تستعيد المطارات السورية شيئًا فشيئًا ضجيجها القديم بعد صمت امتد أربعة عشر عامًا، لكن عودة الطيران الأجنبي إلى الأجواء السورية تتم فوق حقل ألغام سياسي وأمني ولوجستي معقّد، يجعل كل رحلة أشبه باختبار ثقة دوليّ في بلد يحاول الخروج من إرث الحرب والعزلة والعقوبات.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 وما تلاه من تخفيف تدريجي للعقوبات الأميركية والغربية، شرعت سلطات الطيران في دمشق بحملة دبلوماسية وفنية لإعادة الربط الجوي، والتي كانت نتيجتها الأولية إدراج إحدى عشرة شركة طيران أجنبية للتشغيل نحو سوريا هذا الشهر، ارتفاعًا من ثلاث فقط قبل عام، وفق ما نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤولين في القطاع.
واقع صادم.. وعودة خليجية
بحسب المسؤولون فإن تلك المؤشرات المتفائلة تصطدم بواقع البنية التحتية الضعيفة والصراع الإقليمي والضربات الجوية الإسرائيلية المتقطعة، ما يمنع المزيد من شركات الطيران من العودة إلى سوريا ويعرقل جهود إعادة بناء الاقتصاد المدمر بعد 14 عاما من الحرب الأهلية.

وأشارت “رويترز” إلى أن العودة الرمزية الأبرز جاءت من الخليج؛ فقد أعلنت طيران الإمارات استئناف رحلات دبي–دمشق اعتبارًا من 16 تموز/يوليو 2025، في أول عودة منتظمة للناقلة منذ تعليق عملياتها عام 2012، مؤكدة تشغيل ثلاث رحلات أسبوعيًا في المرحلة الأولى لدعم حركة السفر والتبادل التجاري والسياحي، وهو ما أكدته أيضًا تصريحات مسؤولي هيئة الطيران المدني السورية عند استقبال أول رحلة في دمشق.
كما أن العودة الخليجية لا تقتصر على الإمارات؛ فالخطوط الجوية القطرية وسّعت ربطها مع سوريا تدريجيًا بعد استئناف خدمة دمشق في وقت سابق من العام، وأعلنت الآن إطلاق ثلاث رحلات أسبوعية إلى حلب اعتبارًا من 10 آب/أغسطس 2025 تُرفع إلى أربع رحلات من 1 أيلول/سبتمبر، وهي خطوة تراها الدوحة جزءًا من إعادة بناء شبكة الربط الإقليمي بعد تخفيف القيود على الطيران عبر الأجواء السورية، وقد أكدت الشركة ذلك في بيان رسمي، وتناقلته وسائل إعلام اقتصادية عربية.
خطوات أوروبية حذرة
اللافت كذلك أن الناقلات الأوروبية عادت – وإن كان بخطوات حذرة – إلى خارطة سوريا بعد انقطاع دام منذ 2011، حيث افتتحت شركة “دان إير” الرومانية في 15 حزيران/يونيو 2025 خط بوخارست–دمشق، بوصفها أول شركة من الاتحاد الأوروبي تشغّل رحلات تجارية منتظمة إلى سوريا منذ اندلاع الحرب، مع خطط للتوسع من مدن أوروبية إضافية مثل فرانكفورت وبرلين وستوكهولم، وفق بيانات الشركة وتقارير عربية ودولية تابعت الحدث، بينها تغطية لوكالة الأناضول ووسائل متخصصة في شؤون السياحة والطيران.
من جهة ثانية، أطلقت شركة “إير مِدِتِرانيان” اليونانية رحلات إلى دمشق بدءًا من 30 حزيران/يونيو 2025 مع ربط من فيينا وبرلين وكولون وأثينا، في مؤشر على أن شركات صغيرة ومتوسطة الحجم ترى نافذة مبكرة للدخول قبل الناقلات الأوروبية الكبرى التي لا تزال في طور التقييم.
ورغم هذه العودة التدريجية، لا تزال شركات كبرى متحفظة، فوفق رويترز، أرسلت كل من لوفتهانزا وإير فرانس–كيه إل إم فرقًا فنية لتقييم مطار دمشق والبنية التشغيلية، لكنها أكدت أنها لا تخطط في الوقت الراهن لاستئناف الرحلات، وأنها في انتظار تحسّن معايير السلامة والتنظيم.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة دان إير ، مات إيان ديفيد، إن ما أعاق المشغلين حتى الآن هو التعقيدات اللوجستية والتنظيمية، مضيفا أن تخفيف العقوبات سيجعل الآن الوصول إلى سوريا أكثر سهولة.
تراجع الشركات
أضافت “رويترز”، أن شركات مثل الملكية الأردنية، والقطرية، والخطوط الجوية التركية، وفلاي دبي اضطرت خلال الشهر الماضي إلى إلغاء عدد كبير من الرحلات أو تعديل مساراتها بسبب إغلاقات مفاجئة للمجال الجوي في الشرق الأوسط إثر التصعيد العسكري الإسرائيلي–الإيراني، ما يعكس حساسية الربط السوري لتقلبات إقليمية خارجة عن سيطرة دمشق.
كما أن هناك مخاطر أقرب إلى سوريا أيضًا، حيث شنّت إسرائيل ضربات جوية ضد قوات الحكومة السورية في جنوب غرب سوريا ودمشق، يومي الثلاثاء والأربعاء، بزعم أنها تهدف لإبقاء المنطقة منزوعة السلاح وحماية الأقلية الدرزية هناك.

وتتحكم حسابات السلامة في المشهد بقوة، فـالرابطة الدولية للنقل الجوي (إياتا) شددت على أن إنجاح عودة الحركة الجوية يستلزم تحسين الرقابة التنظيمية، والاستثمار في البنية التحتية، وضمان الامتثال لمعايير السلامة التشغيلية الدولية، محذرة من أن الاقتصادات الخارجة من نزاعات – ومنها سوريا – لا تجني مكاسب الطيران ما لم يقترن الانفتاح باستقرار حقيقي.
وكررت هذه الرسائل “إياتا” في إحاطات إقليمية وتصريحات نقلتها تقارير عربية تحليلية عن قطاع الطيران.
خطر الاستهداف
لم تقتصر التحذيرات على المعايير الفنية؛ فالوكالة الأوروبية لسلامة الطيران “اياسا” ما زالت تُدرج الأجواء السورية في نطاق مخاطر تتعلق بالاستهداف المتعمد أو الخطأ في التعرف على هوية الطائرات المدنية في بيئة دفاع جوي متوترة، وهو تحذير استُشهد به في عدة تقارير مهنية وإعلامية حديثة حول عودة الطيران إلى سوريا.
مع ذلك، لا تزال عدة دول، منها بريطانيا والولايات المتحدة، تنصح شركات الطيران التابعة لها بتجنب التحليق فوق سوريا، وتقول “اياسا” إن هناك خطر الاستهداف المتعمد والخطأ في تحديد هوية الطائرات المدنية,
وداخليًا، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السوري إعادة فتح المجال الجوي بالكامل بعد إغلاق مؤقت لأسباب أمنية، مؤكدة في 18–24 حزيران/يونيو 2025 استئناف الملاحة تدريجيًا وعودة الرحلات عبر مطار دمشق، مع دعوة الناقلات الأجنبية للتنسيق المسبق ريثما تُستكمل عمليات التقييم الفني.
وقد أعقب الإعلانَ تحرك لشركات عربية وسورية لإعادة جدولة الرحلات اعتبارًا من 26 حزيران، بحسب بيانات الهيئة وتقارير إعلامية عربية متطابقة لكن فتح الأجواء لا يُخفي حجم الضرر.
إصلاحات طارئة وخطط بناء
أقر مسؤولو الطيران السوريون بأن الحرب خلّفت دمارًا في مدارج مطار دمشق وتجهيزاته، مع فقدان أو تآكل أجزاء من منظومات الملاحة والرصد، ما اضطر البلاد للاعتماد جزئيًا على تغطية رادارية من لبنان وتركيا إلى حين استكمال الترميم.

في موازاة الإصلاحات الطارئة، تتحدث السلطات عن خطط لبناء أو تحديث مطارات في دمشق وحلب ومنطقة وسطى جديدة، لكنها تعترف بأن التمويل المحلي شبه معدوم في ظل الضغوط الاقتصادية، ما يجعل جذب شراكات استثمارية خارجية أو ترتيبات تمويل ميسّرة شرطًا لتسريع إعادة التأهيل.
حتى مع التقدم النسبي، تبقى الحركة الدولية دون مستويات ما قبل الحرب؛ فبيانات سيريوم التي استشهدت بها “رويترز” تظهر أن جدول الرحلات الدولية إلى سوريا خلال تموز/يوليو الجاري يبلغ نحو 58 بالمئة فقط من حجم تموز/يوليو 2010، ما يعكس الطريق الطويل أمام عودة السعة التشغيلية.
مخاوف انسحاب الشركات
تضيف البيانات أن قيود التأشيرات المفروضة على المسافرين السوريين تُعيق نمو الطلب، وتحدّ بالتالي من الجدوى التجارية لشركات الطيران التي تدرس السوق.
مع هذا كله، لا يخلو المشهد من ايجابيات محتملة، فعودة ناقلات خليجية كبرى، ودخول شركات أوروبية متوسطة، واهتمام سعودي (عبر شركات مثل فلاي أديل بحسب تصريحات للرئيس التنفيذي نقلتها تقارير دولية)، كلها تمنح دمشق نافذة لاستعادة الربط التجاري والسياحي، شرط الحفاظ على مسارات آمنة ومستقرة سياسيًا.
غير أن أي موجة جديدة من القصف الإسرائيلي أو التوترات الإقليمية قد تدفع هذه الشركات إلى الانسحاب بالسرعة نفسها التي عادت بها، ما يعني أن عودة الطيران الأجنبي إلى سوريا تمثّل مؤشرًا حساسًا على عمق الانفتاح الاقتصادي بعد رفع العقوبات، فكل زيادة في عدد الرحلات تعني قنوات تجارة وسياحة وتحويلات، لكنها أيضًا تتطلب منظومة سلامة متينة، وتنسيقًا إقليميًا يحمي الأجواء من النزاعات المتفجرة، وإصلاحًا تشريعيًا يُطمئن المستثمرين.
- القبض على رئيس أركان “الحرس الجمهوري” في عهد الأسد
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة

