لماذا يصر أردوغان على المصالحة والتقارب مع مصر؟

أستمع للمادة

الحديث عن إعادة وتطوير العلاقات المصرية التركية، من الجانب التركي وتحديدا الرئيس رجب طيب أردوغان، رغم إعلان القاهرة مؤخرا تعطيل الحوارات التي كانت على مستوى الوزراء والدبلوماسيين، يثير العديد من التساؤلات حول مساعي أردوغان إلى التقارب مع مصر في الوقت الراهن.

هذا فضلا عن تساؤلات حول احتمالات أفق التقارب بين القاهرة وأنقرة في ظل التناقضات السياسية التي تعمقها سياسة أردوغان.

“توجيهات” تبنتها أنقرة

في إطار جهود أنقرة لإعادة بناء العلاقات مع القاهرة، كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن تحضير لاجتماع بين مسؤولين أتراك ومصريين، بعد فتور دام لسنوات بين البلدين.

أردوغان، أفاد في تصريحات أُذيعت يوم أمس الأحد، أن عملية بناء العلاقات مع مصر ستبدأ باجتماع وزراء من البلدين، وإن المحادثات ستتطور انطلاقا من ذلك. هذا وبعد أن كانت العلاقات متوترة لسنوات بين البلدين، صافح أردوغان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في قطر الأسبوع الماضي، فيما وصفه بيان للرئاسة المصرية بأنه بداية جديدة في العلاقات الثنائية بينهما.

في برنامج حواري تلفزيوني تم تسجيله في محافظة قونية التركية، يوم السبت الماضي، قال أردوغان، إنه تحدث مع السيسي لنحو 30 إلى 45 دقيقة في ذلك اللقاء على هامش بطولة كأس العالم لكرة القدم في قطر. أردوغان أردف، “لقد ركزنا المحادثات مع السيد السيسي هناك، وقلنا لنتبادل الآن زيارات الوزراء على مستوى منخفض. بعد ذلك، دعونا نوسع نطاق هذه المحادثات”.

بحسب الباحث المصري المتخصص في قضايا الأمن الإقليمي محمد فوزي، “فإنه يُمكن الاستدلال على حيوية التحرك التركي إزاء مسألة تحقيق انفراجة على مستوى العلاقات مع الدولة المصرية، من خلال البحث في طبيعة ونوعية ومركز الشخصيات التي تقود هذا الملف من قبل الجانب التركي، وكذا بعض التوجهات التي تبنتها تركيا في الآونة الأخيرة، فبالنسبة للشخصيات التي تتبنى هذا التوجه يقع على رأسهم أردوغان، ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، وكبير مستشاري الرئاسة التركية للسياسة الخارجية إبراهيم كالين، والثلاث شخصيات هي المسؤولة بشكل رئيسي عن إدارة ملف السياسة الخارجية لأنقرة.”

فوزي أردف في حديثه لموقع “الحل نت”، أنه بالإضافة إلى ما ذُكر، يوجد بعض التحركات التركية التي مثّلت ترجمة لهذا التوجه، خصوصا فيما يتعلق بمسألة التعامل مع أنشطة جماعة “الإخوان” “المصنفة كتنظيم إرهابي ” على الأراضي التركية، حيث قامت أنقرة خلال الأشهر الأخيرة بتحجيم أنشطة الجماعة بشكل كبير، لا سيما ما يتعلق باستهداف الدولة المصرية عبر المنابر الإعلامية الإخوانية الموجودة في تركيا، في مؤشر عبّر عن سعي أنقرة لإزالة بعض العراقيل التي تحول دون حلحلة ملف التقارب مع مصر.

لكن، وفق فوزي، فإن الدولة المصرية ومنذ البداية تعاملت مع هذا الملف بصيغة “متزنة” و”واقعية”، تتوافق مع محددات السياسة الخارجية المصرية في مرحلة ما بعد ثورة الثلاثين من حزيران/ يونيو 2013، حيث اعتبرت مصر أن هذه المباحثات “استكشافية” وليست نهائية أو حاسمة.

خصوصا وأن مصر لديها تحفظات على السلوك الإقليمي لأنقرة بشكل عام، إذ ترفض مصر بشكل واضح التدخلات التركية السافرة في دول العراق وسوريا وليبيا، وهي التدخلات التي تزيد من تعقيد الأزمات السياسية والأمنية في هذه الدول، وتنتهك سيادتها،

كما وتتعارض ومبادئ الأمن القومي العربي، الذي يُعد أحد المحددات الرئيسية الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية، وقد ساهم هذا التحفظ المصري على السلوك الإقليمي التركي، في إبطاء وتيرة المباحثات وتعطيلها في بعض الأوقات، في ضوء عدم تغير النهج التركي عمليا.

هذا وتوترت علاقات أنقرة مع القاهرة منذ أن قاد السيسي، قائد الجيش آنذاك، الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة “الإخوان المسلمين” في عام 2013 إثر احتجاجات على حكمه. وكان أردوغان يدعم مرسي بشدة. كما وبدأ البلدان مشاورات بين كبار مسؤولي وزارتي الخارجية العام الماضي وسط مساع من تركيا لتخفيف التوتر مع مصر والإمارات وإسرائيل والسعودية، طبقا لـ”رويترز”.

قد يهمك: الوجه الجديد للإرهاب الدولي.. أعمال القرصنة البحرية بين السيناريوهات والتداعيات

أفق التقارب

تصريحات أردوغان تأتي بعد يومين على تصريحات مماثلة لنائبه فؤاد أوقطاي، قال فيها إن تطبيع العلاقات بين بلاده ومصر “مستمر في إطار الإرادة المشتركة للجانبين والمصالح والاحترام المتبادل”. وذكر أوقطاي في كلمة أمام لجنة الموازنة بالبرلمان التركي، أن “التحولات الجيوسياسية الأخيرة في الشرق الأوسط انعكست على مقاربات دول المنطقة أيضا”، وفقا لوكالة “الأناضول” التركية.

أوقطاي تابع، أن “الموقف التركي المتمثل في إعطاء الأولوية للتعاون الإقليمي أثمر فتح حقبة جديدة في العلاقات الثنائية مع الإمارات والسعودية وإسرائيل” مضيفا، “تستمر اتصالاتنا مع مصر لتطبيع العلاقات في إطار الإرادة المشتركة للجانبين والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وقمنا وسنواصل القيام بكل ما تتطلبه مصالح بلدنا وشعبنا”.

بالعودة إلى الباحث المصري المتخصص في قضايا الأمن الإقليمي، محمد فوزي، والذي أفاد، أن التوجه التركي نحو إصلاح العلاقات مع مصر، يأتي في إطار مقاربة خارجية جديدة تبنتها أنقرة في الأشهر الأخيرة، تقوم على ضرورة إصلاح العلاقات مع الدول الكبرى في الإقليم، خصوصا دول محور الاعتدال العربي بقيادة مصر والسعودية والإمارات، إذ رأت أنقرة أن تحقيق مصالحها في الإقليم على كافة المستويات، لن يستقيم إلا بتصحيح مسار العلاقات مع هذه الدول، خاصة في ظل الأزمات التي تواجهها على مستوى سياستها الخارجية، والأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها، وبالنسبة للحالة المصرية، فمصر باتت تمثل الفاعل الأهم في العديد من قضايا المنطقة، سواءً على مستوى قضايا الشرق الأوسط كالقضية الفلسطينية والملف الليبي، أو في منطقة شرق المتوسط، على حدّ تقديره.

هذا فضلا عن الفشل الذريع الذي مُنيت به تيارات الإسلام السياسي في المنطقة، سحب من رصيد الرهان التركي على هذا الخيار للتخديم على مصالحها الإقليمية، وكلها عوامل دفعت باتجاه تبني أنقرة لهذا النهج الجديد، وفق اعتقاد فوزي.

لكن مآلات مسار الانفتاح بين مصر وتركيا، ومستقبله، بحسب تقدير فوزي سوف يكون متوقفا على بعض المحددات، التي يقع في القلب منها التغير العملي الذي ستشهده السياسة الخارجية التركية في الإقليم، ومدى تجاوب أنقرة مع المبادئ التي تطرحها مصر للتعامل مع بعض القضايا التي انخرطت فيها أنقرة بشكل خشن في السنوات الأخيرة، لا مجرد تبني بعض الإجراءات الشكلية التي لا تؤثر بشكل كبير على مسار التقارب الثنائي.

فيما يرى مراقبون أن تصريحات الرئيس التركي لم تحمل أي إشارة واضحة إلى أن أحد الرئيسين قد قدّم تنازلا أو وعدا بمراجعة موقفه، لذلك فإن ذلك اللقاء رغم أهميته، لم يحدث أي اخترق حقيقي في العلاقات بين البلدين عقب سنوات طويلة من القطيعة والخلافات السياسية الحادة، بسبب مواقف أنقرة السلبية من التغيير السياسي الذي شهدته مصر عام 2013، والإطاحة بحكم جماعة “الإخوان” إثر احتجاجات شعبية.

كما ويشير الخبراء أن أهمية اللقاء تكمن في أنه يأتي عقب أسابيع قليلة على إعلان القاهرة عن تعثر المباحثات مع أنقرة حول إعادة تطبيع العلاقات، بسبب تجدد الخلافات بين البلدين حول الملف الليبي وشرق المتوسط.

كان وزير الخارجية المصري سامح شكري، قال أواخر الشهر الماضي إن محادثات التطبيع لم تستأنف، لأنه “لم تكن هناك تغييرات في ممارسات تركيا” في ليبيا.

تاليا، لا يمكن التعويل على تصريحات أردوغان الحالية على أن العلاقات المصرية التركية قد تشهد اختراقا حقيقيا خلال الفترة المقبلة، لكن اللقاء يمكن وصفه بأنه أكثر من تهدئة وأقل من مصالحة سياسية، ما يشير إلى أن هناك ملفات لا تزال عالقة قد يستغرق التفاهم حولها وقتا طويلا، بجانب ملفات أخرى عالقة بين الطرفين، ألا وهو دعم أنقرة لـ “الإخوان”، رغم الإشارات الإيجابية بإجبار قنوات “إخوانية” تبث من إسطنبول على التوقف عن مهاجمة الحكومة المصرية وإلغاء برامج دأبت على التحريض والعنف، فضلا عن الملف الليبي حيث تدعم تركيا حكومة عبدالحميد الدبيبة في طرابلس، بينما لا تزال القاهرة تدعم البرلمان الليبي والحكومة المعينة من قبله، إلى جانب مذكرة التفاهم التي أبرمتها حكومة الدبيبة مع تركيا والتي تسمح لأنقرة بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه الليبية.

قد يهمك: إشكالات المفهوم واستراتيجيات الخطر.. موسكو توظف إيران كورقة على طاولة المفاوضات؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة