخصيص الموارد بكفاءة من خلال توجيه المدخرات إلى فرص الاستثمار الأكثر إنتاجية بطريقة أقل تكلفة، وأسرع وأكثر أمانا وشفافية. وهذا بدوره سيمكن من توسيع نطاق الإقراض واستخدام الخدمات المالية للأفراد والمؤسسات الصغرى والصغيرة والمتوسطة من خلال حسابات المعاملات وإدارة الدعم المالي. كما أنه سيسهل تطوير أدوات جديدة لسوق التمويل المستدام من أجل الانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة.

من خلال الإدارة الاقتصادية الصحيحة، والقيادة التي يمكنها تحقيق التوازن الصحيح بين الحد من تغير المناخ وتنمية الموارد الطبيعية فإن إندونيسيا ستصبح مركزا إقليميا للتصنيع والخدمات والتكنولوجيا، ولا يوجد سبب يمنع إندونيسيا من تحقيق إمكاناتها فمع صعودها الاقتصادي، ستكون قادرة على زيادة ثقلها السياسي على المسرح العالمي بشكل أكبر وتحولها ضمن ميزان القوى الاقتصادية الأكبر في شرق آسيا.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة