الأزمة الليبية.. إلى أين؟

الأزمة الليبية.. إلى أين؟
أستمع للمادة

مع تفاقم الجمود السياسي وعجز الدبلوماسية عن حل الأزمة الليبية وإحباط السياسيين من إحراز أي تقدم نحو إجراء الانتخابات وتهديد القادة العسكريين باستخدام العنف، يعود مجددا شبح الاقتتال الداخلي إلى المشهد الليبي، ما يثير مخاوف الأوساط الشعبية والسياسية وحتى الإقليمية.

تلك المخاوف نتيجة الوضع المعقّد على الساحة الليبية، لاسيما مع تلويحات القائد العسكري المشير خليفة حفتر، باستخدام العنف، فضلا عما تسبب به تحرك قوات موالية لحكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها هذا الأسبوع لمحاصرة اجتماع للمجلس الأعلى للدولة.

كما أن اندلاع موجة قتال دموية في آب/أغسطس الماضي، بين مجموعات مسلحة موالية لعبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، من جانب، ومجموعات أخرى، قريبة من رئيس الحكومة المنافسة فتحي باشاغا، الذي استقر مؤقتا في سرت من جانب آخر، عوامل كلها تدعم فرضية الحرب الأهلية، لما فيها من مؤشرات وتداعيات.

وسط ذلك، تسعى أطراف ليبية داخلية لدفع مجريات البلاد نحو انتخابات لإنقاذ المشهد من سيناريوهات خطرة، غير أن تقرير أممي نُشر الأسبوع الحالي، أشار إلى أن هناك بعض اللاعبين من المؤسسات يعرقلون التقدم صوب الانتخابات، إذ لا توجد بوادر تُذكر لأي خطوة حقيقية نحو تحقيق سلام مستقر.

وهو ما يتوافق مع ما تحدث عنه عثمان القاجيجي، الرئيس السابق للجنة انتخابات المجالس المحلية في ليبيا، بأنه لم يعد أحد يتحدث عن الانتخابات، وأن اللعبة التي يلعبها القادة السياسيون دائما هي عرقلة المسار، من خلال تكتيكات للتأجيل.

في غضون ذلك، تزداد الخشية من أن يُزيد استمرار الجمود السياسي من فرص وقوع العنف، الذي اشتعل عدة مرات في العاصمة هذا العام، ودائما ما يُنذر بأن يتحول إلى صراع أوسع نطاقا.

اقرأ/ي أيضا: إعادة العلاقات مع دمشق.. دعاية انتخابية لأردوغان أم تصريحات جدية؟

سيناريوهات ليبية

بالمقابل، يعتقد مختصون نقلت عنهم صحيفة “الشرق الأوسط”، أن الحل الوحيد هو إجراء انتخابات نزيهة للخروج من المأزق الحالي، وغير ذلك من الممكن أن تُضاعف الخيارات الأخرى من الأزمة، وهو ما قد يعزز احتمالية تحولها إلى حرب داخلية، بخاصة وأن الأطراف السياسية تنشغل بمصالحها ولا تفكر مليا فيما يمكن أن تتسبب به الأحداث.

سيناريوهات عدّة تبرز، جلها يتمحور حول ضرورة تعاطي القادة السياسيين في البلاد بإيجابية مع حالة الغضب الشعبي التي خلفتها معركة طرابلس الأخيرة، والتحرك نحو التوافق حول المسار الدستوري لإنجاز الاستحقاق الانتخابي، ومن ثم إخراج ليبيا من دوامة الانقسام والتنازع على الشرعية بين رئيسي حكومة “الوحدة” المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، و“الاستقرار” فتحي باشاغا.

فيما تشير الصحيفة السعودية في تقريرها إلى أن الأمور في ليبيا تتجه لخيارين، الأول يتمثل في الاتفاق بين مجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة على المسار الدستوري، وفقا لـ “محادثات القاهرة“، وبالتالي إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعد نهائي، وهذه الخطوة قد تؤدي لتغيير السلطة التنفيذية.

أما الخيار الثاني، يرجح استمرار الدبيبة في السلطة، وهو ما سيخلق حالة من التفرد، وتصبح السلطات الأخرى تابعة له، وخلال أشهر سيعود الصدام المسلح إلى البلاد، بجانب التفكك السياسي والاجتماعي لأقصى حدود التوتر، في حين يمكن أن تكون هناك فرصة أخيرة أمام باشاغا في إحداث تغييرات جوهرية في أسلوبه، ومراجعة قدرات فريقه السياسي.

من جانب آخر، هناك توقعات لخبراء سياسيين، بأن تتمحور السيناريوهات المستقبلية حول تعديل وزاري في حكومة باشاغا، يتم بمقتضاها توسيع دائرة المشاركة لتسهيل مهمة دخولها إلى طرابلس، وتسلم السلطة بشكل سلمي، لاسيما في ظل الجهود الإقليمية والدولية التي تسعى لإبعاد البلاد عن شبح الحرب.

والسيناريو الثاني، وفقا لـ “الشرق الأوسط” أن تأخذ البعثة الأممية زمام المبادرة وتعمل على إيجاد تسوية سياسية تُفضي إلى تشكيل حكومة جديدة تحظى باعتراف ودعم دوليين.

اقرأ/ي أيضا: جهود مصرية لحماية الحيوانات من تبعات التغير المناخي.. هل تنجح؟

الصراع ومآلاته

من جهته موقع “دي دبليو” الألماني، أكد أن تفاقم الصراع لن يؤدي سوى إلى المزيد من المعاناة للمواطن الليبي العادي، إلا أن المخاطر كبيرة أيضا للعالم الغافل عن العواقب، فمن شأن تفجّر الحرب أن يفتح مساحة جديدة للاحتكاك بين روسيا والغرب في البحر المتوسط، ويؤدي إلى انخفاض إنتاج ليبيا النفطي البالغ 1.2 مليون برميل يوميا في خضم نقص عالمي في الطاقة، ويتيح فرصة لانتعاش نشاط مسلحين إسلاميين، ويغذي أزمة هجرة عالمية.

يُشار إلى أنه قلما شهدت ليبيا حربا مفتوحة منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020، الذي أنهى هجوما شنّه المشير خليفة حفتر على طرابلس، نتاج سنوات من الفرقة بين الفصائل التي بزغت خلال انتفاضة عام 2011، التي دعمها حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والانقسام بين شرق البلاد وغربها في 2014.

ظاهريا، تتحدد ملامح الأزمة السياسية في ليبيا على أنها تدور حول خلافات بشأن الدستور النهائي للبلاد وقواعد الانتخابات المستقبلية وتقسيم الثروة على المناطق المختلفة وشكل الحكومة الانتقالية، بيد أن “ذي دبليو” يلفت إلى وجود شكوك في وجود طرف ما لديه اهتمام يذكر بحل طويل الأمد للمشكلة، بالرغم من مظاهر تأييد الانتخابات التي تجهر بها تلك الفصائل، لأنها كلها مستفيدة من الفوضى الراهنة.

وفي طرابلس، يدير رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة حكومة الوحدة التي تم تنصيبها العام الماضي بدعن أممي، للإشراف على فترة انتقالية قصيرة كان من المفترض أن تفضي إلى إجراء الانتخابات العام الماضي.

لكن الحكومة تتعرض لاتهامات متكررة باستشراء الفساد، بسبب تمتعها بالقدرة على الوصول المباشر إلى إيرادات النفط عبر البنك المركزي، والإنفاق على مشروعات تنموية يديرها حلفاؤه السياسيون في حين يرفض الدبيبة تلك الاتهامات.

بدوره، رفض مجلس النواب في شرق ليبيا شرعية الدبيبة منذ انهيار العملية الانتخابية العام الماضي وسط خلافات حول لوائحها، ويؤيد ذلك البرلمان إدارة منفصلة بقيادة فتحي باشاغا، ويحث على تنفيذ خطته الخاصة لإجراء انتخابات.

اقرأ/ي أيضا: لبنان يفشل بانتخاب رئيس جديد للمرة الخامسة.. من سيخلف عون؟

سياقات

لكن ولاية مجلس النواب نفسه انتهت منذ سنوات، ويتهم منتقدون رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بالتلاعب بالقواعد التشريعية لإصدار قوانين تهدف إلى تعزيز قاعدة سلطته، وهو ما ينفيه هو الآخر.

أما المجلس الأعلى للدولة، وهو مجلس تشريعي آخر يستمد سلطته من انتخابات جرت في 2012 واتفاق سياسي لم يتم أبدا تنفيذه بالكامل، فما زال يراوح مكانه بخصوص المسائل المطروحة، ويعرقل بذلك أي فرصة للتوصل إلى اتفاق.

وحتى لو لم ترغب النّخب في تغيير الوضع الراهن من خلال تسوية سياسية طويلة الأمد، فلا يوجد ضمان بألا تغيره بالعودة إلى رفع السلاح، بينما تنم خطابات قائد الجيش في الآونة الأخيرة، والتي يبدو فيها أنه يهدد بحرب جديدة لو استمر الجمود السياسي، عن رجل يتطلع بقوة إلى توسيع نطاق سيطرته إلى العاصمة.

في طرابلس نفسها وباقي مناطق الشمال الغربي، شتت وقف إطلاق النار المستمر منذ عامين شمل ائتلاف عسكري للفصائل المسلحة كان قد صد هجوم الجيش، واتضح ذلك في أحداث آب/أغسطس، عندما خاضت فصائل متنافسة معركة في العاصمة على مدار سنوات مع محاولة باشاغا دخول المدينة، قبل أن يعود أدراجه وطرد القوات الموالية له من طرابلس، مما عزز وضع الدبيبة هناك.

القتال الذي شهدته طرابلس في الآونة الأخيرة أعطى الفرصة لمجموعة قوية واحدة أن تشدد قبضتها على الأرض، لكن منافسيها لا يزال لهم وجود وقد يشنون محاولات جديدة للفوز بالسيطرة، وهو ما يفتح الباب على احتمالية الحرب إذا ما لم يتم التوصل إلى حل توافقي.

اقرأ/ي أيضا: هل توافق دمشق على الدعوات اللبنانية لترسيم الحدود؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة