ما تزال الإشارات المنبعثة من جولة التفاوض الأخيرة بين الحكومة السورية الجديدة في دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تخفض مستوى التفاؤل، حيث إن فرص تجسير الهوة بين الطرفين تتضاءل، كما تتشكل معوقات عديدة بخصوص تطبيق اتفاق قائد “قسد”، مظلوم عبدي والرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع الذي تم تدشينه في العاشر من آذار/ مارس الماضي.
وتحت وطأة الإخفاق بشأن التوصل لتسوية أو إنجاح مساعي التفاوض، لا يبدو أن هناك خاسر أو منتصر، بل إن النتيجة صفرية في ظل متتالية فشل، تؤدي إلى انعدام الثقة وغياب أو تغييب الأطر السياسية الديمقراطية للحوار والحل، فضلا عن التوصل لصياغة شاملة وإطار حاكم للدولة المدنية التي تؤمن بالمواطنية، وتوافر آليات تضمن الحقوق المساواتية للأطراف كافة من دون استثناءات.
سوريا: معركة ضغوط قصوى
في التاسع من تموز/ يوليو الجاري، كانت دمشق على موعد مع جولة جديدة للمفاوضات بحضور وفد من قوات “قسد”، وذلك بالتزامن مع وصول المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، توم باراك، حيث جاءت هذه الجولة في غضون أربعة شهور من توقيع الاتفاق بين قائد “قسد” ورئيس السلطة الانتقالية، وهو الاتفاق الذي تشهد بنوده تلكؤاً في دخولها حيز التنفيذ.
نقطة التفاهم الغائبة بين الطرفين، تتمثل في قبول كل طرف بحقيقة أن سوريا الجديدة بحاجة إلى الجميع، والجميع بحاجة إلى عقد اجتماعي وصيغة تشاركية سياسية مغايرة للسوابق التاريخية القديمة والتي فقدت شرعيتها بل أثبتت فشلها، ونتيجتها كانت عقود من القمع ثم حرب أهلية.
وثمة ملاحظتين يمكن طرحهما في هذا السياق، أن الاتفاق جاء في سياق محلي، مرتبط بالأزمة في الساحل السوري، والمجزرة الطائفية التي طاولت العلويون، فضلا عن تداعياته الإقليمية والدولية، ومن ثم، كان الحدث بمثابة انفراجة في الداخل ورسالة طمأنة للقوى والأطراف الخارجية.
والملاحظة الثانية تتصل بالأولى، ومتمثلة في وجود مستجدات وسياق مغاير أو بالأحرى تلاشي السياق السابق، وخفوت أثره، بما يجعل إعادة ترتيب المشهد السياسي وتحديد توازناته بحاجة إلى ربما كسب وقت، وضغوط ناعمة ومن دون تدخلات خشنة، لإحداث تحول أو نتائج تمنح طرف رصيدا وتخصم من الآخر استحقاقات.
ولهذا، بدت جولة المفاوضات الأخيرة مراوحة في المكان ذاته، مع الأخذ في الاعتبار نقطة ليست بالهينة، وهي أن التباطؤ في تنفيذ بنود الاتفاق بين الشرع وعبدي أو الإخفاق في التفاوض، ليس له نتائج ميدانية أو نشوب توترات، بما يؤكد أن المسألة لا تعدو كونها مجرد معركة ضغوط قصوى.
معضلة “المركزية واللا مركزية”
لم تحدث الجولة الأخيرة إذاً أي خرق في الجمود المرتبط بتحقيق بنود الاتفاق، والمضي قدما في تنفيذها، ويمكن فهم تلميحات الحكومة السورية في البيان الصادر إثر جولة التفاوض الأخيرة بشأن المعوقات والتعقيدات، تجديدا مع إشارتها اللافتة لـ”ثوابت الدولة السورية” بخصوص “وحدة الأرض والجيش والحكومة”، أي تمسك السلطة الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع بمركزية الدولة، ورفض مطالبات “قسد” باللا مركزية.
وبالعودة إلى فكرة السياق التي تم افتراضها، فليس ثمة شك، أن تصريحات المبعوث الأميركي، لها دور إسنادي بخصوص مقاربة دمشق، وقد طالب “قسد” بشكل واضح وصريح الإذعان لفكرة “سوريا الواحدة”، وقال إن الفيدرالية “لا تعمل في سوريا”. ورغم أنه ثمّن دور “قسد” في محاربة تنظيم “داعش”، غير أنه عاود الحديث بشأن ضرورة الاندماج سياسيا وعسكريا مع السلطة الانتقالية الجديدة، وقال: “هناك دولة واحدة سنتعامل معها، وهي الحكومة السورية”.

يمكن القول إن هناك ضغوط لتحسين شروط التفاوض من جانب دمشق، كما أن “قسد” تتعامل بحذر وتمانع في تطبيق أو تنفيذ كافة البنود، رغم ما تبنيه من ثقة مع حكومة الشرع في جوانب وملفات مختلفة، منها تبادل الأسرى بين الطرفين في حلب، والإفراج عن الموقوفين. وسمحت “قسد” لوفد من دمشق بزيارة مخيم “الهول” التي تأوي عوائل عناصر “داعش”.
كما شهد ملف التعليم بعض التقدم مع إعلان “وزارة التربية والتعليم”، تأجيل امتحانات الشهادتين الأساسي والثانوية العامة، لحين افتتاح خمسة مراكز للاختبارات في مناطق “قسد”. وهي خطوة ضمن خطوات عديدة، يكسب منها الطرفان الثقة والشفافية وتحقيق الاستقرار، ورغم رمزية بعض الخطوات من جانب “قسد” أو الحكومة بدمشق، لكنها ترمم شروخاً عديدة ساهمت في تباعد المسافة بين الطرفين، ودفع السوريون أثمانها الهائلة.
إلى جانب ذلك كله، فالتفاوض هو الحل. كما أن الحوار بين “قسد” ودمشق لا بديل عنه، وإنما من الضروري أن تتكون مناخات أكثر هدوءا وبعيدا عن عوامل مؤقتة وظرفية، لجهة إنجاح التسوية وفرض السياسي مقابل العسكري، ولتصفية أي احتمالات للرؤى المتباعدة وصدام الكتل الصلبة. حيث إن سوريا الجديدة المفترضة لن تحصد نجاحا من خلال منطق تقاسم النفوذ أو المربعات الطائفية وأمننتها وعسكرتها.
وكما كانت دمشق منفتحة على اتفاق العاشر من آذار/ مارس بين الشرع وعبدي، وصرحت “قسد” بأن بحثها عن الحلول سيكون وطنيا وفي دمشق وليس بأي مكان أو عاصمة أخرى، بما يؤكد على أدبياتها الوطنية وغير الانفصالية، يتعين أن تمتثل الأطراف الأخرى إلى معادلة وطنية لبناء وتدشين عقد اجتماعي وسياسي يؤسس لقطيعة مع سوابق الماضي بسلطويته وديكتاتوريته وزبائنيته السياسية.
ولا يمكن استبعاد المخصصات المالية التي طالبت بها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لجهة الدعم لـ “قسد” ضمن ميزانية العام المالي 2026، بنحو 130 مليون دولار و”جيش سوريا الحرة”، بما يعكس مقاربة أخرى في واشنطن حول الشراكة الضرورية مع “قسد”، بخلاف المحاولات التلفيقية من قبل أطراف تسعى إلى التبشير برفع يد الحماية الأميركية عن “قسد”، ومن ثم التحريض ضد الكُرد، وضم المناطق الواقعة تحت سيطرة “الإدارة الذاتية” قسرا لحكومة مركزية. وهذا الترويج التحريضي بالاستناد إلى تصريحات المبعوث الأميركي تكشف عن منطق أطراف ما تزال تعمل ذهنيتها بميكانزمات الحكم الأسدي السابق.
بالمحصلة، أنهت الحكومة السورية بقيادة الشرع جولة تفاوضية مع وفد من “الإدارة” الذاتية لشمال وشرق سوريا، بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة وفرنسا. ورغم أهمية اللقاء سياسيا ورمزيا، إلا أنه انتهى دون أي اختراق في الملفات الخلافية، ما أثار تساؤلات حول مصير تفاهم 10 آذار/مارس. وقد كان هذا التفاهم نقطة ضوء حول إمكانية تشكل أرضية مشتركة بين دمشق و”قسد”، وإطلاق حوار سوري-سوري داخلي، ووقف التحريض الإعلامي، وبدء مشاورات إدارية وعسكرية تدريجية.
الخلافات البنيوية بين الطرفين “عميقة”
وتمسكت الحكومة السورية بخطاب “الدولة الموحدة، والجيش الواحد، والحكومة المركزية”، الأمر الذي أعاد “الإدارة الذاتية” نحو طرح رؤيتها للا مركزية الديمقراطية، ودمج مؤسساتها ضمن هيكلية وطنية تحفظ مكتسبات الحكم المحلي و”الإدارة الذاتية”.

في بيان صدر في 13 تموز/يوليو الجاري، رحبت “الإدارة الذاتية” باللقاء ووصفته بأنه “خطوة بالغة الأهمية على طريق إطلاق مسار حوار سوري-سوري جاد”، وأكدت أن مشاركتها جاءت في إطار التزامها بمطالب الثورة السورية، ومبادئ العدالة والديمقراطية.
وجاء في البيان: “بعد سنوات من النزاع والقطيعة، فإن الجلوس إلى طاولة واحدة بين القوى السورية، لبحث القضايا المصيرية بجدية وشفافية، يُعد إنجازا سياسيا وتاريخيا. فاستعادة الثقة بين الفاعلين السوريين باتت ضرورة وطنية، وتجاوزها لا يمكن أن يتم إلا بالحوار المسؤول”.
وأضافت “الإدارة الذاتية” أن وحدة الأراضي السورية “مبدأ لا مساومة عليه”، لكن بشرط الاعتراف بالتنوع وحقوق المكونات. وأكد البيان أن مطالبها – في العدالة الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، ودستور ديمقراطي – ليست انفصالية كما تُصوَّر، بل هي جوهر ما خرج السوريون لأجله منذ عام 2011”.
ودعت “الإدارة الذاتية” جميع الأطراف إلى “نبذ خطاب الكراهية، والتصدي لمحاولات جر البلاد إلى صراعات داخلية مدمّرة”، مشددة على أن “الانخراط في العملية السياسية خيار استراتيجي، وليس تكتيكا مؤقتا”.
سوريا الجديدة بحاجة إلى الجميع
رغم الأجواء الإيجابية، الظاهرية، تبدو الخلافات البنيوية بين الطرفين عميقة، حيث إن دمشق تبحث دوما عن إمكانية تقليص استحقاقات “الإدارة الذاتية“، والممانعة في إدراج “قسد” كقوة عسكرية رسمية ضمن الجيش السوري الجديد، في حين تعتبر “الإدارة الذاتية” أن أي حل لا يضمن اللا مركزية والديمقراطية لن يكون ممكنا.
دمشق تسعى باتجاه المركزية والانتقال من سلطة تبدو محدودة إلى استعادة السيطرة على كل الجغرافيا السورية. كما أن “قسد”، التي حققت امتيازات مهمة وكسبت نقاط قوة، فضلا عن إدارة مؤسسات إدارية وتعليمية وخدمية وصحية، خلال سنوات الحرب ومنذ تشكلها، تسيطر عمليا على مناطق استراتيجية، وتسعى هي الأخرى بالمقابل لعدم التنازل أو إهدار استحقاقاتها. بالتالي، فإن نقطة التفاهم الغائبة بين الطرفين، تتمثل في قبول كل طرف بحقيقة أن سوريا الجديدة بحاجة إلى الجميع، والجميع بحاجة إلى عقد اجتماعي وصيغة تشاركية سياسية مغايرة للسوابق التاريخية القديمة والتي فقدت شرعيتها بل أثبتت فشلها، ونتيجتها كانت عقود من القمع ثم حرب أهلية.
وحتى لا تتكرر فصول التاريخ بمأساة جديدة، يتعين إيجاد خطة متكاملة، يتخطى بها الطرفان، “قسد” وسلطة الشرع، المسارات الضيقة والأطر أو الاتفاقات الهشّة التي ترقى لأن تكون بمثابة “تطبيع سياسي بارد”. فسوريا الجديدة تنطلق من أساس التعددية والتمثيل العادل لكل المكونات، وإرادة سياسية تحمي الجميع، بدلا من موازين البازار السياسي التي تميل حسب المصالح المؤقتة للأطراف الخارجية.
- ما بعد الانسحاب الأميركي.. العراق ولبنان أمام مسار الانتقال من نفوذ الفصائل إلى سيادة الدولة
- قيادي “حوثي” بارز يتولى ملف التحشيد في مأرب والجوف.. من هو؟
- هجوم “حوثي” يستهدف محطة كهرباء في المدينة المنورة
- فيضانات في مخيمات الشمال السوري وسط تحذيرات من تفاقم الأضرار
- خفض وقود السيارات الحكومية 30%.. هل ينقذ الخزينة السورية؟

