أزمة الريال اليمني.. هل ينجح إيقاف طبع العملة بضبط سعر السوق؟

أزمة الريال اليمني.. هل ينجح إيقاف طبع العملة بضبط سعر السوق؟
أستمع للمادة

في الوقت الذي يواصل فيه الريال اليمني تراجعه أمام العملات الأجنبية، مسجلا أدنى قيمة له منذ تشكيل “مجلس القيادة الرئاسي” في نيسان/أبريل عام 2022، حيث بلغت قيمة صرف الدولار الواحد الأسبوع الماضي 1265 ريالا يمنيا، يجري الحديث عن توجه “البنك المركزي” اليمني، إيقاف طباعة العملة الورقية والذي كان له أثر إيجابي نسبي في النصف الثاني من العام الماضي 2022، في استقرار سعر صرف العملة المحلية نسبيا والانتظام في صرف رواتب الموظفين الحكوميين دون الاضطرار لطباعة المزيد من العملة الورقية.

حيث تسعى السلطات المسؤولة لضبط الاختلالات والاضطرابات في سوق الصرف وتضخم شركات وشبكات التحويلات المالية من خلال تشديد إجراءات منح التراخيص لمكاتب الصرافة أو تجديدها والتي ستستند لمعايير واشتراطات “البنك المركزي” والتشريعات المنظّمة لعمل القطاع المصرفي، وذلك بحسب ما أفاد به مصدر مسؤول لصحيفة “العربي الجديد” التي نقلت عنه قوله، إن ذلك يأتي في إطار محاولة لضبط سعر السوق.

الحديث عن التوجه اليمني نحو وقف طباعة العملة، يأتي بعد ثلاثة أيام من تشكيل “مجلس القيادة الرئاسي” في العاشر من الشهر الجاري، خلية أزمة برئاسة رئيس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء المعنيين ومحافظ “البنك المركزي”، لمتابعة التطورات الاقتصادية والمالية والنقدية واتخاذ المعالجات الفورية بشأنها، وبعد إعلان السلطات النقدية مطلع العام الحالي لائحة اشتراطات تجديد التراخيص لمكاتب الصرافة، قالت إنها استناداً للقانون اليمني الخاص بأعمال الصرافة.

أهداف وقف طبع الريال اليمني

أهداف الوقف تأتي وفق المصدر ضمن إطار خطة الإصلاحات الشاملة التي تنفذها الحكومة اليمنية في الجوانب الاقتصادية والمالية والنقدية تحت إشراف “صندوق النقد الدولي”، وشملت تنفيذ عدد من الإجراءات لتحسين بيئة الأعمال وتغطية متطلبات الحكومة لا سيما في جوانب الاحتياجات الخدمية الضرورية.

اقرأ/ي أيضا: اتفاق الرياض وتل أبيب.. المصلحة كمحدد في السياسة الخارجية؟

في حين كان رئيس مجلس الوزراء اليمني معين عبد الملك، قد ناقش  مع أعضاء الخلية في أول اجتماع عقده، أولويات عمل خلية الأزمة والمهام الماثلة أمامها وآليات تنفيذ المعالجات الفورية للقضايا والمستجدات على المستويات الاقتصادية والمالية والمعيشية، وأقرت بهذا الخصوص برنامج عملها وأولويات نشاطها على المدى القصير والمتوسط.

خلية الأزمة ناقشت أيضا مستوى تنفيذ السياسات والإجراءات الحكومية للحد من الآثار الكارثية للهجمات التي تتعرض لها المنشآت النفطية وحرية التجارة العالمية، وتخفيف تداعياتها على الوضع الإنساني والاقتصادي، والإجراءات الإضافية المطلوبة في هذا الجانب، حيث تتطلب مستجدات الأوضاع الاقتصادية الخطيرة الناجمة عن استهداف المنشآت الحيوية وتوقف تصدير النفط الخام القيام بمثل هذه الإجراءات وتشكيل هذه الخلية لمتابعتها بالنظر إلى ما تتركه هذه الهجمات من تأثيرات بالغة على الجوانب الإنسانية ومساعي عملية السلام.

في مقابل ذلك، وبمحاولة للبحث في جدوى إيقاف الحكومة اليمنية لطبع العملة على مستوى أسعار الصرف في السوق المحلية، يقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني في حديث لموقع “الحل نت”، إن الحكومة اليمنية تقوم بتمويل الموازنة بعجز حقيقي، لعدم امتلاك واردات كافية بحكم قلة مصادر التمويل مثل النفط وغيرها من المصادر الطبيعية.

تداعيات وقف طبع الريال اليمني

بالتالي فإن الحكومة عندما تريد تمويل موازناتها تضطر للجوء إلى التمويل بعجز، ومعنى العجز هو إصدار نقدي جديد؛ أي طبع عملة محلية جديدة. ما يؤدي إلى انخفاض قيمة العملية في السوق المحلية مقابل العملات الأجنبية، بحسب المشهداني.

بالإشارة إلى أن ما يحصل في اليمن؛ هو كما يحدث في العراق في تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت الحكومة لا تملك خيار لتوفير الأموال سوى طبع العملة لسداد مستحقات الموظفين والنفقات الأخرى، ما أدى لتدهور قيمة الدينار حينها من 4 دنانير مقابل الدولار الواحد، إلى أكثر من 3000 دينار لكل دولار واحد.

بناء على ذلك، يرى الخبير في الشأن الاقتصادي، أن وقف طبع العملة المحلية في اليمن أمر غير ممكن تماما، وذلك لعدم توفّر مصادر تمويل أخرى يمكن أن تلجأ لها الحكومة في تمويل الموازنات، ما يحتّم التمويل بتضخم، بالتالي فإن إيقاف طبع العملة المحلية في اليمن لا يمكن أن ينقذ سعر الصرف في الأسواق لأن الحكومة مضطرة للتمويل وسط عدم امتلاك مصدر آخر غير طبع عملة جديدة، خصوصا مع عدم فعالية النظام الضريبي والجمركي والرسوم.

اقرأ/ي أيضا: بكين والشرق الأوسط.. تمحيص ونأي بالنفس عن المحور الإيراني الروسي؟

يشار إلى أن عائدات الموارد النفطية تشكل في اليمن نحو 75 بالمئة من الموازنة العامة للدولة، والتي تغطي في بنودها مرتبات الموظفين وتسديد اعتمادات الواردات من السلع الغذائية ونفقات تشغيلية لتيسير أعمال السلطات المحلية بالمحافظات التي تديرها الحكومة اليمنية.

وسط ذلك، يحذر القطاع الخاص في اليمن من الوضع الراهن في البلاد الذي يشوبه الغموض وضرورة التوافق على استمرار الهدنة غير المعلنة بين الحكومة والحوثيين، والتي أحدثت تغيرات في العديد من العناصر والقضايا ذات العلاقة ببيئة الأعمال الخاصة، من حيث توفر المشتقات النفطية وخدمات الكهرباء.

في الأثناء، يواجه اليمن خلال العام الحالي 2023، مجموعة من الأزمات العاصفة التي تتطلب سرعة التعامل معها بفعالية دون تأخير تتمثل بتوقف صادرات النفط، وشح رصيد الاحتياطي من العملات الصعبة، واستمرار حالة الحرب وغياب الاستقرار السياسي والأمني، في وقت اقترب فيه سعر صرف الريال أمام الدولار من 1300 ريال للدولار، قبل أن يتحسن قليلا، مع استمرار معاناة سوق الصرف من الهشاشة.

إجراءات خجولة وتداعيات محتملة

من طرفه “البنك المركزي” اليمني في عدن يكتفي بإجراء وحيد حتى الآن في التعامل مع سوق الصرف، وتوفير الدولار عن طريق نظام المزادات الذي يرى أنه يحقق الغرض منه في توفير احتياجات الأسواق المحلية من الدولار، إلى جانب كونه يحظى بدعم “صندوق النقد الدولي” والمؤسسات الدولية المانحة، في حين يواجه هذا النظام اختبارا جديا خلال العام الحالي في ظل ما تفرزه الأحداث والمستجدات السياسية والأمنية وعدم الاستقرار السياسي من تبعات.

فيما من المرجح أن تواجه الحكومة خلال الفترة المقبلة عجزا كبيرا في الميزانية العامة، بما يقيّد قدرتها على الوفاء بأغلب واجباتها تجاه اليمنيين، من قبيل تمويل الخدمات العامة ودفع مرتبات موظفي القطاع العام بشكل منتظم، وهي متغيرات ستزيد من تدهور ظروف المواطنين المعيشية المتردية أساسا.

إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تتأثر قدرة الحكومة على توفير المخصصات الكافية لتمويل النفقات التشغيلية لمختلف التشكيلات العسكرية والأمنية التابعة لها، وبالتالي يُحتمل أن تواجه الحكومة تحديات متزايدة على صعيد تأمين والحفاظ على مستوى جاهزية القوات اليمنية على امتداد ساحات المواجهة مع خصومها “الحوثيين”، وهو أمر يستدعي الحاجة المُلحّة إلى إصلاح الخلل الكبير في منظومة الاقتصاد.

في حين تشير التوقعات إلى أن التراجع التدريجي المتوقع في سعر صرف العملة المحلية، سيؤثر سلبا وعلى نحو ملموس، في الظروف المعيشية للمواطنين اليمنين، ليس بفعل تقلص القدرة الشرائية فقط؛ وإنما كذلك بسبب تراجع النشاط الاقتصادي الكلي وزيادة معدلات التضخم، وبالتالي تضاؤل فرص العمل والوظائف المتوفرة، في ظل تقلبات سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية. 

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد