مع اشتعال المعارك في محافظة السويداء جنوب سوريا، تباينت الروايات حول أسباب الصراع ومآلاته، فبينما يرى البعض أن ما يجري ليس سوى موجة عنف طائفية متفرقة، يذهب آخرين إلى اعتباره عملية عسكرية متعمدة من جانب الحكومة تهدف إلى إخضاع المنطقة لسيطرتها.
مهما كانت الروايات، تبقى الحقيقة الأبرز أن الوضع الإنساني والاقتصادي في السويداء دخل مرحلة “كارثية”، على وقع الأحداث الدامية في الأيام الأخيرة، في ظل تفاقم أزمة شح الموارد الطبيعية والاقتصادية التي تعاني منها المحافظة منذ سنوات طويلة.
نزوح واسع وانهيار الخدمات
تحوّل أسبوع من الاشتباكات العنيفة بين مجموعات درزية ومسلحين من عشائر بدوية، تحت أنظار تدخل متقطّع للدولة وغارات إسرائيلية متزامنة على محاور في الجنوب، إلى صدمة اقتصادية مكثفة شلّت دورة الحياة بالسويداء ما بين أسواق مغلقة، وطرق توريد مقطوعة، ونزوح واسع النطاق.
وشهدت المحافظة خلال أسبوع واحد موجة نزوح غير مسبوقة، إذ قدّرت “المنظمة الدولية للهجرة”، الأحد، أن أكثر من 128 ألف شخص نزحوا خلال هذه الفترة، من بينهم 43 ألف حالة نزوح في يوم واحد فقط، فيما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عبر تقرير لوكالة “رويترز” بأن القتال أجبر ما لا يقل عن ألفي عائلة على الفرار من منازلها، قبل أن يُعلن عن وقف هش لإطلاق النار في 16 يوليو الجاري.

تعتبر السويداء معقلاً للطائفة الدرزية في سوريا، ووفقاً لآخر إحصاء رسمي عام 2014 يبلغ عدد سكانها 467 ألف نسمة، يعيش الثلثين منهم في الأرياف المعتمدة على الزراعة البعلية، بينما يقطن الثلث الآخر في المدن الرئيسية مثل مدينة السويداء وشهبا وصلخد، ما يجعل أي اضطراب أمني أو قطع لطرق الإمداد يتحول سريعًا إلى أزمة معيشية وخدمية واسعة.
ترافق ذلك مع انقطاع شبه كامل للكهرباء والمياه، إذ أعلنت مؤسسة مياه السويداء توقف 14 بئرًا رئيسية عن العمل بسبب غياب الكهرباء، كما تعطلت أفران المدينة وتعرضت الحصص التموينية للاستنزاف، وبحسب تقارير محلية فإن المخزون الغذائي في القرى الجنوبية يكفي ليومين بالكاد، فيما تسود الأسواق حالة من الشلل، وارتفعت أسعار السلع القليلة المتوفرة في السوق السوداء بشكل غير مسبوق.
صدمة اقتصادية تفاقمها الحرب
أحداث السويداء الأخيرة جاءت لتكشف هشاشة البنية الاقتصادية للمحافظة التي تعتمد بشكل رئيسي على الزراعة والتجارة والخدمات، إذ يشكل كل منهما حوالي 40 بالمئة من ناتجها المحلي، إلا أن الحرب والعقوبات والانهيار النقدي جعلت هذه القطاعات تعاني انهيارات متكررة.
جاء ذلك في وقت تعاني فيه القرى المستضيفة للنازحين في ريف درعا من فقر في الموارد، ما يضاعف الضغط على الأمن الغذائي ويهدد بانفجار أزمة اجتماعية واقتصادية متسلسلة، حيث سيتم تقاسم تلك الموارد المحدودة.
الأوضاع تتفاقم على مستوى البلاد أيضًا، فبيانات الأمم المتحدة تظهر أن سوريا دخلت عام 2025 مع بنى تحتية مائية وصحية منهكة، فيما يعاني 16.5 مليون شخص من الحاجة الماسة إلى المساعدات الإنسانية.
بدورها حذرت “منظمة الصحة العالمية” في تقرير آيار/مايو الماضي من هشاشة المنظومة الصحية وغياب التمويل اللازم لإعادة تأهيلها، ما يجعل أي تصعيد محلي كالأحداث الأخيرة في السويداء نقطة ارتكاز لأزمة إنسانية أكبر.
وما تزال أرقام القتلى غير نهائية، إذ توثق “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في أحدث تقرير لها مقتل 1120 شخصًا خلال أيام القتال، وأحصى المرصد في عداد القتلى 427 مقاتلا و298 مدنيا من الدروز، بينهم 194 “أُعدموا ميدانيا برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية”، في المقابل، قتل 354 من عناصر وزارة الدفاع وجهاز الأمن العام، إضافة الى 21 من أبناء العشائر، ثلاثة منهم مدنيون “أعدموا ميدانيا على يد المسلحين الدروز”، هذه الخسائر البشرية تؤدي بدورها إلى إضعاف قوة العمل المحلية، وتراجع الطلب على السلع والخدمات، ما ينعكس سلباً على النشاط الاقتصادي الهش بالأساس.
زراعة على حافة الانهيار
القطاع الزراعي، الذي يُعتبر شريان الحياة الأساسي للسكان، يتعرض لضربات قاسية بسبب التغيرات المناخية والجفاف، إذ يعتمد 90 بالمئة من الأراضي على الزراعة البعلية المرتبطة بمعدلات الهطول المطري، والتي تراجعت هذا الموسم إلى أقل من 30 بالمئة من المتوسط.
كما تراجع إنتاج القمح إلى أقل من 2000 طن، رغم زراعة أكثر من 30 ألف هكتار، فيما انخفض إنتاج التفاح، الذي يشكل مصدر رزق رئيسي لأكثر من 11 ألف أسرة، بنسبة تجاوزت 80 بالمئة.

ويحذر مدير الزراعة في السويداء، مالك الحلبي من أن ما يجري ليس أزمة موسمية عابرة بل بداية مرحلة تصحر قد تستمر لعامين فقط كفيلة بتحويل مساحات واسعة إلى أراضٍ جرداء، مما يهدد الأمن الغذائي المحلي، في وقت يتجاوز فيه معدل الفقر 85 بالمئة في المحافظة.
إلى جانب الانهيار الزراعي والخدماتي، تعاني السويداء من أزمة نقدية خانقة، فقد أدى انهيار الليرة السورية إلى زيادة التضخم بشكل غير مسبوق، حيث فقدت العملة أكثر من نصف قيمتها خلال العام الماضي، رغم محاولات الحكومة الانتقالية ضبط السوق.
بحسب برنامج الأغذية العالمي، أصبح الحد الأدنى للأجور يغطي أقل من 20 بالمئة من تكلفة سلة الغذاء الأساسية، وأقل من 10 بالمئة من الاحتياجات المعيشية الأخرى.
هل هناك مخرج؟
السيناريوهات المستقبلية تبدو مقلقة، فبينما تحاول بعض المبادرات المحلية فتح ممرات إنسانية وتأمين الإمدادات، تبقى هذه الجهود محدودة أمام غياب دعم مركزي حقيقي، وانعدام رؤية لإعادة تنشيط الاقتصاد
تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن الناتج المحلي الإجمالي تراجع إلى أقل من نصف مستواه قبل 2011، ما يجعل أي خطة إنقاذ للسويداء مشروطة بإصلاحات اقتصادية وهيكلية واسعة النطاق، إلى جانب ضرورة عودة الأمن والاستقرار.
من جهته حذر وزير الصحة السوري مصعب العلي، الأحد، من أن استمرار الوضع الحالي في السويداء لفترة طويلة قد يؤدي إلى وضع “كارثي”، منبهًا إلى أن الواقع الأمني يحد من عمل المنظمات وعندما تغيب سلطة الدولة والقوانين عن أي مكان سيدخل بحالة فوضى.
وبدوره، قال محافظ السويداء مصطفى البكور إن المنظمات الدولية لا تستطيع دخول المدينة والعمل بها لعدم استقرار الوضع الأمني هناك، موضحاً أن الوضع في المحافظة “منهار جداً”.
الأحداث الدموية في السويداء ليست مجرد أزمة محلية، بل انعكاس للأزمة الوطنية التي تعصف بسوريا منذ أكثر من عقد، فكيف لدولة ذات اقتصاد هّش أن يتعافى في هكذا بيئة تعج بالصراعات والقتال، وإذا استمرت الأوضاع على هذا المنوال، قد تتحول المحافظة إلى نموذج لانهيار المنظومة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد بأكملها.
- من بينهم متهم بتبني هجوم باريس.. العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم إلى “داعش”
- القبض على رئيس أركان “الحرس الجمهوري” في عهد الأسد
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية

