الحكومة ترد على “العفو” الدولية بالتعهدات.. والجرائم مستمرة 

الحكومة ترد على "العفو" الدولية بالتعهدات

في تطور جديد يلقي الضوء على تعقيدات المشهد السوري المستمر منذ أكثر من عقد، أصدرت الحكومة السورية الانتقالية بياناً رسمياً، رداً على تقرير منظمة “العفو” الدولية الأخير بشأن أحداث الساحل السوري التي وقعت في آذار/مارس الماضي. 

وجاء ذلك، في ظل تقارير حقوقية أخرى توثق تصاعداً لافتاً في عمليات القتل الميداني والانتهاكات بحق المدنيين في مناطق مختلفة من البلاد، وانتقادات متزايدة للسلطات لفشلها في حماية المدنيين وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف الجرائم والانتهاكات. 

رد الحكومة السورية على “العفو” الدولية 

أعربت الحكومة السورية، في بيان رسمي، عن متابعتها “باهتمام” للتقرير الصادر عن منظمة “العفو” الدولية، الذي تناول وقائع دامية شهدتها مناطق الساحل السوري في شهر آذار/مارس الماضي، مشيرة إلى أن الخلاصات التي تضمنها التقرير ستُترك لتقييم اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق، والتي تعمل وفق تفويض رئاسي واسع واستقلالية تامة. 

وتحدثت الحكومة عن حرصها على إعلاء العدالة وتعزيز الشفافية، لكنه في الوقت ذاته أشارت إلى وجود “ملاحظات منهجية” على بعض التقارير الحقوقية، التي تتجاهل ما وصفته بـ”السياق” الذي جرت فيه الأحداث أو تقلل من أهميته، ما قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة أو مضللة، حسب رأيها. 

ووصفت الحكومة ما جرى في الساحل السوري بأنه بدأ بـ”اعتداء غادر” من “فلول النظام البائد” ضد قوات الجيش والأمن، ارتكبت خلاله انتهاكات ضد المدنيين بدوافع “طائفية أحياناً”، نتج عنه فراغ أمني بعد استشهاد المئات من القوات النظامية، تبعته فوضى وعمليات انتقامية طالت سكان المنطقة. 

الحكومة تطالب بانتظار نتائج التحقيقات

أشار بيان الحكومة السورية إلى أن اللجنة المكلفة بالتحقيق في الأحداث، قد باشرت مهامها في توثيق هذه الانتهاكات، وتعتزم إصدار نتائج تحقيقاتها خلال ثلاثين يوماً. 

وكان قد أكد المتحدث باسم “لجنة تقصي الحقائق” في أحداث الساحل السوري، ياسر فرحان، أن اللجنة ستستمع إلى الموقوفين وتوثق شهاداتهم، وستزور أماكن إيقاف المشتبه بهم، للتأكد من محاسبة المتورطين وتأمين الضحايا.  

كما عبرت الحكومة في بيانها، عن استعدادها للتعاون مع المنظمات الحقوقية، مؤكدة مسؤولية الدولة عن حماية جميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم، وضمان مستقبلهم في دولة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة. 

“العفو الدولية” تطالب بالتحرك نحو المحاسبة 

يوم الخميس الفائت، أصدرت منظمة “العفو” الدولية (أمنستي) تقريراً يدعو الحكومة السورية إلى محاسبة مرتكبي موجة عمليات القتل الجماعي التي استهدفت المدنيين العلويين في المناطق الساحلية، مشددة على ضرورة اتخاذ خطوات فورية لضمان عدم استهداف أي شخص أو جماعة على أساس طائفتهم، مؤكدة أن الجرائم الأخيرة هي “جرائم حرب”.  

وتضمن التقرير شهادات شهود عيان من سكان المناطق المتضررة وذوي الضحايا وأقاربهم، واستند إلى أدلة مرئية وتقارير من مختبرات مثل مختبر أدلة الأزمات ومنظمات حقوق الإنسان.  

ووفقاً لمعلومات استقرت لدى منظمة “العفو” الدولية، قامت ميليشيات تابعة للحكومة السورية الانتقالية بقتل أكثر من 100 شخص في مدينة بانياس الساحلية خلال يومي 8 و9 آذار/مارس الفائت، واستند التقرير إلى معلومات من 32 عملية قتل متعمدة وموجهة ضد الأقلية العلوية، دون أي مبرر قانوني.  

وشددت الأمينة العامة للمنظمة، أنياس كالامار، أنه “من الضروري أن تمنح السلطات الجديدة الحقيقة والعدالة لضحايا هذه الجرائم، لتُبرهن عن طيها لصفحة الماضي وعدم التسامح مطلقاً مع الهجمات على الأقليات.. في غياب العدالة، تخاطر سوريا بالوقوع مرة أخرى في دوامة من الفظائع وإراقة الدماء”.  

عمليات القتل لم تتوقف منذ أحداث الساحل 

رغم الوعود بإعادة بناء الدولة وتعزيز سيادة القانون، إلا أن عمليات التصفية والإعدام الميداني لا تزال مستمرة، ولم تتوقف ولم تنخفض وتيرتها. 

وخلال الأيام القليلة الماضية، أصدر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” تقارير حذّر فيها من تصاعد وتيرة عمليات التصفية والإعدام الميداني في مناطق سورية مختلفة، موثقاً العديد من الجرائم وعمليات الإعدام خلال الفترة بين 1 و4 نيسان/أبريل الجاري، راح ضحيتها 24 شخصاً، بينهم أطفال. 

وأشار “المرصد” إلى أن الجرائم نُفذت على أيدي مسلحين مجهولين، وشملت عمليات التصفية محافظات درعا، حمص، حماة، ريف حلب، إدلب، دمشق، وطرطوس، لافتاً بشكل خاص إلى انتهاكات جسيمة ضد الأقليات الطائفية، خاصة الأقلية العلوية في المناطق الساحلية، التي أصبحت ساحة للعمليات الانتقامية. 

مستقبل مجهول في غياب العدالة

تعكس هذه الحوادث اتساع رقعة الفلتان الأمني، في ظل غياب المحاسبة وضعف الاستجابة الأمنية من السلطات السورية الجديدة، مما يثير مخاوف متزايدة بشأن سلامة المدنيين وحقوق الإنسان، حيث تتباين الوقائع بشكل واضح بين ما تصدره الحكومة السورية من بيانات رسمية تؤكد التزامها بالعدالة، وما تنشره المنظمات الحقوقية من تقارير تؤكد استمرار الانتهاكات على الأرض دون رادع فعال. 

وبينما تُظهر الحكومة رغبة معلنة في التعاون مع المجتمع الدولي، يشكك الكثير من السوريين في مدى فعالية هذا التعاون وجدواه، في ظل التدهور الأمني. 

ورغم ذلك، يبقى مصير التحقيقات الرسمية، ونتائج لجنة تقصي الحقائق، محط أنظار الكثيرين في الداخل والخارج، وسط دعوات مستمرة بضرورة وجود إشراف دولي أو أممي على مثل هذه التحقيقات لضمان نزاهتها ومصداقيتها.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم