جمانة ممتاز وحكاية بين شاشة وورَق.. رحلة برؤية عراقية

آه أيها البالون الكبير الذي اسمه الوطن، سأخزّك بإبرة

جمانة ممتاز

في العراق، حيث دائمًا ما تتراقص خيوط النور والأمل، برزت جمانة ممتاز. اسم تردد صداه بين شاشات التلفزيون وصفحات الروايات، حاملة معها روح بغداد النابضة وعبق نينوى الأصيل، وشغفًا بالحياة يتجلى في كل كلمة وفعل.

رحلتها، التي بدأت من صخب العاصمة بغداد مرورًا بشوارع الموصل العتيقة، لم تكن مجرد تنقل جغرافي أو إقامة في مكانين، بل كانت بمثابة بوتقة صهرت في داخلها فهمًا أعمق للتنوع العراقي، لتصبح ابنة المدينتين بروحهما المتكاملة.

اليوم، تقف الكاتبة والإعلامية جمانة ممتاز بما تحمله من ثراء تجربتها الإنسانية، في قلب المشهد الإعلامي والثقافي العراقي، كَشاهدة وراوِيَة، ناسجة خيوطًا متينة بين العمل الميداني، وهج الشاشة، وسحر الكلمات المكتوبة.

في رحلتنا الاستكشافية لسيرتها، نغوص بأعماق تجربتها، متتبعين أثر الجذور والانتماء، شغف الإعلام الذي يعكس نبض الشارع، وعوالم الرواية التي تحتضن حكايات البلاد والأشخاص، ونظرتها التحليلية في عالم العلاقات الدولية والسياسة، وكل المحطات التي شكلت شخصيتها الفريدة.

جمانة ممتاز.. جذور تنبض بالحياة

في 3 نوفمبر 1988 ولدت جمانة في منطقة الكرادة ببغداد، المدينة الصاخبة التي شهدت سنوات نشأتها وتفتّح وعيها، وعاشت فترات من تكوينها ومراهقتها في الموصل الحدباء، المدينة العريقة التي لا تزال تحتفظ في ذاكرتها بصور الطفولة: نهر دجلة ينساب بهدوء، وأزقة المدينة القديمة التي تهمس بقصص دفينة. تتذكر جمانة كيف كانت تلعب مع ابن عمها على التل قرب حي العربي أو بالقرب من الدير، تلك اللحظات شكّلت وجدانها.

“الموصل هم الأهل، والعائلة الكبيرة والطفولة”، تقول جمانة، “وأذكر عندما دخلت الابتدائية في الصف الأول في بغداد، كانت لهجتي مصلاوية، يضحك عليها بقية الأطفال لأنها غريبة عليهم، مما دفعني لأن أذوب في البغدادية”. هذا التنقل بين المدينتين تعتبره جمانة “حظًا وفرصة دائمة لتغيير المكان ووجود حضن آخر وناس آخرين”.

من “أم الربيعين”، استمدت جمانة ممتاز الالتزام، ذلك الانضباط المتجذر في كل تفاصيل الحياة الموصلية، من الترتيب إلى المواعيد. أما من بغداد، فقد اكتسبت الانفتاح والمرونة. تصف جمانة بغداد بأنها مدينة “مليئة بالعطاء والمحبة والحنان. أحب بغداد جدًا لأنها حياتي وجزء أصيل من تكوين هويتي وحيث ربيت وترعرعت، أخذتُ منها الزحمة ولكنها في عقلي صارت زحمة التفكير، والأهم أخذت منها هذا الحنان الفائض”.

في العاصمة، اتسع هامش الحريات، مما منحها فرصة للإبداع، بينما في الموصل كانت الحياة تدور حول العائلة والتنافس العلمي بجدية ونظام. في كثير من المرات تغلبها الحيرة: “أحيانًا أشعر أني ابنة الموصل المطالبة بالانضباط بكل شيء، ولكن تارة أخرى أشعر أني ابنة بغداد التي لا يمكن أن تضبط عواطفها”.

بين الشاشة والحروف: رحلة تلامس الواقع

لم يكن دخول جمانة ممتاز عالم الإعلام وليد صدفة، بل كان نتيجة سعي حثيث وجهد متواصل. بدأت مسيرتها كناشطة مدنية ذات صلة بالإعلام، وتدرّبت على الصحافة لعامين قبل أن تخطو أولى خطواتها الاحترافية. “في هذه المهنة لم يلعب الحظ معي لعبته، كل شيء جاء بالسعي والتعب والاجتهاد”، تؤكد جمانة. عملت محررة ومراسلة ومقدمة برامج، وغطت قضايا حساسة ومتعبة في أغلب المحافظات العراقية.

خلال مسيرتها التي شملت العمل مع قنوات مثل “المدى، الفلوجة، الشرقية، دجلة، هنا بغداد، والأولى”، ترى جمانة نفسها “خريجة مدرسة المدى للإعلام والثقافة والفنون”، التي كانت الأقرب لفكرها وثقافتها. تؤمن ممتاز بأن الإعلام العراقي بحاجة إلى صوت أعلى واهتمام أعمق، خاصة في ظل التحديات الراهنة. “أشعر بأننا نحتاج أن نفهم أدواتنا في هذا العالم الحديث.. أدوات القوة الناعمة العراقية لنحدد موقعنا على الخارطة الدولية وإلا فإن العالم سيبتلعنا، المنظومة الدولية لا ترحم أحدا”.

في رمضان الماضي، قدمت جمانة برنامج “خان الحكي” الذي استضاف شخصيات موصلية مؤثرة. كان اختيار الموصل بتوجيه من الإدارة، لتكتشف جمانة شيئًا مذهلًا: “التراكم الاجتماعي الرصين هو الذي سينجو بالمدن الخارجة من الحروب”. لقد رأت كيف نهض أهل الموصل بمدينتهم بأيديهم، من رفع الأنقاض إلى إعادة الحياة للمحلات، في حراك مجتمعي مذهل شمل كل الفئات.

تقدّم جمانة حاليا، برنامج “المحيط السادس”. هو يمثل تتويجًا لاهتمامها العميق بالشؤون الدولية، بعد حصولها على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من “جامعة ليستر”. ترى جمانة، أن دراستها الأكاديمية منحتها “فهمًا عميقًا للملفات الدولية بعيدًا عن العواطف بل بعقل نقدي، هادف؛ بناء، يبحث عن أجوبة منطقية”. هذا المنظور المختلف، وإن كان لا يسهل فهمه للجميع، إلا أنه يعمق تحليلها للأحداث.

جمانة ممتاز وحكايات الروح في صفحات الروايات

إلى جانب الأضواء وشاشات التلفزيون، لجمانة عالم آخر يتجلى في كلماتها المكتوبة. صدرت لها روايتان: “فوضت أمري للنسيان” و”أخف من الحلم”. تعتبر جمانة ممتاز الكتابة “نوعًا من أنواع تحرير العواطف”. ليس شرطًا أن تكون تجاربها الشخصية، بل تتأثر بشخصيات حقيقية “أشعرها، أشعر أنهم أبطال رواياتي، يعيشون معي.. حتى أكتبهم وأحرر مشاعري ومشاعرهم”. الأهم بالنسبة لها أن يلمس القارئ صدق مشاعرها في جملها المكثفة التي تخرج من أعماق قلبها.

في رواية “أخف من الحلم”، غاصت جمانة في قضية مؤلمة هي انتحار النساء، مدفوعة بتحقيق سابق أجرته عن العنف ضد المرأة العراقية. “بكيتهم كثيرًا في سري وتمنيت لو كان بالإمكان المساعدة أو أن الدولة تهتم أكثر لإزالة هذا الوجع عن مستضعفات لا يجدن بابًا آمنًا وحضنًا دافئًا يلجأن له فلا يبقى لهن إلا الانتحار ملاذًا”، هكذا تعبر جمانة ممتاز عن عمق تأثرها.

تجد جمانة متعة وتحديًا في العالمين: الشاشة والرواية. بينما تفرض الشاشة قيودًا كالتزام اللغة الرسمية ووجود ضيوف قد يفرضون آراء سطحية، فإن عالم الرواية يمنحها “صلاحيات واسعة. أعيش حريتي على أصولها”، وهناك جسر يربط بينهما: “ما أسمعه من الإعلام أحيانًا يصبح صورًا في رواياتي”. من خلال هذه التجارب، تعمق فهم جمانة للطبيعة الإنسانية. “الإنسان يبقى هو السر الأعظم، إنه سر الخالق فينا.. كائن شديد التعقيد والدقة وبإمكانيات هائلة وبمسارين متناغمين متقاطعين، هما العقل والقلب”.

اختبارات الحياة وشغفها الخفي.. الطبخ والنباتات

الحياة، كما تقول الكاتبة العراقية، “وضعتني في اختبارات أكبر مني دائمًا”. لكن من هذه التحديات تعلمت دروسًا عميقة: “تعلمتُ أن الغد فرصة واعدة دائمًا، وأن الإنسان لديه إمكانيات هائلة إذا استطاع أن يكتشفها، يكفي أنه يستطيع الصمود، وهذا أعظم درس لكي لا يقلل الإنسان من قيمة نفسه.. المطاولة بحد ذاتها كافية لربح التحدي”.

تؤمن ممتاز بقيم إنسانية عليا، في مقدمتها الالتزام، الذي تعلمته من والدها وعلمته لابنها. “لأن الإنسان بطبيعته يميل دائمًا إلى السهولة، ولكن يجب أن يعلم نفسه على الالتزام وإلا سيخسر كل شيء”. هذا الالتزام يشمل العائلة، الأصدقاء، العمل، القيم، المبادئ، والأمانة.

بعيدًا عن الأضواء والكلمات، تجد جمانة مساحات شخصية لاستعادة طاقتها: الكتابة، والقراءة، والنباتات، والطبخ. المطبخ بالنسبة لها “طريقة تعبير عن الحب”. تحب أن تجمع عائلتها وصديقاتها على مائدة من إعدادها، لتقدم لهم ما صنعته بحب وتفانٍ. “لأنهم يستحقوا أن يستمتعوا وأن يفرحوا وأن يتدلّلوا عليّ.. أطبخ لهم حبًا بهم”.

تحب حمانة زراعة الأشجار والورود، وهذا ينم عن تقدير عميق للطبيعة. “النباتات هذه سحر، سحر الطبيعة، عظمة الخالق تتجلى في هذا الخلق الأخضر المليء بالجمال”، تقول جمانة التي يسحرها لون الأزهار وكيف يتجلى فيها إبداع الخالق. تجد ممتاز، تشابهًا بين رعاية نبتة صغيرة حتى تزهر وبين رعاية فكرة حتى تصبح رواية أو برنامجًا ناجحًا، فكلاهما يتطلبان الاهتمام والحنان ليأتيا بأجمل الثمار.

رؤية العراق في المنظور الدولي

ترى جمانة ممتاز، أن العراق يمتلك طاقات بشرية هائلة، لكنها “مبعثرة ومتشظية، ولا تتشارك في إنتاج الصورة الدولية التي يستحقها العراق”. وتضيف: “ما نحتاجه هو ثورة فكرية ولدينا عقولها، غاية هذه الثورة أن نقول للمجتمع الدولي هذا العراق وليس أي بلد عابر”. تدعو إلى دعم أدوات القوة الناعمة العراقية من خلال العمل الجماعي المنظم عبر الثقافة، الإعلام، السينما، الفنون، والآثار.

في نهاية الرحلة، تعطي الكاتبة والإعلامية العراقية نصيحتها لمن يطمح بدخول عالم الإعلام أو الكتابة: “اقرأ لكي لا تسمح لأي أحد أن يشكك بقدراتك ويحاول أن يستبعدك”. إنها باختصار، دعوة للمعرفة والتمكين، ترسلها حمانة لكل أبناء وبنات الجيل.

علي الكرملي

علي الكرملي

صحفي عراقي، كاتب ومحرر المحتوى البصري والرقمي في "الحل نت". حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة بغداد.

1 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم