في وقت باتت فيه مدينة صنعاء تترنّح تحت أطنان متفجرات جماعة “الحوثي”، لم يكن محمد علي “اسم مستعار”، يتوقّع أن صباحه الأخير مع أسرته سيتحول إلى فاجعة مروعة، هزّت أرجاء مدينة صنعاء واليمن عموما، بفعل انفجار أحد أكبر مخازن الأسلحة التابعة للجماعة في منطقة صرف شرقي المدينة، قبل أن يتحول الحي بأكمله إلى كتلة من اللهب المشتعل.
ووفق إفادة أحد المقربين من الأسرة لموقع “الحل نت”، فإن زوجة محمد علي وأربعةً من بناته وابنه الوحيد قضوا في الانفجار، حيث تمزّق جسد ابنته الكبيرة وانقسم إلى نصفين، وتحولت أجساد باقي الأسرة إلى أشلاء. أما محمد ما يزال يصارع الموت في إحدى مستشفيات المدينة، وسط تضييق أمني مشدّد من قبل جماعة “الحوثي”، إذ يُمنع حتى من الاطمئنان على حالته الصحية.
“الحوثي” يطمس آثار الجريمة
بحسب شهادات متطابقة حصل عليها موقع “الحل نت”، فقد فرضت جماعة “الحوثي” طوقاً أمنياً على الحي فور وقوع الانفجار، وتم منع المواطنين من الدخول والخروج، كما صادرت الجماعة عشرات الهواتف المحمولة من سكان المنطقة، بهدف منع توثيق الجريمة.

مصادر محلية في صنعاء، أكدت أن جماعة “الحوثي” أجبرت الأهالي على دفن الضحايا بسرعة من دون أي مراسم، في محاولة لدفن الحقيقة مع أجساد القتلى، موضحةً أن الجماعة “لم تترك أي تفاصيل تُظهر الحقيقة على الأرض، واستخدموا سلطتهم وبطشهم لطمس آثار الجريمة، وصادروا الهواتف”.
حارث حميد، أحد سكان هذا الحي، وهو صحفي يمني نجا من تهمة الإعدام في سجون جماعة “الحوثي”، يرى أن هذه الكارثة لم تكن قضاءً وقدراً، بل نتيجة متعمدة لسياسة ممنهجة تنتهجها الجماعة، مؤكداً أن جماعة “الحوثي تتعمّد تخزين الأسلحة في أحياء سكنية، مع علمها بأنها أماكن معرضة للاستهداف، وهذا فعل مجرّم في القانون الدولي”.
“لاحظت أن غالبية الضحايا هم من المناطق المعارضة لجماعة الحوثي، وفي حادثة صرف، معظم القتلى من وصاب والمناطق القريبة منها، بينما لا يتم تخزين الأسلحة قرب مساكن القيادات والمشرفين الحوثيين”. الصحفي اليمني حارث حميد
وأضاف أن الجماعة لا تستخدم مبانٍ رسمية لتخزين السلاح، بل تستأجر مخازن صغيرة داخل الأحياء السكنية تحت واجهات تجارية، مثل ورش لحام وألمنيوم، بينما يُجرى داخلها تجميع وتعديل وتصنيع الأسلحة والمتفجرات.
الكارثة الأخيرة في صنعاء، بحسب حميد، دمّرت أكثر من 15 منزلاً، وخلفت ما يزيد عن 250 ضحية بين قتيل وجريح، في حين تم العثور على مواد شديدة الانفجار، منها “تي إن تي” و”سيفور” و”نترات البوتاسيوم” و”البارود”.
أحياء مدنية غدت مخازن للموت
كشفت مصادر خاصة لموقع “الحل نت” أن جماعة “الحوثي” تقوم بتخزين الأسلحة في أكثر من 60 حياً سكنياً داخل صنعاء، من بينها أحياء في شمال وجنوب المدينة، إضافة إلى مناطق مثل همدان وبني مطر ومناخة غرب المدينة. إذ أكدت المصادر، أن عمليات الرصد ما تزال جارية، مشيرة إلى أن “أغلب هذه المواقع تقع في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، ولا توجد أي منشآت عسكرية ظاهرة، ما يجعل المدنيين دروعاً بشرية”.

ناشط سياسي في صنعاء، فضّل عدم ذكر اسمه، اعتبر أن انتشار مخازن الأسلحة التي تديرها جماعة “الحوثي” داخل الأحياء السكنية تمثل تهديداً كارثياً على حياة ملايين المدنيين.
بحسب حديث الناشط السياسي لـ “الحل نت” فإن الانفجار الذي وقع مؤخراً في منطقة صرف شرقي مدينة صنعاء، وأسفر عن مقتل وإصابة المئات، بينهم نساء وأطفال، “ليس حادثاً عرضياً، بل نتيجة مباشرة لسياسة ممنهجة تعتمدها الجماعة، لتحويل الأحياء المدنية إلى ثكنات عسكرية ومخازن للمتفجرات”.
وأوضح أن ما حدث في المنطقة “يكشف عن حجم المآسي القادمة حيث يعيش السكان فوق براميل بارود موقوتة، قابلة للانفجار في أي لحظة”، في ظل تعتيم شديد من قبل جماعة “الحوثي” التي تمنع أي تحقيقات مستقلة أو تغطية إعلامية شفافة.
مع تزايد حوادث انفجارات الأسلحة، يعتبر بقاء هذه المخازن وسط الأحياء السكنية، بمثابة إنذار بحدوث كوارث إنسانية أكبر، في حال استمرار تجاهل المجتمع الدولي لهذا الملف، في الوقت الذي تستمر المطالب بفتح تحقيق دولي مستقل، وممارسة ضغوط حقيقية على جماعة “الحوثي”، لإخراج كافة الأسلحة من المناطق السكنية، وتجنيب المدنيين ويلاتها.
تخزين الأسلحة داخل الأحياء السكنية لا يعني بالضرورة نقص المواقع العسكرية لجماعة “الحوثي”، بل يبدو أنه جزء من استراتيجية مدروسة تتبعها الجماعة لحماية ترسانتها من الاستهداف، مستفيدة من الحماية التي يوفرها المدنيون حولها.
الخبير العسكري والاستراتيجي العميد محمد الكميم قال في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، إن جماعة “الحوثي” تخالف جميع القوانين والأعراف الدولية والمحلية، من خلال تخزين الأسلحة في المناطق المكتظة بالسكان المدنيين، مع علمها أن هذه المواقع، ستصبح أهدافاً مشروعة لأي خصم عسكري.
وأضاف أن هناك معلومات عسكرية واستخباراتية، تفيد بوجود مخازن أسلحة في غالبية أحياء صنعاء، وكذلك في مدينة الحديدة التي أصبحت مفخخة بالكامل، وذلك بوضع جماعة “الحوثي” الأسلحة في أوساط المدنيين، أو من خلال تحويلها إلى حقول ألغام تحصد أرواح الناس.
استراتيجية خبيثة
وفق الكميم فإن جماعة “الحوثي” تستخدم الكثير من المساجد والمدارس لتخزين الأسلحة والذخائر، وهذه استراتيجية خبيثة لحماية هذه الأسلحة من الاستهداف، بعد إخلاء المعسكرات التقليدية المعروفة، وأيضا لجعل المدنيين عرضة للاستهداف، لكي يتم المتاجرة بهذه الدماء، إذ إنه كلما كان هناك ضحايا مدنيين تستغلها الجماعة إعلامياً وللتحشيد والتعبئة.

في رسالته للمدنيين بمناطق جماعة “الحوثي”، أكد الخبير العسكري على أهمية الحذر من هذه الجماعة، وعدم تأجير الشقق والبيوت لعناصرها في الأحياء السكنية، مع ضرورة الابتعاد عن أماكن هذه المخازن في حال اكتشافها، كما يجب أن يحتجوا ويرفضوا تواجد هذه المخازن بكل السبل.
السياسة التي تنتهجها جماعة “الحوثي” تُسهم في خلق حالة من الخوف والرهبة داخل المجتمع، حيث يشعر الأهالي بأن بيوتهم لم تعد أماكن آمنة، بل جزءاً من جبهة حرب خفية، لا يعلم أحد متى سيحين موعد انفجارها.
إذ يأتي ذلك في ظل صمت دولي مريب، وغياب أي رقابة مستقلة داخل صنعاء، بينما تستمر جماعة “الحوثي، في مراكمة ترسانتها العسكرية بين منازل السكان المدنيين، غير مكترثة بالمآسي التي ستخلّفها، ولا بالأرواح التي ستحصدها. حيث يجد الأهالي أنفسهم محاصرين بالموت من الداخل، يعيشون الخوف بشكل دائم، لا يعرفون أين تُخزّن المتفجرات هذه المرة، ولا متى سيحين موعد انفجار الحي المجاور.
وتعيش مدينة صنعاء على وقع القلق والخوف، بسبب إجرام جماعة “الحوثي” المدعومة من إيران، في الوقت الذي بدأت سوريا بالنهوض من جديد، مع تراجع النفوذ الإيراني فيها، فمتى يصحوا اليمنيون للعمل على اجتثاث هذه الجماعة العابثة بوطنهم؟
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً
- مقتل قيادي “حوثي” بارز في “كهبوب” قرب باب المندب
- من الساحل السوري إلى لبنان.. كيف تحركت شبكة متهمة بالتخطيط لهجمات في سوريا؟
- لماذا يتزايد غضب الشارع الإيراني ضد العراقيين؟
- ماذا يعني رفع واشنطن القيود المتعلقة ببيع الأسلحة لسوريا؟

