في واقع اقتصادي منهار، ونظام مؤسسي غائب، تكشف دراسة اقتصادية حديثة عن واقع جديد تشكّل في اليمن بفعل الحرب التي فجّرتها جماعة “الحوثي”، واقع بات يتصدره الاقتصاد غير الرسمي، أو ما يٌعرف بـاسم “الاقتصاد الموازي”، بعد انهيار مؤسسات الدولة بفعل الحرب.
وتؤكد الدراسة، التي أصدرها الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية في اليمن، بأن القطاع غير الرسمي أصبح العمود الفقري للاقتصاد اليمني، بعدما امتص الجزء الأكبر من القوى العاملة، في ظل تصاعد الحرب وغياب مؤسسات الدولة، مع سيطرة جماعة “الحوثي” على شمال البلاد.
الاقتصاد غير الرسمي.. خيار اليمنيين في ظل الحرب
واستندت الدراسة إلى بيانات منظمة العمل الدولية، التي تشير إلى أن 77% من العاملين في اليمن كانوا يعملون في وظائف غير رسمية حتى قبل اندلاع الحرب في اليمن، حيث تشمل هذه الأعمال الزراعة التقليدية، التجارة الصغيرة، الأنشطة المنزلية، والحرف اليدوية.

لكنّ هذه النسبة، وفق مختصين اقتصاديين، ارتفعت بشكل أكبر منذ سيطرة جماعة “الحوثي” على العاصمة صنعاء، حيث أصبح الاقتصاد الرسمي عبئاً على من يحاولون العمل في إطاره، نتيجة الرسوم والابتزاز المتزايد.
وبحسب الدراسة، لم يعد الاقتصاد الموازي مجرد بديل مؤقت، بل تحوّل إلى الخيار الوحيد أمام ملايين اليمنيين، الذين يبحثون عن لقمة العيش، في بيئة اقتصادية طاردة، فرضتها الحرب والانفلات والجبايات العشوائية.
الحرب سبب تردي الأوضاع الاقتصادية
يؤكد الخبير الاقتصادي مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، بأن الحرب الراهنة في اليمن، دفعت قطاعات واسعة من السكان إلى اللجوء إلى الاقتصاد الموازي، سواء عبر السوق السوداء، أو الأنشطة غير الرسمية، نتيجة انهيار الأوضاع الاقتصادية وتوقف الرواتب، خاصة في مناطق سيطرة جماعة “الحوثي”.
وفي تصريح خاص لموقع “الحل نت”، يقول نصر بأن الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي، تصاعد بشكل ملحوظ خلال سنوات الحرب، خصوصاً بعد انقطاع المرتبات وتراجع قدرة القطاع الخاص على التوظيف، مما دفع المواطنين للبحث عن بدائل غير منظمة، لسد فجوة الدخل والمعيشة”.
ويوضح نصر بأن “غالبية العاملين في الاقتصاد غير الرسمي لا يملكون عقود عمل، ولا أي شكل من أشكال الضمان الوظيفي أو الحماية القانونية، مما يجعل هذه الأعمال هشة، وغير قادرة على توفير الاستدامة”.
ويؤكد الخبير اليمني بأن “الاقتصاد غير المنظم ما يزال يشكل نسبة كبيرة من مجمل النشاط الاقتصادي في اليمن، لكنه في جوهره اقتصاد طارئ ومؤقت، يُلبي الحاجة اليومية فقط، ولا يُسهم في النمو أو في بناء بنية اقتصادية متماسكة”.
ويخلص الخبير اليمني، إلى أن استمرار هذه الحالة مرهون بانتهاء الحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على أهمية “تبني سياسات إصلاحية مستقبلية لدمج هذا القطاع تدريجياً في الاقتصاد الرسمي، بما يضمن حقوق العاملين ويُعيد الاعتبار للقطاعات المنتجة”.
جماعة “الحوثي” تغذي الفوضى الاقتصادية
وتتغذى جماعة “الحوثي” على اقتصاد الظل، حيث تفرض إتاوات على التجار الصغار وأصحاب المشاريع غير المرخصة، دون أن توفر لهم أي خدمات، كما أنها تعتمد على السوق السوداء في بيع الوقود، وتبتز الشركات القائمة، تحت ذرائع دينية، أو شعارات حربية.
هذا السلوك، بحسب خبراء، لا ينتج فقط واقع اقتصادي هش، بل يٌفقد البلاد أي إمكانية للانتعاش الاقتصادي في المستقبل القريب، كما أنه يعمّق من حالة الفوضى الاقتصادية ويشرعن نفوذ الجماعة الخارجة عن الدولة.
وفي بلد يزداد فيه الفقر والعوز يوماً بعد آخر، كما يفتقد المواطن فيه لأبسط مقومات الحماية، يبقى الاقتصاد غير الرسمي هو الحل الوحيد في ظل الحرب، لكنه في الوقت نفسه يكرّس دولة الفوضى التي أرادتها جماعة “الحوثي”، حيث لا نظام ولا مؤسسات ولا اقتصاد.

