بعد فوضى السويداء والغارات الإسرائيلية.. هل تخسر سوريا مكاسب رفع العقوبات؟

الغارات الإسرائيلية

بينما بدأ الاقتصاد السوري يلتقط أنفاسه بعد سنوات طويلة من الحصار والعزلة، جاءت رياح الجنوب هذه المرة محمّلة برماد المواجهات وسحب القلق، قادمة من السويداء، التي تحوّلت فجأة إلى ساحة صراع مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات الطائفية مع التحديات الأمنية، وتتعقّد أكثر تحت وابل من الغارات الإسرائيلية المتلاحقة التي طالت دمشق.

ذلك التصعيد، وإن بدا للوهلة الأولى شأنًا عسكريًا أو أمنيًا محليًا، إلا أن تداعياته تُهدد بنسف أحد أهم إنجازات المرحلة الانتقالية، وهو قرار رفع العقوبات الأميركية والغربية عن سوريا، وما ترتب عليه من بوادر تعافٍ اقتصادي هش.

تحول دراماتيكي

شهدت الأشهر الأولى من العام 2025 تحولًا دراماتيكيًا في المشهد السياسي السوري، بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر العام الماضي، وتشكيل حكومة انتقالية جديدة حظيت بدعم غربي مشروط، وفي أيار/مايو، أعلنت الولايات المتحدة رسميًا رفع العقوبات الاقتصادية، عبر “الرخصة العامة رقم 25” التي أصدرتها وزارة الخزانة الأميركية، بالتوازي مع خطوات مشابهة من الاتحاد الأوروبي.

 تلك الخطوة كانت بشروط واضحة أبرزها استقرار أمني، حماية الأقليات، مكافحة الإرهاب، والالتزام بالانتقال السياسي السلمي، لتبدأ منذ ذلك الحين البلاد تتنفس أولى نسائم الانفراج بعد سنوات من الحصار والقيود والعزلة، لكن تلك الفرصة لا تبدو محصّنة من الانهيار، إذ سرعان ما هددت بالانتهاء.

النتائج الأولية لذلك القرار كانت واعدة، فقد تحسنت قيمة الليرة السورية سريعًا، وارتفع سعر صرف الليرة السورية من 15,000 إلى 10,000 مقابل الدولار، بحسب بيانات منصة “الليرة اليوم”، قبل أن يتراجع مجددًا مع تفجر الأحداث الأخيرة.

وتدفقت الطروحات الاستثمارية من شركات دولية أبدت استعدادًا للدخول إلى السوق السوري، أبرزها “CMA CGM” الفرنسية و”Qatari Diar” القطرية، باستثمارات مبدئية تجاوزت ثمانية مليارات دولار، بحسب مركز دراسات الاقتصاد السوري، كما ارتفعت توقعات النمو بنسبة 2.3 بالمئة للربع الثالث من العام، وفق تقديرات “البنك الدولي”، وبدأت الحكومة بوضع خطة اقتصادية طموحة لإعادة تأهيل البنية التحتية وتنشيط قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات.

عودة النزاع

لكن الأرقام وحدها لا تكفي في سوريا ما بعد الحرب، ففي منتصف تموز/ يوليو الجاري، اشتعلت السويداء على نحو مفاجئ، لتعود أجواء النزاع الداخلي بعد هدوء نسبي، حيث اندلعت اشتباكات بين فصائل درزية محلية ومجموعات عشائرية بدوية، شاركت فيها القوات الحكومية بشكل مباشر، وسط اتهامات بالإعدامات الميدانية وخرق حقوق المدنيين.

وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، قُتل خلال ثلاثة أيام فقط نحو 248 شخصاً، بينهم مدنيون، وجنود، ومقاتلون محليون، وسط عمليات نزوح كثيف نحو ريف درعا، وانقطاع كامل للخدمات الأساسية.

الأسوأ لم يتوقف هنا، إسرائيل، التي تتابع عن كثب تطورات الجنوب السوري، صعدت من غاراتها الجوية على العاصمة دمشق، مستهدفة محيط القصر الجمهوري، ووزارة الدفاع، وهيئة الأركان، في رسالة عسكرية شديدة الوضوح.

رسالة دولية سلبية

رغم نفي الحكومة السورية وجود أي تهديد أمني يستهدف المدنيين، فإن الضربات الإسرائيلية – التي طالت مواقع عسكرية حساسة بعثت برسالة دولية سلبية، مفادها أن سوريا ما زالت في قلب التوترات الأمنية.

وجاءت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أكثر وضوحًا بقوله: “انتهت التحذيرات، الآن تبدأ الضربات”، وتلك الغارات، التي أدانها الاتحاد الأوروبي وعدّها خرقًا للسيادة السورية، لم تثر فقط القلق الأمني، بل دفعت إلى تساؤلات أكبر بشأن مصير رفع العقوبات، في ظل هشاشة الأرض التي بني عليها القرار.

وجاءت ردود الفعل الدولية أكثر حذرًا هذه المرة، فقد عبّر السفير الأميركي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم برّاك، عن قلق بلاده من أعمال العنف، داعيًا إلى محاسبة المسؤولين عنها، فيما أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا حمّل فيه السلطات الانتقالية مسؤولية “تهدئة الأوضاع واستعادة الاستقرار وضمان العدالة”، بينما دعت فرنسا إلى وقف “الانتهاكات التي تستهدف المدنيين” وطالبت باحترام الهدنة المعلنة.

شبخ عودة فرض العقوبات

اقتصادياً، بدأ شبح العودة إلى العقوبات يلوح في الأفق، خاصة وأن رفعها كان مشروطًا بوضع أمني مستقر وحماية الأقليات، وتطورات السويداء تمثل تهديدًا مزدوجًا لهذين البندين.

مسؤولون في وزارة الخزانة الأميركية، في تصريحات لمجلة “فورين بوليسي”، أكدوا أن استمرار القرار مرهون بتقارير دورية تُقيّم أداء الحكومة الانتقالية في ملفي الأمن والحقوق، ومع عودة الحديث عن اقتتال داخلي ذي صبغة طائفية، تراجع تصنيف سوريا مجددًا في مؤشر المخاطر السيادية، وفق وكالة “فيتش”، التي أشارت إلى أن “التدخلات الخارجية والتوترات الطائفية تضعف ثقة المستثمرين وتزيد كلفة التأمين على الاستثمارات”.

في الكونغرس الأميركي، الذي لم يكن موحّدًا في قرار رفع العقوبات منذ البداية، بدأت أصوات تطالب بإعادة تقييم الموقف، فنشرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ مذكرة في 14 تموز/ يوليو تطالب بإجراء مراجعة شاملة لقرار الرفع، في ضوء “التطورات الأمنية المقلقة، والتقارير الحقوقية عن انتهاكات طائفية وجماعية”، وإذا ما تكررت هذه الدعوات، فإن احتمال تجميد القرار الأميركي أو التراجع الجزئي عنه يبدو خيارًا مطروحًا بجدية.

سيناريو العودة إلى الوراء

تلك التطورات المتسارعة، أبرزت عدة تساؤلات حول العنف الطائفي والصراع المسلح واحتمال إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، نحو عقوبات جديدة، وحصار أشدّ، واقتصاد هش يتأرجح على حافة الانهيار؟

في هذا الصدد، قال مستشار المركز العربي للدراسات، أبوبكر الديب، في تصريح خاص لموقع “الحل نت“، إن التطورات الأمنية المتسارعة في محافظة السويداء تعيد الملف السوري إلى الواجهة الدولية بعد فترة من الهدوء النسبي، حيث كانت النقاشات تدور في أروقة صنع القرار الدولي عن احتمال تخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة على دمشق، في ضوء التحول السياسي الأخير وبدء مرحلة انتقالية جديدة في البلاد.

غير أن ما يجري في الجنوب اليوم، بحسب تعبيره، يهدد بإعادة الأمور إلى نقطة الصفر، خاصة مع تصاعد الغارات الإسرائيلية التي طالت مواقع في محيط دمشق ودرعا والسويداء، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني في واحدة من أكثر المناطق حساسية على الخريطة السورية.

وأوضح الديب أن الأحداث الأخيرة تطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة السورية على فرض الاستقرار الداخلي، وضبط إيقاع العلاقات الإقليمية بما يحدّ من النفوذ الإيراني، الذي تراه الولايات المتحدة وإسرائيل تهديداً مباشراً، خصوصاً في المناطق الجنوبية المتاخمة للحدود الإسرائيلية.

 وضوح الموقف الأميركي

أضاف الديب أن محافظة السويداء باتت خلال الأسابيع القليلة الماضية ساحة اختبار معقدة، فهي ليست مجرد منطقة مضطربة، بل تمثل حالة رمزية عالية الدلالة، نظرًا لطابعها الطائفي والسياسي، كما أنها تعكس في الوقت نفسه مدى قدرة الدولة السورية على إدارة التنوع المجتمعي دون الانجرار إلى نزاعات أهلية جديدة، وهو أمر تتابعه واشنطن والعواصم الغربية عن كثب.

الموقف الأميركي أصبح أكثر وضوحًا، إذ إن إدارة واشنطن كانت قد ربطت أي تقدم في مسار رفع العقوبات بما تسميه “الاستقرار المحلي” و”وقف تدخل الحلفاء الخارجيين”، في إشارة إلى النفوذ الإيراني.

مستشار المركز العربي للدراسات، أبوبكر الديب

وقال إنه بحسب ما تسرب من مصادر دبلوماسية مطلعة، فإن دوائر القرار الأميركية باتت تميل إلى تجميد أي نقاشات داخلية تتعلق بتخفيف نظام العقوبات، في ظل تزايد المؤشرات على عودة الصراع المسلح إلى الجنوب، بما يحمله من مخاطر محتملة على الأمن الإسرائيلي، واحتمال تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة أمام وكلاء إيران.

تداعيات اقتصادية

نوّه الديب إلى أن تجميد مسار رفع العقوبات، في حال تم اتخاذ قرار رسمي به، سيكون له تداعيات اقتصادية خطيرة على الداخل السوري، ومن أبرز تلك التداعيات، وفق تصريحه، انهيار إضافي متوقع في سعر صرف الليرة السورية، التي كانت قد استعادت بعض عافيتها عقب رفع العقوبات في أيار/مايو الماضي.

وأضاف أنه إلى جانب ذلك سيكون هناك ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية، خصوصًا الغذاء والدواء، وركود شبه كامل في حركة الاستثمار الداخلي والخارجي، وتجميد كل المفاوضات التي أطلقت مؤخرًا بشأن مشاريع إعادة الإعمار، أو عودة الشركات العربية إلى السوق السوري، وهو ما قد ينعكس على مستوى المعيشة، ويدفع بمزيد من السوريين إما إلى خيار الهجرة، أو إلى الدخول في موجات احتجاج جديدة قد تضعف سلطة الدولة وتفتح الباب أمام مزيد من الانفلات.

وفي المقابل، أشار الديب إلى أن روسيا دخلت على خط الأزمة عبر تحركات عاجلة تهدف إلى احتواء الوضع في السويداء، حيث بدأت، بحسب المعلومات المتوفرة، بإجراء وساطات محلية مع وجهاء المنطقة والفصائل المسلحة، وعرضت ترتيبات أمنية جديدة لتفادي انزلاق المحافظة إلى سيناريو مشابه لما حصل في درعا عام 2021، حين خرجت مناطق كاملة عن سيطرة الدولة لفترة طويلة قبل أن يتم استعادتها بعد تدخل عسكري مباشر.

اختبار شامل

أكد الديب في ختام تصريحه أن ما يجري اليوم في السويداء ليس مجرد اضطراب أمني محلي، بل هو اختبار شامل لطبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، على المستويين السياسي والأمني، كما أنه سيترك بصماته على موقع البلاد في المعادلات الإقليمية والدولية.

اعتبر أن استمرار التصعيد الإسرائيلي، بالتزامن مع الضغط الأميركي المتجدد، قد يعيد البلاد إلى مربع العزلة الكاملة، ما لم تتخذ دمشق خطوات سريعة وحاسمة تضمن ضبط الجنوب واستعادة الثقة بقدرة الدولة على حماية وحدة البلاد ومكوناتها المجتمعية.

وشدد على أن الرهان في هذه المرحلة لم يعد على النوايا السياسية وحدها، بل على الأداء الميداني ومدى الجدية في احتواء بؤر التفجر قبل أن تتحول إلى أزمة إقليمية يصعب تطويقها.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم