اهتمام غير مسبوق توليه دول الخليج العربي بصناديق الثروة السيادية التي تمتلكها، والتي تعتبر ركيزة أساسية في اقتصاديات هذه الدول، وازدادت أهمية هذه الصناديق بعد انخفاض أسعار النفط عالميا، باعتبارها أداة استثمارية مهمة ووسيلة من وسائل توسيع القاعدة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل أيضا، حيث سجلت أداء مميزا خلال الربع الأول من العام الجاري، وسط توقعات بتعاظم عوائدها بنهاية العام الجاري، ما يسلط الضوء على دورها الكبير في اقتصادات المنطقة الطامحة إلى تنويع مواردها المالية.

الاهتمام الخليجي المتزايد بصناديق الثروة السيادية مرده السياسات الاقتصادية التي تسعى للتحول من اقتصاد ريعي قائم على عوائد النفط، إلى اقتصاد متنوع استعدادا لمرحلة “ما بعد النفط” التي باتت قريبة، وهذه الصناديق نجحت في توسيع حجم استثماراتها في الداخل والخارج وحققت أربحا طائلة بل حققت تواجدا خارجيا ومكاسبا سياسية.

معهد “أس دبليو أف” المتخصص في دراسة استثمارات الحكومات والصناديق السيادية، أظهر في تصنيفه الأخير، بلوغ قيمة أصول الصناديق السيادية لـ4 دول خليجية نحو 2.66 تريليون دولار، وذلك بنهاية آذار/مارس الماضي، ووفقا للبيانات، احتلت هيئة استثمار أبو ظبي التابعة لدولة الامارات المركز الثالث عالميا، إذ تدير أصولا تصل قيمتها إلى 790 مليار دولار.

 “صندوق الهيئة العامة للاستثمار الكويتي”، جاء في المرتبة الرابعة عالميا، والذي بلغت أصوله نحو 750 مليار دولار، فيما احتل صندوق الاستثمارات العامة “صندوق الثروة السيادي السعودي” المركز السادس عالميا بعد ارتفاع قيمة أصوله السيادية بأكثر من 42.58 مليار دولار لتصل إلى 650 مليار دولار من قيمتها السابقة المقدرة بنحو 607.42 مليارات دولار في نهاية 2022، وحل تاسعا جهاز قطر للاستثمار بأصول بلغت 475 مليار دولار.

المعهد الدولي توقع لصناديق الثروة السيادية في تقرير حديث، نمو إجمالي أصول الصناديق السيادية العالمية من 10.6 تريليونات دولار في 2022، إلى 12.6 تريليون دولار في 2025، و17.3 تريليون دولار في العام 2030، وتعمل صناديق الثروة السيادية على استثمار الأموال التي تولدها الحكومة، والتي غالبا ما تُشتق من فائض احتياطيات الدولة، لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأجل.

نشأت صناديق الثروة السيادية الخليجية

ظاهرة صناديق الثروة السيادية ليست بالحديثة، وتعود نشأتها إلى خمسينيات القرن العشرين، وكانت البداية من داخل “مجلس التعاون الخليجي”، بسبب تمتُع اقتصادها بوفرة في الموارد الطبيعية.

صناديق الثروة الخليجية أنفقت 89 مليار دولار على مستوى العالم خلال العام الماضي - AFP
صناديق الثروة الخليجية أنفقت 89 مليار دولار على مستوى العالم خلال العام الماضي – AFP

كانت للكويت الأسبقية، عندما قامت في عام 1953 بإنشاء “صندوق هيئة الاستثمار الكويتية” والذي يعتمد على استثمار الإيرادات المتدفقة للنفط كمصدر رئيسي للدخل القومي، ومحرك رئيسي لمعدلات النمو الاقتصادي، وكان الهدف الرئيسي من إنشائه حينها، هو استثمار الاحتياطات والفوائض النقدية من القطاع النفطي، وذلك من أجل مواجهة الآثار السلبية الناجمة عن التقلبات الحادة في عوائد النفط في الأسواق العالمية، وتحقيق العدالة بين الأجيال المتلاحقة حال نضوب النفط أو الغاز الطبيعي. ودعمت الكويت نسبة 10بالمئة من المداخيل العامة للدولة في الصندوق، لتصبح بذلك أول دولة في العالم تقوم بهذه الخطوة. وفق موقع “رصيف 22”.

قد يهمك: عام 2023 نقطة تحول بالنسبة لاستثمارات الخليج السيادية؟

الدراسات والإحصائيات الحديثة تشير إلى التزايد في أعداد صناديق الثروة السيادية التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي، بشكل تختلف فيه أهدافها وأغراضها وحجم أصولها واستراتيجياتها الاقتصادية، مع محدودية مصادر تمويلها؛ حيث تعتمد على فوائض النفط؛ إذ تمتلك الدول الخليجية 13 صندوقا ماليا تشكل ما يقارب من 40 بالمئة من إجمالي صناديق الثروة السيادية حول العالم، بثروة تتخطى ثلاثة تريليونات دولار. تتواجد دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت ضمن الدول العشرة الأولى في ترتيب القيمة المالية للصناديق السيادية التي تملكها الدول.

من جهته يقول الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ”الحل نت” بأن تجربة الصناديق السيادية في الخليج تجربة متميزة وهذه التجربة لعلها نشأت لاعتبارات محددة، باعتبار أن عائدات النفط والغاز هي ثروات ناضبة ودائما الثروات الناضبة لا تستمر لفترات زمنية طويلة، لذلك تعد هذه الصناديق بالنسبة لدول الخليج بمثابة حفظ لحقوق الأجيال القادمة، حيث تعتبر جزء من احتياطات الدولة أيضا.

تجربة الصناديق السيادية في كلا من السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعمان، وفرت دعما كبيرا للمشروعات التنموية، إضافة إلى تمويل مشروعات البنية التحتية، وتمويل استثمارات ذات عائد جيد في دول أخرى بالمنطقة والعالم، على سبيل المثال تمويل مشروع “سد مروي” في السودان والذي يعد من المشروعات الكبيرة، وفق الناير.

الإمكانات المتوفرة

الإمكانات التي تمتلكها الصناديق السيادية الخليجية إمكانات ضخمة وكبيرة، بحسب الناير، باعتبار أنه كلما ارتفعت أسعار النفط والغاز عالميا، كلما أصبح العائد بدول الخليج كبير جدا، ويكون بمعدلات أعلى مما هو مستهدف في الموازنة، وبالتالي تدفقات كبيرة جدا على هذه الصناديق، ويكون فيها أموال ضخمة، وفق تعبيره.

من المتوقع أن تتلقى صناديق الكويت و أبو ظبي وقطر السيادية، تدفقات رأسمالية ضخمة نهاية العام الحالي، بدعم من النفقات المنخفضة وارتفاع أسعار الطاقة، وأن تحقق فوائض مالية كبيرة “تحوَّل إلى صناديقها السيادية”، بحسب معهد “أس دبليو أف”.

المعهد ذاته رجح بأن تستمر أكبر 4 صناديق سيادية خليجية ضمن المراكز الـ15 الأولى عالميا بحلول 2030 من حيث الأصول المدارة، ويتوقع أن يتصدر صندوق الاستثمارات العامة السعودي تصنيف الصناديق السيادية الخليجية والعربية بنهاية العام الجاري، بأصول تصل قيمتها إلى تريليوني دولار، يتبعه جهاز أبوظبي للاستثمار بـ 1.39 تريليون دولار، والصندوق السيادي الكويتي بـ 1.04 تريليون دولار، وجهاز قطر للاستثمار بـ777 مليار دولار.

في موازة ذلك يضيف الناير ، بأن الصناديق السيادية تعتبر أيضا، بمثابة صمام أمان وعنصر دعم لاحتياطات دول الخليج من النقد الأجنبي، وتقيها أيضا من التقلبات والأزمات الاقتصادية والتقليل من حدتها، من خلال استثمار الأموال الضخمة المحفوظة فيها بتنفيذ مشروعات تنموية.

اقرأ أيضا: مستثمرو وادي السيليكون يبحثون عن فرص تمويل في الشرق الأوسط.. ما القصة؟

الصناديق لديها إمكانات كبيرة ويمكنها تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي،  وفق الناير، وذلك عبر تمويل مشروعات عديدة في المنطقة العربية، بخاصة مشروعات الربط الاقتصادي بين الدول العربية، سواء في مجال البنية التحتية، مثل الطرق والسكك الحديدية والمنافذ الحدودية، أو في مجال التشارك التنموي في الطاقة والتعدين وغيرها من القطاعات التي يمكن أن تؤدي إلى تكامل خليجي عربي كبير وتصب عوائدها في صالح المنطقة كلها، لكنها لا تمول إلا مشروعات مضمونة ذات عائد إيرادي، وبضمانات محددة تضمن استرداد الأموال والأرباح إلى الصندوق.

الصناديق السيادية والسياسية

في ورقة بحثية لـ “مركز دراسات الشرق الأوسط”، بعنوان “الاستثمارات كأدوات سياسية أجنبية“، توصلت إلى أن دول الخليج تستخدم استثماراتها المالية في توجيه السياسة الخارجية لدول معينة، من خلال ما تصفه بأنه “شراء السياسة الخارجية”. كما تقول الدراسة إن دول الخليج تعمد إلى تشكيل السياسة الخارجية للدول عبر الاستثمار فيه، وأبرز النماذج على ذلك هي استثمارات صناديق الثروة الخليجية في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وروسيا والصين.

 فيما يخص الدور السياسي لصناديق الثروة السيادية، يقول الناير بأنه ربما يكون هناك دور إلى حد ما، ولكن ليس بنسبة كبيرة، باعتبار أن هذه الصناديق أحيانا توجه من قبل الدول للاستثمار في مكان محدد، فهناك دول قد لا يوجد إقبال على الاستثمار فيها، لكن بتوجيهات سياسية من حكومة الدولة قد يتوجه الصندوق إلى الاستثمار بها، ولكن هذا يشكل نسبة ليست كبيرة، لأن الاستثمار يتم على أسس اقتصادية بصورة أساسية، بحسب تعبيره.

بينما يرى مراقبون بأنه من البديهي في السياسة استخدام المصالح الاقتصادية لتحقيق مواقف متوافقة بين دولة ما مع دول أخرى، وهنا تستخدم دول الخليج الصناديق السياسية لكسب الحلفاء وتشكيل علاقات مع بعض الدول وإعادة تشكيل علاقتها مع دول أخرى بما يخدم استراتيجيتها السياسية، ولكسب مواقفها السياسية لصالح قضاياها الإقليمية والدولية، لذلك تُعد صناديق الثروة الخليجية عنصرا مهما وفعالا في قيمتها السياسية قبل الاقتصادية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة