أستمع للمادة

في ظل الأوضاع المضطربة في الأراضي الفلسطينية، وكذلك التحديات الموجودة في العديد من دول الشرق الأوسط والقارة الإفريقية سواء في ملف “سد النهضة” أو الوضع السياسي غير المستقر في ليبيا والعملية السياسية الجارية في السودان، قام وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، بزيارة كلّا من مصر ثم إسرائيل وفلسطين.

وزير الخارجية الأميركي، بدأ جولته إلى منطقة الشرق الأوسط، في الفترة من 29 وحتى 31 كانون الثاني/يناير 2023، مستهدفا بالأساس العمل على دفع عملية السلام في العديد من القضايا الملحّة والعالقة ولعل أهمها موجة التصعيدات الأخيرة في القدس.

بالنظر إلى أن العلاقات بين واشنطن والقاهرة استراتيجية، يبدو أن الأولى ترى أنه من الضروري تعزيز هذه العلاقات، إذ تنظر الإدارة الأميركية لمصر بأنها تمثل مركزا استراتيجيا لضمان أمن المنطقة، وبالتالي تحرص على إبقاء العلاقات معها في الحدود التي تحافظ على فعالية قنوات التواصل باستمرار، لا سيما وأنها تعد مصر شريكا مهما في عمليات مكافحة الإرهاب والعمليات الأمنية الإقليمية، التي تعزز الأمن الأميركي والمصري.

من هنا تُثار عدة تساؤلات حول إمكانية التوصل إلى أُطر وحلول فيما يتعلق بالقضايا والمشكلات التي تواجه المنطقة، من تطورات الوضع المضّطرب في فلسطين، أو إذا ما ثمة مقاربة سياسة جديدة للأزمة الليبية، بجانب الملف السوداني وقضية “سد النهضة” بتوافق أميركي مصري.

منسوب الاستقرار نحو الهاوية؟

وزير الخارجية الأميركي أوضح أن جولته الراهنة تؤكد التزام بلاده بتعميق العلاقات الثنائية، والعلاقات بين الشعوب، وتعزيز حقوق الإنسان، ودعم الأمن الإقليمي والعالمي.

زيارة بلينكن تأتي في وقت تتصاعد فيه الأوضاع في القدس، إثر تنفيذ عملية أوقعت جريحين إسرائيليين، فيما كانت عملية أخرى، يوم الجمعة الماضي، قد استهدفت كنيسا يهوديا وخلفت عددا من القتلى، في حين تلوّح تل أبيب بقرارات عقابية ضد أهالي المنفّذين.

ضمن السياق ذاته، قال وزير الخارجية الأميركي ونظيره المصري سامح شكري، يوم الإثنين الفائت، إن الجانبين بحثا سُبل التهدئة في الأراضي الفلسطينية بعد موجة التصعيد الأخيرة، مشيرَين إلى بحث موضوعات أخرى خلال المباحثات، ومنها، “سد النهضة” والأوضاع في ليبيا والسودان .

حديث بلينكن وشكري، جاء خلال مؤتمر صحفي مشترك في العاصمة المصرية القاهرة، في أعقاب مباحثات أجراها بلينكن مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وفق تقارير صحفية.

بلينكن وصل إلى مصر، في مستهل جولة في المنطقة استمرت ثلاثة أيام، وتأتي وسط تصاعد خطير للعنف بين إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية.

بحسب بلينكن، فإنه “على مدار التاريخ ترأست مصر الجهود في المنطقة لتعزيز الأمن والاستقرار والرخاء في المنطقة وتستمر بتأدية هذه الجهود، علما بأن هذه المرحلة حساسة من ذي قبل”، كما أضاف “عملت مصر على تبديد التوترات بين الفلسطينيين والإسرائيليين”.

بلينكن حول زيادة التوترات وتصاعدها في القدس، يقول إنه سيعمل مع كل من الرئيس والوزير المصريين، لتخفيف التوترات وتحقيق الاستقرار، وسيدعو الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى العمل على تخفيض حدة التوتر، وأن حلّ الدولتين هو الطريق الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني  الإسرائيلي.

كما أعرب عن أمله بأن تعمل بلاده مع مصر على تعزيز العلاقات بين إسرائيل والدول المجاورة من أجل الرخاء وازدهار المنطقة.

في حين مصر تعول كثيرا على التعاون المشترك بين مصر وأميركا في إطار تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وفقا لمبادئ الشرعية الدولية والمصالح المشتركة التي نعمل على تعزيزها ولا تزال منطقة الشرق الأوسط، وفق ما قاله شكري.

شكري يرى أن الأوضاع في الشرق الأوسط احتلت قدرا كبيرا في مباحثات الوزير الأميركي مع السيسي والمباحثات الموسّعة، مشيرا “إلى أن القضية الفلسطينية كانت حاضرة بقوة خلال المباحثات، والأهمية لتحقيق الاستقرار لمنع أي نوع من التصعيد وإيجاد الإطار السياسي الملائم للتوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية على أساس حلّ الدولتين، وأن التطورات الأخيرة هي تطورات مؤسفة نعمل على احتوائها ونعمل على إعادة التهدئة ومراعاة مصالح كل الأطراف واستقرار المنطقة”.

قد يهمك: تحقيقات انفجار مرفأ بيروت.. هل تدفع لبنان نحو انهيار شامل؟

على الرغم من أن زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى القاهرة تأتي ضمن جدول سيشمل إسرائيل والضفة الغربية، وذلك يتسق مع التطورات الميدانية خاصة مع تولي بنيامين نتنياهو رئاسة حكومة متطرفة في تل أبيب، تدفع منسوب الاستقرار لحافة الهاوية، حسبما يرى الكاتب والمحلل السياسي المصري، رامي شفيق.

نحو ذلك ترتبط الزيارة بهذا السيناريو حتما وجهود القاهرة نحو بسط مفهوم الاستقرار وحثّ كافة الأطراف على التقدم نحو رؤية تضمن خفض تصعيد العمليات الميدانية، وفق حديث شفيق لموقع “الحل نت”.

الوضع الميداني واضطراب الأمن في فلسطين، يمكن القول إن واشنطن تدرك تماما نجاعة الدور المصري في هذا الملف واطلاعها بعمق على كافة التطورات، بيد أن التحدي الأبرز الذي يجابه الجميع ويعمل وزير الخارجية بلينكن على كبح جماحه سريعا هو انفلات حكومة نتنياهو، وأهمية العمل بأدوات السياسة على ضبط الأمور ميدانيا وعدم انفلاته لسيولة حركة على الأرض فيما بين الطرفين خاصة مع تأزم الأوضاع على أكثر من مستوى، الأمر الذي ينبغي أن ينضبط حتى لا يضحى مرتكزا لقوى إقليمية، مثل إيران ووكلائها، وفق تقدير شفيق.

“سد النهضة”

إلى جانب التطورات في القدس، كان هناك عددا من القضايا ذات الاهتمام المشترك بين واشنطن والقاهرة، والذي يدور حول ملف “سد النهضة”، إذ قال بلينكن “نحن ندعم أي حل يقوم على ضمان مصالح جميع الأطراف ويراعي الحياة المعيشية لكل من مصر والسودان وإثيوبيا”. وأبدى تفهّمه بأن مصر تعتبر مسألة السد مسألة وجودية بالنسبة إليها.

بينما، شكري عبّر عن وجهة نظر القاهرة في هذا الصدد بالقول “تناولنا مسألة سد النهضة وأهمية استمرار العمل المشترك لضمان مصالح كافة الأطراف الثلاثة وفقا لقواعد القانون الدولي والحقوق المشروعة في الموارد المائية والأمن المائي المصري”.

المحلل السياسي، يرى بحسب منظوره أنه فيما يتعلق بقضية “سد النهضة”، فإنها رهن حتمية تفعيل الوساطة الأميركية لضمان حقوق مصر التاريخية في مياه النيل وكذا القضايا الإقليمية وأُطر الصراع الذي تحتشد كافة مفاعيله داخليا وإقليميا ودوليا.

القاهرة تدرك تماما أن واشنطن حتى اللحظة لا تقوم بدورها الجاد نحو ملف “سد النهضة” خاصة وأن مصر لا تطلب سوى التوافق مع الجانب الإثيوبي في مسار الملء وتوقيتاته بما يحافظ على حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، بحسب وجهة نظر شفيق.

إلى ذلك يمكن القول إن ثمة مهام تضطلع بها القاهرة استجابة لأدوارها التي اكتسبتها بفعل التاريخ والجغرافيا السياسية ومنسوب دور القاهرة كحليف استراتيجي للولايات المتحدة في السياسة الدولية، بحسب تعبير شفيق.

الوضع في ليبيا

في المقابل، فإن تأكيد القاهرة على أهمية تفكيك كافة الميليشيات وخروج القوات الأجنبية لضمان التوصل نحو الاستحقاق الانتخابي في ليبيا ربما تجدها واشنطن المقاربة الواقعية الأكثر نجاعة. كما تولي الإدارة الأميركية مقاربة سياسية تشتبك مع الانسداد السياسي من خلال تفكيك حضور قوات “فاغنر” في جغرافيا الهلال النفطي الليبي وتفعيل وساطة فيما بين المشير خليفة حفتر وعبدالحميد الدبيبة، لضمانة حضور حكومة تعمل في كافة أنحاء البلاد وتسمح بتنفيذ الاستحقاق الانتخابي خلال الأفق المنظور من العام الجاري، وفق حديث شفيق.

كما يعتقد شفيق أن هذا العام يُعتبر فرصة مهمة لإجراء الانتخابات في ليبيا والخروج من الأزمة السياسية التي تعانيها البلاد، وبأن التحشيد المستمر للميليشيات وتحديدا “فاغنر” المتواجدة في ليبيا، ليس في صالح استقرار البلاد وأن الأوضاع ستبقى على ما عليه، إذا لم تكن في اتجاهها نحو الأسوأ.

قد يهمك: لماذا يجب انضمام إسرائيل إلى البحرية العربية في البحر الأحمر؟

مما لا شك فيه أن جميع الأطراف في ليبيا تدعوا إلى إجراء انتخابات من شأنها أن تسرّع بإنهاء الأزمة في البلاد، عن طريق توافق المجالس أو عن طريق توافق الأطراف الليبية. وإن التحشيد الدولي يُعد تحرك إيجابي باتجاه تهيئة أجواء لإجراء الانتخابات في ليبيا ودفع البلاد نحو عجلة التوافق والاستقرار.

بلينكن من جانبه حول الوضع في طرابلس، قال إن مصر لعبت دورا في خفض التصعيد في ليبيا، مشيرا إلى أن بلاده تدعم جهود المبعوث الأممي في ليبيا.

في وقت سابق، بحث الرئيس السيسي، مع مدير “وكالة المخابرات المركزية” الأميركية وليام بيرنز، الذي زار ليبيا مؤخرا، مجمل أوضاع ليبيا، واتفقا على ضرورة إجراء الانتخابات في أقرب فرصة، وزيارة بلينكن قد تكون تأكيدا على هذه النقطة، وربما في الفترات المقبلة، تثمر جهود واشنطن والقاهرة في إيجاد مقاربة وأطر للأزمة الليبية.

العملية السياسية السودانية

في السياق ذاته، قال وزير الخارجية المصري إنه تم تناول قضية العملية السياسية الجارية في السودان، مؤكدا أهمية العمل المشترك لمواجهة كل التحديات للتغلب عليها مثل الإرهاب الذي كان من الأولويات الرئيسية. في حين أشار بلينكن إلى أن مباحثاته في مصر تطرقت إلى جهود دعم العملية السياسية في السودان والتحول نحو الديمقراطية، حيث يعتمد مستقبل السودان على وجود حكومة تراعي مصالح جميع فئات الشعب، مشددا على أن بلاده سوف تدعم أي جهود تساعد على تحقيق الرخاء لجميع سكان المنطقة.

مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2022، تم التوقيع على الاتفاق الإطاري بين الجيش وكيانات وأحزاب بعضها منضوي تحت مظلة “قوى الحرية والتغيير”، المجلس المركزي، والذي يمهد لاتفاق نهائي يتيح نقل السلطة للمدنيين في السودان.

القيادي في الكتلة سليمان صندل، عقب اجتماع استمر 6 ساعات عُقد يوم الأحد الفائت مع نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو، قال إنهم توصلوا إلى توافق على 95 بالمئة من قضايا الاتفاق الإطاري، مشيرا إلى استمرار المشاورات لحسم الـ 5 بالمئة المتبقية من أجل التوقيع على الاتفاق.

كلّ هذا فيما تنخرط القوى الموقّعة على الاتفاق في استكمال المرحلة النهائية التي تهدف للوصول إلى اتفاق نهائي لنقل السلطة للمدنيين، وحل الأزمة التي تعيشها البلاد لأكثر من عام.

على الرغم من الخلافات على “الاتفاق الإطاري” بين القوى السياسية السودانية، غير أن البعض يرى فيه بداية منطقية ومعقولة لحكومة مدنية تنقذ البلاد من أزمات سياسية واقتصادية تزايدت حدّتها خلال السنوات الأخيرة.

إن الاتفاق النهائي في حال توقيعه بشكله الحالي القائم على إقصاء جهات سياسية ورفض التوقيع عليه من أطراف ثانية لن يحقق أي استقرار بل سيقود السودان إلى المزيد من التشرذم والاحتقانات، خاصة أن أكثر من جهة أعلنت التصعيد قبل التوقيع، وفق وجهة نظر مراقبين.

لكن في حال تم الوفاق الشامل بين كل أو معظم الأطراف السياسية بقبولها التوقيع على الاتفاق المُعلن، والتي يجب أن تكون مدعومة بجهود دولية لتشكيل حكومة مدنية قائمة على أسس ديمقراطية مستقرة تقود البلاد إلى انتخابات نزيهة تمثل كل الشعب السوداني، الأمر الذي يطمح به عموم السودانيين، والمجتمع الدولي، لا سيما واشنطن ومصر، باعتباره خطوة مهمة ومحورية لإرساء المبادئ المتعلقة بهياكل الحكم في السودان.

المراقبون يأملون في أن تؤدي العملية الحالية إلى حل الأزمة التي اندلعت في أعقاب الإجراءات التي اتخذها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ،في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2021، والتي أنهت الشراكة التي كانت قائمة بين المدنيين والعسكريين منذ سقوط نظام البشير في نيسان/أبريل 2019.

الزيارة الأميركية أدرجت جملة من الملفات على طاولة النقاش حيث ألتقى بلينكن بوزير الخارجية المصري، والرئيس السيسي، ومسؤولين آخرين ومن المعلوم أن الرئيس السيسي كان في إطار جولة خارجية شملت الهند وأذربيجان وأرمينيا وثمة زيارة قام بها شكري لموسكو في إطار الجهود المبذولة لتفكيك لغم الاحتشاد الأممي على تخوم الصراع الروسي الأوكراني وترقّب معركة الربيع القادمة وما ستفسر عنه من سيناريوهات قادمة على كافة المستويات، في ختام حديث شفيق.

بشكل عام، ما دامت واشنطن تعتبر القاهرة مركزا استراتيجيا لضمان أمن المنطقة والعلاقات بينهما استراتيجية مهمة، فإن قنوات الاتصال ستكون مستمرة بغية حلحلة الأوضاع ودفع جميع قضايا المنطقة نحو عملية السلام، بحيث يعزز الأمن الإقليمي والمرونة الاقتصادية في جميع أنحاء المنطقة، بالإضافة إلى تعزيز الشراكة الدفاعية المستمرة على مدى عقود عدة، لا سيما في عمليات مكافحة الإرهاب، التي تُعد إحدى ركائز الاستقرار الإقليمي، وهي السياسة الأساسية للإدارة الأميركية تجاه المنطقة وقضاياها والتي ستبقى على ما عليها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.