بدعوة رسمية من وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، وصل أمس الأربعاء، وزير الخارجية السوري بطائرة خاصة إلى مطار جدة الدولي، وهي الأولى له منذ 12 عاماً، في حراك دبلوماسي يندرج في إطار مساعي المملكة الخليجية لاستعادة العلاقات مع البلدين المتحالفين والمقطوعة منذ سنوات.

الوزيران وبحسب البيان الصادر عن الخارجية السعودية، عقدا جلسة مباحثات ناقشا خلالها الجهود المبذولة للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية يحافظ على وحدة سوريا، وأمنها، واستقرارها، وهويتها العربية، وسلامة أراضيها، بما يحقق الخير لشعبها. كما بحثا الخطوات اللازمة لتحقيق تسوية سياسية شاملة للأزمة تنهي جميع تداعياتها، وتحقق المصالحة الوطنية، وتساهم في عودة دمشق إلى محيطها العربي، واستئناف دورها الطبيعي في الوطن العربي.

أثارت الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية السوري للسعودية تكهنات حول مصالحة محتملة بين البلدين. لكن مصادر مطلعة على الموضوع كشفت أن الأمر ليس كذلك، وأن هناك دوافع أخرى وراء الزيارة، فما كواليس زيارة وزير الخارجية السوري إلى جدة، وما الأسباب الحقيقية للرحلة وما تعنيه لمستقبل المنطقة.

مهلة 24 للرد

بعد ساعات قليلة على إعلان وسائل إعلام إيرانية وصول وفد من طهران للرياض، أعلنت المملكة أنّ وزير الخارجية السوري فيصل المقداد وصل إلى جدة، في زيارة هي الأولى على هذا المستوى منذ عام 2011، حيث وصف دبلوماسي عربي في الخليج لوكالة “فرانس برس”، إنّ “الإيرانيين والسوريين في السعودية في يوم واحد. ما يحدث أمر جنوني تماماً لم يكن ممكنا توقع حدوثه قبل أشهر قليلة”.

نائب وزير الخارجية السعودي (يمين) لدى استقباله وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في مطار جدة (مواقع التواصل)
نائب وزير الخارجية السعودي (يمين) لدى استقباله وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في مطار جدة (مواقع التواصل)

البيان الذي صدر عقب الزيارة، أكد على أهمية تعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب، والتعاون في مكافحة تهريب المخدرات، و”ضرورة دعم مؤسسات الدولة السورية، لبسط سيطرتها على أراضيها لإنهاء تواجد الميليشيات المسلحة”. كما بحث الجانبان الخطوات اللازمة لتحقيق تسوية سياسية شاملة للأزمة السورية تنهي كافة تداعياتها، وتحقق المصالحة الوطنية، وتساهم في عودة سوريا الى محيطها العربي، واستئناف دورها الطبيعي في الوطن العربي.

البيان الذي كان ذات معاني مفتوحة وهي الصيغة التي تحبها دمشق، كانت طياته ظاهرة بحسب حديث مصادر دبلوماسية مصرية لـ”الحل نت”، حيث ما وصف بـ “إنهاء تواجد الميليشيات المسلحة” هي صيغة تفاهم تطالب فيه السعودية بالحد من وجود وكلاء إيران في سوريا، ودمشق تريد من الرياض التدخل بقوة من أجل بسط سيطرتها في شمال سوريا شرقا وغربا.

كما أن التسوية الشاملة التي طرحت في البيان، هي دلالة رسمية على أن هناك رؤية سعودية بضرورة إشراك المعارضة السورية في العملية السياسية، ولذلك كانت زيارة المقداد شبه غير رسمية، حيث حضر بطائرة خاصة تابعة لشركة “هارموني جيت” التي تتخذ من الإمارات مقرا لها، دون وفد سوري رسمي، حيث رافقه فقط معاونه أيمن سوسان، واستقبلهم نائب وزير الخارجية السعودي المهندس وليد بن عبدالكريم الخريجي.

ليس هذا فحسب، بل أشارت المصادر الدبلوماسية، أن لقاء الفيصلان لم يكن من أجل تطبيع العلاقات بين البلدين، بل رسالة حملها المقداد إلى دمشق، ويتنظر ردها خلال 24 ساعة، أي قبل الاجتماع المزمع عقده يوم غد الجمعة في جدة لدول “مجلس التعاون الخليجي” ويشارك فيه أيضاً كلّ من الأردن ومصر والعراق للبحث في عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد تعليق عضويتها منذ 2012 وقبل نحو شهر من عقد القمة العربية في السعودية.

وطبقا للمعطيات فإن قبول عودة دمشق إلى الجامعة العربية حتى على مستوى منخفض خلال اجتماع غد الجمعة، يعني أنها قبلت بالشروط الخليجية أو تحفظت على بعض منها، ليصار إلى مناقشتها في وقت لاحق.

شروط خليجية لعودة سوريا

بعد زيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إلى القاهرة قبل أيام، صدر بيانان بعيد اللقاء حيث جاء في بيان الخارجية المصرية أن مصر تدعم “جهود التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة السورية وفقاً للقرار الأممي 2254″، فيما لم يأتِ بيان السعودية على ذكر بيان جنيف ولا القرار 2254 أو حتى على ذكر موجباته.

وزير الخارجية السعودي (يمين) لدى استقباله وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في جدة (مواقع التواصل)
وزير الخارجية السعودي (يمين) لدى استقباله وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في جدة (مواقع التواصل)

صحيفة “وول ستريت جورنال”، ذكرت في تقرير لها نشر اليوم الخميس، أن جهود السعودية لإعادة سوريا إلى الحظيرة العربية تواجه مقاومة، وقالت إن هناك خمس دول أعضاء في الجامعة العربية على الأقل، تقاوم إعادة مقعد الجامعة لسوريا، كما أشارت أيضا صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية في ذات الوقت، إلى أن بعض الدول ومن بينها قطر والكويت ما زالت تعترض على إعادة دمشق إلى الجامعة العربية.

وفقا لما أطلعت عليه المصادر الدبلوماسية “الحل نت”، فإن هناك شروط سعودية بانتظار الرد عليها خلال 24 ساعة القادمة من دمشق، وكان استئناف الخدمات القنصلية والرحلات الجوية بين البلدين بادرة حسن نية من الطرف السعودي سعيا لرد إيجابي من دمشق.

بحسب الشروط، فإن الرئيس السوري بشار الأسد، لن يكون حاضرا في القمة القادمة التي ستعقد بالرياض، ولن تعود دمشق لشغر مقعدها في الجامعة العربية، إلا إذا وافقت دمشق على عودة اللاجئين تحت مراقبة دول عربية على أرض السورية دون محاسبة، وإنهاء معاناتهم، وتمكينهم من العودة بأمان إلى وطنهم.

كذلك، تعزيز التعاون بشأن مكافحة تهريب المخدرات والاتجار بها، وهنا طرحت الرياض بند طرد الميليشيات الإيرانية من جنوب سوريا بشكل كلي، كون الأردن فشلت في إحتواء المشكلة التي تتسرب من الحدود السورية رغم الدعم العربي والسعودي المقدم لإنهاء تدفق المخدرات إلى دول الخليج.

أيضا عرضت الرياض تسوية سياسية شاملة للأزمة السورية تنهي كافة تداعياتها، وتحقق المصالحة الوطنية، عبر إشراك مكونات من المعارضة السورية التي تتوافق عليها الدول العربية عموما والخليجية خصوصا، بما يضمن أمن واستقرار، وسلامة الأراضي السورية.

صحفية “فايننشال تايمز” البريطانية من جهتها ذكرت أيضا أن السعودية ما زالت تطالب الرئيس السوري بشروط عليه الالتزام بها، بما في ذلك إحراز تقدم بشأن ملايين اللاجئين السوريين الذين فروا من الحرب.

الشروط العربية لعودة دمشق

ليس فقط السعودية من لديها شروط لعودة سوريا إلى الجامعة العربية، حيث قال أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في مؤتمر صحفي الشهر الماضي: “لا يوجد إجماع عربي في الوقت الحالي بشأن قضية إعادة قبول سوريا المحتملة في جامعة الدول العربية”.

وزير الخارجية السعودي (يمين) ووزير الخارجية السوري فيصل المقداد (مواقع التواصل)
وزير الخارجية السعودي (يمين) ووزير الخارجية السوري فيصل المقداد (مواقع التواصل)

مصر التي طبّعت العلاقات معها في الأشهر الأخيرة وهي حليف قوي للسعودية تبدي رفضها لإعادة دمشق إلى الجامعة العربية قبل التعامل مع المعارضة السياسية السورية بطريقة تمنح جميع السوريين صوتاً لتقرير مستقبلهم، فالمتحدث باسم الوزارة قال إن وزير الخارجية المصري سامح شكري أبلغ الأمم المتحدة يوم الإثنين الفائت أنه يؤيّد تنفيذ قرار الأمم المتحدة بخصوص حل الأزمة في سوريا، حيث تتطلب الانتخابات في سوريا خارطة طريق.

لدى بعض الدول العربية أيضا مطالب ثنائية. فالمملكة المغربية، على سبيل المثال، تريد من الحكومة السورية إنهاء دعمها لـ “جبهة البوليساريو” الانفصالية، التي تريد الاستقلال عن الصحراء الغربية.

كما أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، على الرغم من تحالفها الوثيق مع المملكة العربية السعودية، تعارض أيضا التطبيع الفوري بسبب دعم سوريا لجماعة “الحوثيين” اليمنية، وتقيم لهم معسكرات تدريب داخل سوريا.

وزارة الخارجية القطرية من جهتها، في بيان يوم أمس الأربعاء، قالت “موقفنا ضد التطبيع واضح جدا. لا تطبيع مع نظام الأسد ولا ندعم الآخرين الذين يقومون بتطبيعهم مع غياب التقدم نحو حل سياسي”.

طبقا لحديث عبد الستار مدنية، عضو “إعلان دمشق” داخل سوريا، لـ”الحل نت”، فإن الأسد لم يُظهر أي توجه نحو الإصلاح السياسي، حتى بعد أن استعادت حكومته السيطرة على جزء كبير من البلاد بدعم من إيران وروسيا. فقط المنطقة الشمالية الشرقية ومحافظة إدلب الشمالية الغربية بقيت خارج سيطرته. 

ومع ذلك، لا يزال الأسد حريصا على إصلاح العلاقات مع جيرانه العرب لأنه يمكن أن تحسن صورته في الداخل وربما تؤدي إلى مساعدته في إعادة بناء البلاد. في الأسابيع الأخيرة، زار الأسد عُمان والإمارات كدفعة قوية لتطبيع العلاقات الدبلوماسية.

إثر اندلاع النزاع في 2011، قطعت دول عربية عدة على رأسها السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، وعلقّت جامعة الدول العربية عضوية سوريا. وقدّمت السعودية التي أغلقت سفارتها بدمشق في آذار/مارس 2012، خلال أولى سنوات النزاع دعما للمعارضة السورية، واستقبلت شخصيات منها على أراضيها.

الشهر الماضي، أعلنت الرياض أنها تجري محادثات مع دمشق تتعلّق باستئناف الخدمات القنصلية بين البلدين. وعنا اعتبرت الباحثة في معهد “بيكر” للسياسات العامة، ياسمين فاروق، أنّ التطورات الأخيرة بخصوص التهدئة في المنطقة “لم تكن مفاجئة ويتمّ الإعداد لها منذ فترة”. وقالت “ما يمكن أن يكون مفاجئا هو السرعة التي يتم العمل بها لمواكبة عودة سوريا مع القمة العربية في الرياض” الشهر المقبل.

لن يكون إقناع الولايات المتحدة وأوروبا برفع العقوبات المفروضة على الأسد وشركائه أمرا سهلا بالنسبة للبلدان العربية، حتى بالنسبة لأولئك الذين هم حلفاء أقوياء لأميركا.

في الشهر الماضي، كتبت مجموعة من المسؤولين والخبراء الأميركيين السابقين في سوريا إلى الرئيس بايدن، أن المحاولات العربية لتطبيع العلاقات مع سوريا دون إصلاحات سياسية تتعارض مع أجندات الأمن وحقوق الإنسان الأميركية.

مع ذلك، تدعو السعودية والإمارات إلى العودة السريعة لحكومة الأسد إلى المحيط العربي، في حين طرح الأردن خطة مفصلة لتطبيع العلاقات مع دمشق. هذه الدول ترى بأن إعادة إدماج سوريا ضرورية لإعادة بناء البلاد والتخفيف من أزمتها الإنسانية بعد عقد من الصراع، ولكن أيضا لوقف تدفق المخدرات غير المشروعة والتنظيمات المتطرفة والميليشيات التي تدعمها إيران.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة