المتروك من تاريخ الثورة.. الحماية الدولية حق للسويداء أم جريمة؟

المتروك من تاريخ الثورة الحماية الدولية حق للسويداء أم جريمة؟
المتروك من تاريخ الثورة الحماية الدولية حق للسويداء أم جريمة؟

أيد المجلس العسكري في السويداء، اليوم الجمعة، طلب الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، الشيخ حكمت الهجري، بالحماية الدولية. وصدر البيان عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك” كمستند شرعي يدعم سقفًا سياسيًا وطنيًا. 

واعتبر البيان أن المجلس، بصفته مسؤولًا عن أمن أبناء جبل العرب، يتبنّى بالكامل رؤية الشيخ الهجري. تعكس هذه الخطوة حرص القيادة المحلية في السويداء على توفير ملاذ آمن للمدنيين. وتأتي في ظل مرحلة انتقالية يقودها الرئيس أحمد الشرع بعد سقوط نظام الأسد. وتؤكد استمرار مطالب الحماية الدولية لا سيما أنها أطلقت في الثورة منذ انطلاقها. كما تواكب دعوات المعارضة المدنية لرفع الحصار عن المناطق الساخنة. وتظهر رغبة شعبية بجعل الحماية الدولية خطًا واقيًا أمام تصاعد العنف.

تجذير مطلب الحماية الدولية: الشرعية الدستورية والأبعاد التاريخية

تردد اسم الشيخ حكمت الهجري بكثرة في الآونة الأخيرة، مع بروز آرائه ومواقفه تجاه الأوضاع السورية بعد سقوط النظام السابق. وشكّلت بياناته منصة فاعلة للتعبير عن المخاوف الطائفية. وجاء ذلك وسط الانتقال السياسي الذي يقوده الرئيس أحمد الشرع بعد سقوط نظام بشار الأسد. 

وأضفى حضور الهجري على ملف الحماية الدولية. كما مثل جسراً بين المكونات المحلية وفريق المرحلة الانتقالية. ويرى مراقبون أن خطابه استطاع تجسير الهوة بين الأطر الميدانية والمجتمع المدني. وقد ركّز في خطابه على حق الإنسان بالحماية.

في آخر تصريحاته، الخميس الماضي، طالب الشيخ الهجري بعون دولي سريع ومباشر. جاء ذلك في سياق الهجمات التي شنتها مجموعات مسلحة على مناطق يقطنها أغلبية من الدروز. وشملت تلك الهجمات محافظة السويداء وريف دمشق بما في ذلك جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا. 

ودعا الشيخ في بيانه إلى تدخل فوري لوقف العنف المتصاعد والاعتداءات الطائفية. وعبر عن رفضه لتكرار المجازر ضد المدنيين العزل. واعتبر طلب الحماية الدولية “حقًا مشروعًا لشعب قضت عليه المجازر”. وأكد على ضرورة تحرك المجتمع الدولي لعدم تكرار هذه المآسي. وشدد على أن السكوت في هذه الظروف يعد شريكًا في الجرائم.

ليست مطالب الحماية الدولية جديدة على فصائل الثورة أو مكوّنات الجنوب. فقد رفع “أبناء الأغلبية” لافتات منذ الأشهر الأولى للثورة تطالب بالتدخل الدولي. وطرحت المعارضة السورية مشاريع انفصال وإدارة ذاتية للجنوب والشمال على الدول الكبرى. غير أن هذه المقترحات قوبلت بالرفض واللامبالاة من المجتمع الدولي. وعندما اجتاح النظام مدينة درعا عام 2018 تحت غطاء روسي، لجأ بعض المدنيين إلى الحدود مع إسرائيل. طلبًا للحماية وتجنب المذابح التي شهدتها المناطق المحيطة. 

يشكل هذا السياق التاريخي إطارًا لفهم خلفية مطلب الحماية الدولية لدى أبناء السويداء. فالتداخل بين الاعتداءات الطائفية والأحداث الاستراتيجية أعطى المطلب أبعادًا إنسانية وسياسية. ويؤطره منصب الشيخ الهجري جسديًا وروحيًا عبر قيادته الروحية للطائفة. في الوقت الذي تشرف فيه السلطة الانتقالية على إعادة ترتيب أولويات البلاد. ويبرز دور المجتمع الدولي في ضمان تطبيق مبادئ القانون الإنساني. وقد أثبتت التجارب السابقة أن الغياب الدولي عن حماية المدنيين يفاقم معاناة السكان. وعليه، تبرز الحماية الدولية كخيار مشروع وضروري. لتفادي سيناريوهات العنف والاقتتال الأهلي مجددًا.

الانتهاكات الممنهجة: جرائم الحرب في صحنايا ومحيط السويداء

اتهم البيان الصادر عن المجلس العسكري “هيئة تحرير الشام” بارتكاب جرائم حرب ممنهجة ضد المدنيين الدروز. وهذه الهيئة التي كانت تعرف سابقًا باسم “جبهة النصرة” تسيطر اليوم على مناطق واسعة في سوريا. شملت الانتهاكات القتل العشوائي للمدنيين العزل تحت ذرائع طائفية بحتة خصوصا أحداث الساحل في آذار/مارس الفائت. ورصدت مصادر محلية حالات اعتقال تعسفي استهدفت الشباب والأكاديميين. كما وثق البيان إهانات طالت مشايخ الطائفة ورموزها الدينية. وتعمدت المجموعات المسلحة تحطيم بعض المراقد والأضرحة الدينية. مما عمّق شعور الطائفة بالاغتراب والألم وسط تصاعد القصاص الطائفي. وأسهم هذا التصعيد في تعزيز المطالب بالحماية الدولية.

رجال دروز يحملون الأسلحة عند نقطة تفتيش في جرمانا السورية (أ.ف.ب)
رجال دروز يحملون أسلحة عند نقطة تفتيش في جرمانا بريف دمشق، 29 نيسان/ أبريل 2025 – “فرانس برس”

سجلت تقارير حقوقية حالات قتل ممنهجة طالت أشخاصًا أبرياء في صحنايا. حيث أُفرغت أسلحة خفيفة وثقيلة في أحياء سكنية مكتظة بالسكان. وتكررت عمليات إطلاق الرصاص العشوائي دون تمييز بين مدني ومقاتل. واستخدمت ذرائع طائفية لتبرير الأعمال الوحشية. ونقلت مصادر عن شهود عيان ترويعهم أمام أعين أطفالهم وعائلاتهم. كما رصدت حالات اختطاف قسري بلغ عددها عشرات الأفراد. ولا يزال مصير بعض المختطفين مجهولًا حتى اليوم. ما يؤكد الطبيعة الإجرامية لهذه الانتهاكات.

لم تقتصر الانتهاكات على القتل والاعتقال، بل وصلت إلى مستوى الإهانة للرموز الدينية. أفاد البيان بتعرض شيوخ الطائفة لمواقف مشينة أمام عناصر مسلحة. فقد أُجبر بعضهم على توقيع تعهدات تحت الضغط والتهديد. 

كما وثق نشطاء تهشيم لوحات تحمل أسماء الشهداء ورموز الطائفة. وأثارت هذه الممارسات استنكارًا محليًا واسعًا. وشكلت عاملًا إضافيًا في دفع قيادات السويداء لطلب الدعم الدولي. إذ اعتبر السكان أن هذه الإهانات تجاوزت كافة الخطوط الحمراء.

دعا مجلس السويداء في بيانه مجلس الأمن الدولي إلى فرض منطقة آمنة في المحافظة. وطالب بأن تكون تحت إشراف قوات دولية محايدة لضمان النزاهة. ويرى الناطق باسم المجلس أن وجود آليات مراقبة دولية ضروري لوقف نزيف الدماء. 

واقترح المجلس تعزيز هذه الآليات ببعثات مدنية وإنسانية. كما شدد على ضرورة حماية الطرق الرئيسية بين السويداء وريف دمشق. لضمان إيصال المساعدات والإمدادات الطبية دون تأخير. ويأمل السكان بوجود قوة مستقلة بعيدًا عن التناقضات الإقليمية. لتمكينهم من العيش بأمان وكرامة في مناطق سكناهم.

لم يقتصر طلب الحماية على السويداء وحدها بل شمل المناطق المحيطة بها. وحدد البيان محافظة السويداء وريف دمشق بما في ذلك جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا. وبحسب المجلس، فقد شنت المجموعات المسلحة هجمات متكررة على هذه المدن والبلدات. 

قول ما يجب قوله: بين الاستنكار الثوري والحق المشروع

في تعليقه على مستنكري طلب الحماية الدولية، كتب الصحفي السوري، سائد الحاج علي، “إلى من يستهجن طلب الحماية من دول أجنبية، أقول لكم: أنت لست ابن الثورة. ولم تعش مجراها ولا شهدت أهوالها وهي تنادي بالحرية والكرامة. فوجدت نفسك فجأة متناديًا لطرف على حساب شعب آخر بحجج غير واقعية. دعني أُذكّرك بأن الثورة نشأت لتكون شمعة أمل للجميع دون استثناء. وأن حق البحث عن حماية آمنة لا يقلل من وطنيتك ولا من ولائك للوطن. بل هو تعبير عن رغبة شعب مقهور في النجاة من التطرف والعنف. ويحمل في طياته رسالة رفض للاستخدام الطائفي القاسي لقوة السلاح. وضرورة احترام مبادئ الثورة الإنسانية أولًا وقبل أي اعتبار آخر”.

ويضيف الحاج علي، “نحن أبناء الأغلبية، كما يدعون، رفعنا منذ الأشهر الأولى للثورة لافتات تطالب بالحماية الدولية. وقدمنا مبادرات لإدارة ذاتية واقتراحات للانفصال إلى الدول الكبرى. غير أن هذه المشاريع قوبلت بالرفض والإهمال من غرف القرار. وعندما اجتاح النظام مدينة درعا عام 2018 تحت غطاء روسي، وقف حماة الثورة على الحدود الإسرائيلية. طالبنا بحماية تمنع وقوع مذبحة جديدة وعرقلة آلة القتل. وكانت إسرائيل نفسها تستقبل جرحى الجيش الحر وتعالجهم في مستشفياتها. كما زودت تلك المناطق بالطحين والمواد الأساسية عبر معابرها. فلماذا يُصب غضب البعض الآن على أبناء السويداء فقط؟”.

ويتسائل الصحفي السوري، لماذا تتحول الآن إلى جلاد يمارس شيطنة واختزالًا أبشع بحق المدنيين؟ وتسحبهم دون حسيب أو رقيب إلى دائرة الاتهامات الظالمة؟ ما الفرق بين هذا والسلوك الذي مارسه الشبيحة في بداية الثورة بانتهاك حرمة الشيوخ؟ ألم تنسَ كيف نتفوا ذقون المشايخ بدم بارد؟ وهل من حاسبني، من حقق معي وعذبني، هو من الأقليات فقط؟ كان محققي من أبناء منطقة حوران، ولا فرق إن كان سنيًا أو درزيًا. فهذا النظام الإجرامي لم يفرق في جرائمه بين طائفة وأخرى. ولا فضل لطائفة على أخرى عند الحديث عن قمع الحرية.

خذ هذه الحقيقة، يقول الحاج علي: “في نيسان/أبريل 2011، كان الدروز في السويداء أول من لبّى دعوة الاحتجاج في درعا. وقفوا في الصفوف الأمامية ضد الظلم وعزّزوا وحدة الميدان مع الإخوة من المناطق الأخرى. ثم ظهر فيديو لشيخ سلفي من درعا يهدد بسبي نساء السويداء ورجالها. وقد كانت تلك الرسالة واضحة الدلالة على خطر التطرف المذهبي. وعندما خضعت درعا للنظام وعادت فصائلها للعمل تحت جناح المخابرات، صرخ الدروز: (يا درعا نحن معك للموت!). وبعد فترة، رفض شباب السويداء الانضمام إلى الجيش مقابل بدل بالدولار. لأنهم آمنوا بأن الثورة حق لكل السوريين بلا استثناء. ولا أحد يملك تفويضًا أخلاقيًا لتخوين غيره على أساس انتمائه الطائفي”.

ويختتم الصحفي السوري، إن الثورة التي لا تعترف بألم الجميع لا تستحق أن تُسمى ثورة حقيقية. والظلم لا مذهب له مهما تباينت الانتماءات الطائفية. والشجاعة لا تفرق بين فرد وآخر بناءً على خلفيته المجتمعية. فإذا لم نتعلم بعد أكثر من عقدٍ أن لا فضل لطائفة على الأخرى. فإننا ربما لم نكن يومًا أصحاب قضية سامية. بل مجرد جموع غاضبة تبحث عن عدو جديد لتفريغ حقدها. والحماية الدولية التي تطالبون بها اليوم حق مشروع وواجب أخلاقي. لتأكيد أن الثورة تبقى حية بالالتزام بقيمها الإنسانية الأساسية.

1 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم