هل يطوي ترامب صفحة الحرب ضد إيران؟

ترامب

تتصاعد حدة التكهنات في الأوساط السياسية الدولية حول مستقبل التدخل العسكري الأميركي في المواجهة المفتوحة مع إيران، في ظل إشارات متضاربة يرسلها البيت الأبيض بين الرغبة في “خروج سريع” والإصرار على تحقيق “نصر حاسم”، لتبرز التساؤلات حول مصير تلك الحرب.

فبينما يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطًا داخلية متزايدة وتحذيرات من تداعيات اقتصادية قد تعصف بمستقبله السياسي، تبدو المعطيات الميدانية والجيوسياسية أكثر تعقيدًا من مجرد قرار بالإنسحاب، خاصة مع تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا في طهران، وهو ما قرئ في واشنطن كإشارة تحد صريحة توحي بأن إيران لا تنوي التراجع أو الإستسلام أمام الآلة العسكرية الأميركية.

تصريحات متفائلة بلا جدول زمني

في مؤتمر صحفي عقده الاثنين في فلوريدا، أطلق ترامب جملة من التصريحات التي حملت في طياتها رغبة واضحة في طيّ صفحة هذه المواجهة، واصفًا المهمة العسكرية بأنها حققت أهدافها إلى حد كبير، ومؤكدًا أن القوات الأميركية متقدمة على الجدول الزمني الموضوع، معربًا عن اعتقاده بأن الحرب ستنتهي “قريبًا جدًا”.

وفي الوقت نفسه لم يحدد ترامب جدولًا زمنيًا واضحًا، وبدا وكأنه يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام سيناريوهات متعددة، خصوصًا عندما سئل عن إمكانية مساعدة الشعب الإيراني الذي انتفض ضد النظام، ليرد بعبارة حملت شيئاً من الإحباط: “نريد نظامًا يفضي إلى سنوات طويلة من السلام، وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، فلنُنهِ الأمر الآن”.

هذا التذبذب في الموقف الأميركي لم يقتصر على المؤتمر الصحفي فحسب، بل امتد ليشمل تصريحات سابقة لترامب تناقضت بشكل صارخ مع خطابه الأخير، ففي الأسبوع الماضي، كان الرئيس الأميركي يلوح بورقة “الاستسلام غير المشروط” لإيران، رافضًا استبعاد خيار إرسال قوات برية إلى البلاد، لكنه عاد الاثنين ليؤكد لصحيفة “نيويورك بوست” أنه “ليس قريبًا” من إصدار مثل هذا الأمر، في إشارة واضحة إلى حالة التردد التي تسيطر على البيت الأبيض في لحظة فاصلة من تاريخ الصراع.

ضغوط السياسة وأسعار النفط

وفقًا لصحيفة “وول ستريت جورنال“، كشفت مصادر مطلعة في واشنطن أن بعض مستشاري ترامب بدأوا يهمسون في أذنيه بضرورة وضع خطة للخروج من المستنقع الإيراني، مستغلين تحقيق الجيش الأميركي لجزء كبير من أهدافه المعلنة.

وتأتي هذه النصائح السرية مدفوعة بقلق متزايد من ارتفاع أسعار النفط الذي تجاوز حاجز 120 دولارًا للبرميل في تعاملات الاثنين، إضافة إلى مخاوف سياسية داخلية تتركز حول رد فعل الناخبين الأميركيين إذا ما استمرت الحرب لفترة أطول، خصوصًا مع ظهور استطلاعات رأي تظهر معارضة غالبية الأميركيين لهذه الحرب.

غير أن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، سارعت إلى نفي هذه التقارير جملة وتفصيلًا، واصفة إياها بأنها “مليئة بالهراء من مصادر مجهولة”، ومؤكدة أن كبار مساعدي الرئيس يعملون على مدار الساعة لضمان استمرار نجاح عملية “الغضب الملحمي”.

لكن مصادر داخل الإدارة الأميركية أكدت أن ترامب اطلع على بعض استطلاعات الرأي المتعلقة بالحرب، وأن بعض الجمهوريين القلقين بشأن انتخابات التجديد النصفي تواصلوا مع مستشاريه للتعبير عن خشيتهم من تراجع الدعم الشعبي للحرب إذا طال أمدها.

رسائل تطمين لأسواق الطاقة

في قراءة تحليلية لهذه التصريحات، ترى الباحثة في العلاقات الدولية رنا خالد، أن خطاب ترامب الأخير يحمل في جوهره رسائل تطمين موجهة بالدرجة الأولى إلى أسواق الطاقة التي تعرضت لهزات عنيفة.

وأشارت عبر منصة “إكس” إلى أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية دفع الأسواق إلى حافة الهاوية، إذ سجل خام برنت ارتفاعًا بنحو 29 بالمئة ليقترب من 120 دولارًا، في انعكاس مباشر لحالة القلق التي تسيطر على المستثمرين والمتعاملين.

وتضيف أن هذه الرسائل تمتد أيضًا إلى الحلفاء الإقليميين والدوليين الذين يتابعون بقلق بالغ مسار التصعيد العسكري، ويترقبون رؤية خطة واضحة من واشنطن لاحتواء الصراع ووضع مسار سياسي يفضي إلى خفض التوترات.

متى تنتهي الحرب؟

من جانبه، يرى الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والاستراتيجية فراس إلياس، أن الرسائل التي حملها المؤتمر الصحفي لترامب تعكس بوضوح أن واشنطن لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة قصيرة يمكن إنهاؤها بقرار سياسي سريع، بل صراعًا مرتبطًا بجذور أعمق تتعلق بتوازنات القوة في المنطقة.

ويشير عبر منصة إكس إلى أن ترامب لن يتجه فعليًا إلى إنهاء الحرب ما لم تُعالج مسبباتها الأساسية، موضحًا أن أي حديث عن تهدئة سريعة قد يكون في جزء منه محاولة لإدارة مرحلة جديدة من التصعيد وليس إنهاء الصراع بشكل نهائي، خصوصًا في ظل تعيين مجتبى خامنئي، نجل آية الله علي خامنئي الراحل، مرشدًا أعلى جديداً لإيران، وهي خطوة تشير إلى أن طهران لن تتراجع عن مواقفها.

ويرى أن خطاب ترامب حمل أربع رسائل متزامنة، أولها إلى المرشد الإيراني الجديد مفادها أن الولايات المتحدة هي الطرف القادر على تحديد مسار المواجهة وحدودها، وثانيها إلى الحلفاء الإقليميين والدوليين لطمأنتهم بأن العمليات العسكرية لن تبقى مفتوحة إلى سقوف غير محدودة.

 أضاف إلياس أن ثالث الرسائل وجه إلى أسواق الطاقة للإيحاء بأن الولايات المتحدة لديها خيارات استراتيجية لاحتواء أي أزمة نفطية محتملة، من بينها القدرة على ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، أما الرسالة الرابعة فقال إنها كانت إلى الداخل الأميركي، حيث سعى ترامب إلى إقناع الرأي العام بأن الولايات المتحدة حققت بالفعل جانبًا مهمًا من أهدافها، وأنها قادرة على إنهاء الحرب في اللحظة التي ترى فيها أن تلك الأهداف قد اكتملت.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم