في تطور لافت ضمن الحرب الأوكرانية الروسية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، نفذت أوكرانيا هجوماً واسع النطاق باستخدام طائرات مسيّرة استهدفت أربع قواعد جوية عسكرية داخل العمق الروسي، في عملية معقدة أُطلق عليها اسم “شبكة العنكبوت”.
ووفقاً لمصادر أمنية أوكرانية، فإن هذه العملية خُطط لها منذ نحو عام ونصف العام، وجرى فيها استخدام طائرات صغيرة قصيرة المدى تم تهريبها مسبقاً إلى الأراضي الروسية داخل شاحنات متنقلة، مموّهة على شكل حظائر خشبية ذات أسطح تُفتح عن بُعد، لتنطلق المسيّرات نحو أهدافها في لحظة محددة، دون أي تدخل بشري مباشر.
ضرب “ثالوث الردع” الروسي
تضمنت الأهداف قواعد تقع في مناطق مورمانسك، وريازان، وإيفانوفو، وإيركوتسك، بعضها على مسافات تزيد عن 2500 ميل من الحدود الأوكرانية، وهي مسافات استثنائية مقارنة بهجمات سابقة.
مصادر لصحيفة “الغارديان” البريطانية ذكرت أن الهجوم أسفر عن تدمير أكثر من 40 طائرة عسكرية روسية، من ضمنها قاذفات استراتيجية من طراز Tu-95 المعروفة بـ”الدب”، وقاذفات فوق صوتية من طراز Tu-22M، بالإضافة إلى طائرات الإنذار المبكر من نوع A-50 التي تُعتبر مركز السيطرة الجوية في الأجواء الروسية.

الهجوم، الذي نُفّذ عند الفجر، استهدف بشكل خاص قواعد جوية ذات أهمية استراتيجية عالية، أبرزها قاعدة “أولينيا” الجوية في شبه جزيرة كولا بالقرب من حدود فنلندا والنرويج، والتي كانت خلال العامين الماضيين مركزاً لإطلاق مئات الصواريخ الروسية نحو أوكرانيا.
كما شملت مناطق الهجوم، مطار “بيلايا” في منطقة إيركوتسك في سيبيريا، ومطار “دياجليفو” في منطقة ريازان، بالإضافة إلى قاعدة “إيفانوفو” الجوية شمال شرق موسكو.
ورغم وجود أنظمة دفاع جوي متقدمة من طراز S-400 وS-300 ومنظومات الحرب الإلكترونية والتشويش بالقرب من تلك القواعد، إلا أن الطائرات المسيّرة الأوكرانية استطاعت اختراق هذه الدفاعات من خلال تحليقها المنخفض جداً، في مشهد أثار تساؤلات كبيرة داخل روسيا حول جاهزية وقدرة قواتها الجوية.
الزلال السياسي داخل موسكو
من جهتها، أكدت وزارة الدفاع الروسية وقوع الهجمات واشتعال حرائق في الطائرات المستهدفة، لكنها امتنعت عن نشر صور رسمية لتوضيح حجم الأضرار. في حين أظهرت مقاطع فيديو متداولة احتراق قاذفات استراتيجية من طراز Tu-95MS، في مشاهد أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية الروسية، ودفعت إلى تبادل الاتهامات بين مؤسسات الأمن والجيش بشأن المسؤولية عن الإخفاق الأمني الكبير.
الهجوم أحدث صدمة نفسية داخل روسيا، إذ كشف عن هشاشة الدفاعات الجوية وأثار قلق المواطنين الروس الذين شعروا بأن الحرب لم تعد بعيدة عنهم. وجاءت هذه العملية قبيل الذكرى السنوية لما تطلق عليه روسيا “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، مما شكل إحراجاً شخصياً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتحدياً كبيراً لخطاب الهيبة والسيطرة الذي طالما حاول الإعلام الرسمي ترويجه.
من الناحية العسكرية، شكّل الهجوم ضربة قاسية لقدرات روسيا الهجومية، إذ يُتوقع أن يؤدي إلى شل جزئي في القدرة على شن ضربات صاروخية بعيدة المدى، خاصة أن القاذفات التي تم تدميرها كانت أساسية في تنفيذ هجمات بصواريخ KH-101 ضد أهداف أوكرانية. كما أن تدمير طائرات الإنذار المبكر A-50 خلق فجوة كبيرة في السيطرة الجوية الروسية.
تكلفة هذه العملية، وفق تقديرات ميدانية، لا تتجاوز 200 ألف دولار، بينما تقدر خسائر روسيا الناجمة عن تدمير وإعطاب هذه الطائرات بـ 7 مليارات، خاصة وأن طائرات Tu-95 وA-50 باهظة التكلفة ولا يمكن تعويضها بسهولة، بسبب العقوبات وصعوبة الحصول على قطع الغيار اللازمة.
أبعاد العملية تجاوزت الخسائر المادية والعسكرية المباشرة، لتصبح حدثاً له رمزية استراتيجية عميقة، حيث تمكنت أوكرانيا من إيصال رسالة مفادها أن قدراتها العسكرية والاستخباراتية وصلت إلى مرحلة تنفيذ عمليات معقدة في عمق الأراضي الروسية، وهو تطور قد يدفع روسيا إلى مراجعة حساباتها العسكرية والأمنية، ويزيد الضغط السياسي الداخلي على القيادة الروسية، وسط تساؤلات متزايدة عن مدى قدرة موسكو على حماية نفسها، فضلاً عن مواطنيها، في ظل استمرار هذه الحرب المفتوحة.
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً

