السجال الذي وقع نتيجة تصريح رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، لن يكون نهاية الطريق، بل نحن عند مفترق طرق في العلاقة بين إيران ولبنان، وستختلف الملامح القادمة في تفاصيلها عن كل ما سبق، حيث تبدو الوصاية التي شكلتها طهران وفرضتها بقوة السلاح بواسطة وكيلها المحلي “حزب الله”، محل رفض ومراجعة سياسية.
قوى عديدة لبنانية، لم تعد في ظل الوضع المنهار أمنيا وعسكريا فضلا عن الاقتصادي والسياسي والفراغ الرئاسي، سواء على مستوى النزوح والتهجير أو القتلى وضحايا الحرب، ترى ثمة حل سوى باستعادة الدولة لوجودها وحيازتها وحدها قرار الحرب والسلم، وأن تنتهي مسألة السلاح غير الشرعي والميلشيات التي تتحكم في المسارات المعقدة.
لكن يبدو أن إيران ما تزال تضع في أولوياتها عدم إضاعة لبنان كفرصة سياسية واستراتيجية، بينما تواصل بناء مرتكزاتها الاستراتيجية ضمن مشروعها الطائفي “الولي الفقيه”، ولهذا، لم يتردد رئيس البرلمان الإيراني المعروف بـ”مجلس الشورى الإسلامي” أن يرد على رفض رئيس الحكومة في لبنان نجيب ميقاتي لتصريحاته الرافضة لوصاية طهران على لبنان، والتفاوض باسمها وقال: “الركيزة الأساسية للشعب اللبناني هي إيران وقائدها المرشد علي خامنئي”. وتابع: “قوة إيران هي التي تجعلها مؤثرة في المعادلات الدولية”.
لبنان يبحث عن سياسة جديدة
احتجاج ميقاتي على التصريحات بشأن تفاوض طهران في باريس على وقف إطلاق النار بلبنان وتنفيذ القرار الأممي لمجلس الأمن 1701، سابقة من نوعها، وتكشف عن سياسة جديدة تبحث فيها الحكومة اللبنانية عن خط تلتزم به، حتى تتحرى من الوصاية والتبعية والخروج من الطوق الإيراني أو بالأحرى “بيت الطاعة” السياسي.

ولم يكتف رئيس الحكومة اللبنانية ميقاتي بالتعبير عن رفضه وامتعاضه، بل صرح وبشكل حاد أن ما صدر عن قاليباف “يشكل تدخلا سافرا في الشأن اللبناني ومحاولة لفرض رقابة غير مقبولة على لبنان”. كما قام باستدعاء القائم بالأعمال الإيراني ومسائلته.
وقال نجيب ميقاتي: “نعمل مع جميع أصدقاء لبنان، بما في ذلك فرنسا، للضغط على إسرائيل” لوقف إطلاق النار، مؤكدا أن مسار التفاوض بشأن تطبيق القرار 1701 هي في قبضة “الدولة اللبنانية”، وشدد على رفض أي تدخلات خارجية تتسبب في تقويض “الاعتبارات الوطنية والسيادية”.
وقال ميقاتي في بيان: “نستغرب هذا الموقف الذي يشكّل تدخلا فاضحا في الشأن اللبناني، ومحاولة لتكريس وصاية مرفوضة على لبنان، علما أننا كنا أبلغنا وزير خارجية إيران ورئيس مجلس الشورى خلال زيارتيهما إلى لبنان أخيرا بضرورة تفهم الوضع اللبناني، خصوصا أن لبنان يتعرض لعدوان إسرائيلي غير مسبوق، ونعمل لدى جميع أصدقاء لبنان ومنهم فرنسا؛ للضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار”.
وأردف ميقاتي: “موضوع التفاوض لتطبيق القرار الدولي الرقم 1701 تتولاه الدولة اللبنانية، ومطلوب من الجميع دعمها في هذا التوجه، لا السعي لفرض وصايات جديدة مرفوضة بكل الاعتبارات الوطنية والسيادية”.
وبحسب مرجع شيعي لبناني معارض لـ”الحل نت”، فإن ما صدر عن قاليباف من تصريحات هي محاولة لا تهدف إلى استفزاز الحكومة اللبنانية بقدر ما تسعى إلى ترميم الحاضنة الشيعية، وبناء أو استعادة “حزب الله” ثقته بنفسه، واستعادة هياكله الأمنية والعسكرية للثقة ذاتها، وأن كل الخسائر التي جرت يمكن تعويضها من خلال الارتباط بـ”الجمهورية الإسلامية”.
ولفت المرجع الشيعي اللبناني المعارض الذي رفض الكشف عن هويته، إلى أن هذا المعنى السياسي عبارة عن رسالة لقوى خارجية بأن الحزب يتعين أن يكون جزءا من المعادلة السياسية، مع التأكيد على وقف إطلاق النار والقبول بالتسويات لكن من دون تقويض نهائي وتام للحزب المدعوم من طهران، وخسارته في لبنان.
“حزب الله”، قبل الحرب الأخيرة، أحال البلاد “مجتمعا بلا دولة”، فأقام تحت حجة “المقاومة” المزعومة أنظمة موازية في الاقتصاد والتعليم والاستشفاء والقضاء فضلا عن “مصادرة أدوار الدولة في الدفاع والأمن والحرب والسلم.
يكاد يتفق الرأي مع ما ذكره مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق ديفيد شينكر، بأن ما ذكره قاليباف يبدو غريبا ومباغتا، موضحا أن الإيرانيين بالعادة يتصرفون “بطريقة أكثر كياسة”، لافتا إلى أن “سيطرة إيران على لبنان ممتدة منذ عقود، وفي الواقع منذ انسحاب السوريين من لبنان”. وقال إن “ما جرى كان فاضحا ما دفع ميقاتي للاعتراض”. وتابع: “مع تراجع قدرات حزب الله قررت إيران الحديث باسم وكيلها”.
الدول الإقليمية ترفض الوصاية الإيرانية
ويمكن القول إن التدخل الإيراني في لبنان يجد ردود فعل عنيفة عربيا، وهناك رغبة وإرادة سياسيتين للبدء في حل سياسي والالتزام بالمسار التفاوضي لإنهاء الوضع العسكري المحتدم في جنوب لبنان بين “حزب الله” وإسرائيل، ناهيك عن التشديد بخصوص استعادة الدولة اللبنانية لدورها عوضا عن المرحلة التي كانت تتحكم الميلشيا في قرارتها ومواقفها، والبدء من إنهاء الشغور الرئاسي، ولهذا قال الأمين العام لجامعة الدول العربية أن حكومة لبنان هي وحدها المنوط بها التفاوض باسم البلد من أجل التوصل لوقف فوري لإطلاق النار، وتطبيق كامل غير منقوص للقرار 1701.
وبحسب وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية في مصر، شدد الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، أن موقف الجامعة واضح في هذا الخصوص وأن جميع قراراتها تشدد علي سيادة لبنان الكاملة في اتخاذ قراراته المصيرية. فيما أعلن أبو الغيط مساندته الكاملة للموقف الذي عبر عنه رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي في رفض هذا التصريح الايراني الذي تحدث عن استعداد طهران للتفاوض مع فرنسا لتطبيق القرار 1701.

وقال أبو الغيط، في تصريح له ردا على أسئلة الصحفيين حول تعليقه على تصريح إيراني من استعداد طهران للتفاوض مع فرنسا لتطبيق القرار 1701، إنه “لا محل لفرض الوصاية من هذا الطرف أو ذاك أو ممارسة الضغوط أو تجاوز السيادة اللبنانية، ونحن نقف مع لبنان بالكامل في هذا الأمر”.
وأضاف الأمين العام لجامعة الدول العربية أن “الحديث عن دعم السيادة اللبنانية لا يجب أن يكون مجرد كلمات فارغة، بل يجب أن يكون مدعوما بمواقف حقيقية خاصة في هذا الظرف الصعب، ومعاناة اللبنانيين ليست مجرد ورقة تفاوضية بيد أي طرف”.
من ثم، فإن ما كان يبدو ردة فعل أولية من رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبناني نجيب ميقاتي على تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، جاء من موقع المسؤولية السياسية والوطنية، احتجاجا على ادعاء النطق باسم لبنان واللبنانيين عن طريق البوح جهارا، لا إيحاء، بأن وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية في الجنوب بيد إيران.
وعلاوة على هذا الموقف الأول من نوعه بعد مرحلة طويلة تبنى فيها ميقاتي علنا سردية “حزب الله” وخطابه، فإنه قد يكون عاكسا لإشارات التقطها ميقاتي من صناع القرار الدولي وفحواها اقتراب الرد الاسرائيلي على إيران التي لا تزال تندفع لاستنزاف ورقة “حزب الله”، ما يعني إضعاف الاثنين معا تبعا لوتيرة الأحداث الميدانية وتصاعدها، وفق الأكاديمي اللبناني الدكتور علي خليفة أستاذ التربية على المواطنية في الجامعة اللبنانية ومؤسس في حركة “تحرُّر”.
إذ إن تلقف ميقاتي اللحظة ليجعلها تتقاطع مع مبادرات محلية للانفكاك عن الطوق الإيراني المفروض على لبنان والمنطقة بواسطة “حزب الله” الذي زج بلبنان في حرب عبثية غير متكافئة وغير محسوبة وسط انقسام حاد في المجتمع اللبناني بشأنها مع دمار رهيب أصاب البلاد وخسائر فادحة في الأرواح والممتلكات ونزوح ما يقارب ربع الشعب اللبناني، وفق خليفة لـ”الحل نت”.
مصادرة أدوار الدولة
وأوضح خليفة أن “هذه المبادرات المحلية سبق لوزير خارجية النظام الإيراني أن أجهضها في زيارته الأخيرة لبيروت فارضا على المسؤولين اللبنانيين التراجع عن أخذ زمام المبادرة للإنقاذ. لقد وظف النظام الإيراني أذرعته العسكرية في المنطقة تحت حجة (المقاومة) المزعومة من أجل تحقيق مصالح ونفوذ لإيران على حساب سيادة الدول العربية وأمن شعوبها وأمانها ونمائها. فدخل العراق في الفوضى والشرذمة نتيجة تفلّت المنظمات العسكرية التابعة للنظام الإيراني واخلالها بالانتظام السياسي العام، وذهب “حزب الله” ليقترف أفظع الجرائم بحق الشعب السوري المنتفض لحريته أمام النظام في دمشق الذي قايض بقاءه الهش على أرواح شعبه وتبعيته العمياء للنظام الإيراني”.

كما أن “حزب الله” في لبنان، قبل الحرب الأخيرة، أحال البلاد “مجتمعا بلا دولة”، فأقام تحت حجة “المقاومة” المزعومة أنظمة موازية في الاقتصاد والتعليم والاستشفاء والقضاء فضلا عن “مصادرة أدوار الدولة في الدفاع والأمن والحرب والسلم. ولا يكتفِ حزب الله بالعمل على جثة الدولة، بل منع تجديد السلطة جاعلا الدولة بلا رأس مع تعطيل نوابه انتخابات رئاسة الجمهورية على مدى عامين متتاليين فانقلب على النظام السياسي اللبناني وآلياته الدستورية في تشكيل السلطة”. يقول خليفة.
يردف: “يبدو أن المسار العسكري آخذ بالتصاعد وفق مسار أحادي لا رجوع فيه وينتهي بالقضاء على الأدوار المعهودة لحزب الله نتيجة ضربات قاصمة تعرّض لها قادته في الصف الأول والثاني وانهيار بنيته العسكرية بشكل كبير وخسائر كبيرة مالية واجتماعية تعرّض لها. وقد يكون النظام الايراني مشاركا في تقليم أدوار حزب الله من خلال رفع الغطاء عنه في لحظة دولية قد يكون استشعر فيها النظام الايراني خطرا داهما على وجوده. ويبدو أن المسار السياسي ينتظر تتمة المسار العسكري للولوج إلى مرحلة جديدة من التاريخ السياسي في لبنان والمنطقة”.
في كافة الأحوال، نحن بصدد خطوة هي الأولى من نوعها، اعتزم خوضها رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، وإعلان رفضه القاطع لتصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، الأمر الذي يكشف بالمحصلة أن النخبة الحاكمة في بيروت، باتت ترفض الوصاية الإيرانية، وهو ما يتسق مع تصريحات رئيس “حزب القوات” اللبنانية، سمير جعجع، بعدم القبول بدويلة “حزب الله” بعد الحرب.
كما تتحرك الأحداث في لبنان صوب تقويض الهيمنة المليشياوية، وفض عرى التحالف الضمني بين “حزب الله” وطهران، بعد عقود من ارتهان لبنان لإرادة المليشيا، بحجة “المقاومة”، والتي انهارت تماما في أول مواجهة حقيقية. وقد باتت المكونات السياسية في لبنان، أكثر وعيا بخطورة الانجرار لحرب مدمرة، بالوكالة عن طهران، التي تسعى إلى دعم أذرعها في الإقليم، على حساب الدولة الوطنية، ومؤسساتها، وهو ما يتجلى بوضوح في الحالة اللبنانية، في بلد تضربه الفوضى، بفعل المخططات الإيرانية.
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً

