استمع للمادة

في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تغيرات في التحالفات تدفع بها مصالحات إقليمية، تسعى دولة الإمارات العربية إلى تعزيز استثماراتها خارج حدودها، وذلك لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية في آن واحد، حيث تحرص أبو ظبي من خلال “مجلس الإمارات للمستثمرين في الخارج”، على تبني رؤية مستدامة في الاستثمار الخارجي، والتوجه نحو زيادة القطاعات الأكثر أهمية للدول التي يتم الاستثمار فيها.

في تصريحات صحفية سابقة، لأمين عام “مجلس الإمارات للمستثمرين في الخارج” جمال سيف الجروان، جاء فيها بأن المجلس يستهدف مضاعفة الاستثمارات الإماراتية في بلدان عربية وغربية، إذ تتركز أغلب الاستثمارات الإماراتية الخارجية في الأوراق المالية، والسندات، والبنية التحتية، والألمنيوم، والعقارات أيضا.

الجروان برر سعي المجلس إلى مضاعفة الاستثمارات الإماراتية في بعض هذه الدول بأسباب عدة، أهمها، قوة العلاقات التاريخية والسياسية والاقتصادية والتجارية التي تجمع دولة الإمارات بها، فضلا عن أن غالبية هذه الدول أقرّت قوانين واتفاقيات تهدف إلى جذب وحماية الاستثمارات الأجنبية فيها، كما أنها أزالت مجموعة من القيود البيروقراطية التي كانت تواجهها، انطلاقا من حاجتها إلى مشاريع تنموية واستثمارية عملاقة، وخاصة في قطاعات البنية التحتية والتجارة والسياحة والعقارات وغيرها؛ الأمر الذي يحقق عوائد مجزية للشركات والمستثمرين الإماراتيين، بحسب ما نقله “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية”.

النفوذ الناعم في الخارج

مسؤولون وخبراء يجمعون على دور الاستثمارات الإماراتية في الخارج في تعزيز مكانة الإمارات كوجهة جاذبة للاستثمارات؛ مدعومة بما تتمتع به من علاقات اقتصادية وتجارية واستثمارية قوية مع دول العالم، وانفتاحها على الاقتصاد العالمي بشكل واسع، ودور هذه الاستثمارات التنموي في دفع النمو الاقتصادي، وتوفير آلاف الوظائف للشباب في الدول التي يتم الاستثمار فيها.

صورة الإمارات / رويترز
صورة الإمارات / رويترز

إلى ذلك ارتفعت قيمة أصول الاستثمارات الإماراتية الصادرة من الدولة إلى 7 تريليونات درهم، خلال عام 2022، مقارنة بعام 2021، محققة نموا نسبته 25 بالمئة، على الرغم من التحديات الاقتصادية العالمية، وأوضح مجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج، خلال اجتماع مجلس الإدارة الـ33، أن رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصادرة من دولة الإمارات حتى نهاية عام 2022، توزع بحسب القارات وفقا لحجمها كما يلي، أوروبا، أميركا الشمالية، آسيا، إفريقيا، أميركا الجنوبية، أستراليا، وفقا لبيان صحفي.

من جانبه يقول الخبير الاقتصادي ناصر الكناني في حديثه لـ”الحل نت” بأن الإمارات تسعى إلى تعزيز استثماراتها الخارجية لأسباب عدة منها، تنويع مصادر الدخل، حيث يسعى الاقتصاد الإماراتي إلى التحول من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع يعتمد على مصادر دخل مختلفة، وتعتبر الاستثمارات الخارجية واحدة من الوسائل التي يمكن من خلالها تنويع مصادر الدخل، و بناء سمعة جيدة للاقتصاد الإماراتي والشركات الإماراتية.

أيضا الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، ووفق الكناني، تعتبر الاستثمارات الخارجية وسيلة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي للدولة، حيث يتم تحويل جزء من الثروة الوطنية إلى استثمارات آمنة في الخارج تعمل على توفير مصادر إضافية للدخل، كما تساعد على تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الإمارات والدول التي تستثمر فيها، وتمكن الشركات الإماراتية من الدخول إلى أسواق جديدة والتعاون مع شركاء أجانب، كذلك تعمل على توسيع نطاق الأعمال وتنويع الاستثمارات، وتعزز قدرة الشركات الإماراتية على تحمل المخاطر وتحقيق العوائد العالية.

توزع الاستثمار

استثمارات الإمارات في الخارج تركزت في كلا من المملكة المتحدة وأميركا وكندا، إضافة لفرنسا والهند وتركيا ومصر، وأيضا المغرب وإندونيسيا وكوريا الجنوبية، وتشمل القطاعات التي توزع فيها رصيد الاستثمارات الإماراتية الصادرة، النفط والغاز وأيضا الطاقة المتجددة، إلى جانب الأمن الغذائي والزراعة ولصناعة، وأيضا تجارة التجزئة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والموانئ والنقل والخدمات اللوجستية والعقارات، بحسب ما أورده “مجلس الإمارات للمستثمرين في الخارج”.

التوجهات الإماراتية نحو التوسع في الاستثمارات الخارجية، انطلاقا من استراتيجيتها في التنويع الاقتصادي وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 80 بالمئة، ودعم حضور الدولة ونفوذها الناعم في الخارج، إضافة إلى دعم اقتصادات الدول التي تستقبل الاستثمارات الإماراتية، التي يتزايد الطلب العالمي عليها باستمرار، يؤكده التواصل المستمر مع المؤسسات الاستثمارية الحكومية والخاصة والعائلية في دولة الإمارات، لجذب مزيد من الاستثمارات.

أيضا بما يمنح الشركات الإماراتية فرصة توسيع أعمالها والاستفادة من المقومات والفرص الموجودة في الأسواق المتنوعة، في مختلف القطاعات التي تمتلك المقومات والبيئة الاستثمارية الجاذبة، وخاصة في الأسواق الواعدة؛ كآسيا وبعض دول إفريقيا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وذلك  وفقا لـ”مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية”.

في موازاة ذلك، صرح وزير الاقتصاد الرئيس الشرفي لـ”مجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج” عبدالله بن طوق المري بأن المجلس يواصل استكشاف فرص النمو والتعامل مع التحديات التي تواجه الشركات الأعضاء في الأسواق العالمية، حيث تواصل أبو ظبي ترسيخ مكانتها وجهة عالمية للتجارة والاستثمار، حيث حققت التجارة الخارجية غير النفطية لها، معدلات نمو قياسية في عام 2022، مسجلة نحو تريليونين و233 مليار درهم بنمو نسبته 17بالمئة، مقارنة بـ2021.

على صعيد الاستثمارات الإماراتية، فإن الدولة نجحت في المحافظة على مكانتها ضمن المراكز الأولى على صعيد المنطقة، في ما يتعلق بقدرتها على استقطاب الاستثمارات إلى أسواقها، وكذلك على صعيد حجم الاستثمارات الصادرة منها، بحسب بن طوق، حيث يوضح بأن الرصيد التراكمي للاستثمارات الإماراتية الصادرة إلى الخارج، بلغ أكثر من 215 مليار دولار بنهاية عام 2021، وبنسبة نمو بلغت 11.7 بالمئة، مقارنة برصيد عام 2020، بحسب تقرير الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي لعام 2022، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”.

استثمارات في دول عربية

دولة الإمارات هي الأولى عربيا من حيث الاستثمارات في مصر، وهي في تزايد متواصل، فضلا عن رغبة متواصلة من البلدين لزيادة الاستثمارات الإماراتية لتصل بنهاية الربع الأول من 2023 إلى 28 مليار دولار مقابل 20 مليار دولار بنهاية الربع الأول من عام 2020 بمعدل نمو 40 بالمئة، إذ يشهد التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين تطورا كبيرا في المجالات كافة، بحسب ما نقلته وكالة أنباء الأمارات “وام” عن الجروان.

الجروان أشار أيضا إلى أن الهدف أن تصل الاستثمارات إلى 35 مليار دولار خلال العقد القادم في قطاعات السياحة والتعليم والخدمات اللوجستية والصناعات الغذائية والطاقة النظيفة والمتجددة، والطيران، والصناعات الدوائية والنقل، ولفت إلى أن السوق المصرية تحتضن ما يقارب 3000 شركة إماراتية تعمل في العديد من القطاعات ولا سيما الاتصالات، والبناء والتشييد والمدن الذكية، وتجارة التجزئة، والنفط والغاز، والموانئ والزراعة، والفنادق، والخدمات، وغيرها.

من جهتها قالت سفيرة الإمارات العربية، إيمان أحمد محمد أحمد السلامي، على هامش زيارتها لفضاء ملعب الصولجان بمرسى القنطاوي بسوسة في تونس، في نيسان/أبريل الماضي، إن بلادها منفتحة دائما على مواصلة الاستثمار في مختلف مجالات التعاون مع الجمهورية التونسية، وفق تعبيرها.

السلامي، أطلعت خلال زيارتها التي رافقها فيها والي سوسة، نبيل الفرجاني، على مكامن الاستثمار في “شركة الدراسات والتنمية لسوسة الشمالية” التي أحدثت سنة 1973 بمساهمة من صندوق أبو ظبي للتنمية بنسبة تفوق 32 بالمائة، ووعدت، في تصريح لوكالة “تونس إفريقيا للأنباء”، بنقل تطلعات الشركة الى المسؤولين بدولة الامارات العربية المتحدة.

في ذات السياق، يمثل المغرب إحدى الساحات الخارجية المفضلة للاستثمارات الإماراتية، حيث اتفقت الإمارات والمغرب على مضاعفة التبادل التجاري والاستثماري بينها خلال السنوات السبع المقبلة، وذلك خلال اجتماع الدورة الأولى للجنة الاقتصادية المشتركة في الرباط في نيسان/أبريل الفائت، بمشاركة كبار المسؤولين ومؤسسات من القطاعين العام والخاص في البلدين، وفقا لوكالة “وام”الإماراتية .

كما اتفق البلدان على تعزيز التعاون في القطاعات ذات الأولوية للبلدين، وخلال الاجتماع، قال وزير الاقتصاد ورئيس الوفد الإماراتي عبد الله بن طوق المري إن “التدفقات التجارية والاستثمارية بين البلدين تشهد نموا مستمرا، حيث تعد الإمارات أكبر مستثمر عربي في المغرب والثاني عالميا بأكثر من 50 مليار درهم أي ما يعادل 14 مليار دولار مع نهاية 2021، وأن ذلك المبلغ يمثل نسبة مساهمة 21 بالمئة من إجمالي رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المغرب، وفي المقابل بلغت قيمة الاستثمارات المغربية في الإمارات 289.9 مليون درهم أي ما يعادل 79 مليون دولار بنهاية 2020”.

كما أن الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري عربي للمغرب خلال 2021، وبلغ حجم التجارة الخارجية غير النفطية بين البلدين 3.6 مليار درهم ما يعادل 991.2 مليون دولار خلال 2022 محققة نموا بنسبة 16بالمئة مقارنة بعام 2021، ونموا بنسبة 67.3 بالمئة مقارنة مع 2020، بحسب المري.

أخيرا، تعتبر الإمارات من أكبر المستثمرين في العالم، وتتمتع بسياسة استثمارية واسعة النطاق تستهدف العديد من القطاعات والمجالات في الدول المختلفة، وكما بقية دول مجلس التعاون الخليجي العربية، تسعى أبو ظبي عبر زيادة الاستثمارات الخارجية والتبادل التجاري إلى تنويع مصادر اقتصادها إلى جانب النفط، لتقوية الاقتصاد وتجنبه تداعيات التقلبات في أسعار النفط كي لا تتأثر خطط التنمية سلبا.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات