أحداث السويداء تعطل جهود إلغاء “قانون قيصر”.. ماذا يحدث في واشنطن؟

قانون قيصر

جاءت الأحداث الدامية في محافظة السويداء الممتدة منذ ما يقارب الأسبوعين لتعثر من خطوات رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، بعد أن أقر ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أيار/ مايو الماضي، ذلك بعد أن تصاعد الجدل الأميركي والانقسام داخل الكونغرس بشأن تلك العقوبات التي يأتي على رأسها “قانون قيصر”.

وتحولت محافظة السويداء في جنوب سوريا خلال الأسبوعين الماضيين إلى مسرح لحوادث دامية متكررة، كان آخرها مقتل أميركي من أصل سوري على أيدي مسلحين يرتدون زيًا عسكريًا قيل أنهم موالين للسلطة الانتقالية في دمشق، الأمر الذي دفع عددًا من المشرعين إلى إعادة النظر في أي خطوات نحو تخفيف أو إلغاء العقوبات.

عقبات غير متوقعة

اصطدمت الجهود التي بذلها ناشطون من الجالية السورية الأميركية لإلغاء قانون قيصر بعقبات غير متوقعة في منتصف تموز/يوليو، حين فشل تسجيل مشروع القانون في الكونغرس لأسباب فنية، في وقت تتزايد فيه الترجيحات بأن المزاج العام للمشرعين تأثر بشكل ملحوظ بتصاعد أعمال العنف على الأرض السورية.

ومنذ دخوله حيز التنفيذ في حزيران/ يونيو 2020، شكّل قانون قيصر أحد أبرز أدوات الضغط الأميركي على النظام السوري، إذ استهدف قطاعات رئيسية في الاقتصاد، من الطاقة والبنية التحتية إلى التعاملات المالية الدولية، بهدف دفع دمشق إلى الانخراط في عملية سياسية تفضي إلى انتقال حقيقي للسلطة.

 غير أن تصاعد الأزمات الإنسانية وتفاقم الانهيار الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة دفع بعض الأصوات في واشنطن إلى المطالبة بمراجعة شاملة للسياسات العقابية، خاصة بعد أن تبنى الرئيس السابق دونالد ترامب الشهر الماضي قراراً تنفيذياً دعا إلى إنهاء برنامج العقوبات الشاملة وفتح الباب أمام إعادة الإعمار وعودة اللاجئين.

ولم تجد رؤية ترامب طريقها إلى التنفيذ، إذ أدى تفجر موجات جديدة من العنف، لا سيما في السويداء والساحل السوري، إلى إعادة خلط الأوراق وتعزيز مواقف التيار المتشدد داخل الكونغرس.

مشروعان رئيسيان

تشير الأنباء الواردة مؤخرًا إلى أن الجهود الأخيرة لإلغاء قانون قيصر انقسمت بين مشروعين رئيسيين، الأول قدّمته السيناتورة الديمقراطية جين شاهين بالشراكة مع الجمهوري راند بول أمام مجلس الشيوخ، وينص على الإلغاء الكامل للعقوبات دون شروط إضافية.

فيما تقدم النائب الجمهوري مايكل لولر بمشروع أمام مجلس النواب يجمع بين رفع معظم العقوبات وتمديد القانون لعامين بهدف مراقبة أداء الحكومة السورية، وهو المشروع الذي يشترط التزام دمشق بعدة بنود إنسانية وسياسية، منها وقف استخدام المجال الجوي ضد المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الدولية دون قيود، وإطلاق المعتقلين السياسيين، والسماح للمراقبين الدوليين بزيارة السجون، ووقف استهداف الأقليات الدينية، واتخاذ خطوات ملموسة لمكافحة إنتاج مخدر الكبتاغون الذي بات مصدر قلق إقليمي.

وبحسب مصادر في الكونغرس فإن مشروع لولر يُنتظر أن يُعرض للتصويت في اللجنة المالية قريبًا، بدعم من رئيسها فرنش هيل، قبل أن تبدأ المفاوضات بين الجمهوريين والديمقراطيين لحسم أي من المشروعين سيُعتمد.

 ومع ذلك، فإن مؤشرات التباطؤ تبدو واضحة، حيث يفضل عدد من النواب اتباع نهج تدريجي في تعديل العقوبات بدلًا من إلغائها بشكل كامل، خاصة أن مشاهد العنف في السويداء أعادت تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني وغياب ضمانات لحماية المدنيين.

ردود فعل متباينة

من جهته، أصدر “المجلس السوري الأميركي”، الذي يقود حملات الضغط على الكونغرس لإلغاء العقوبات، بيانًا اعتبر فيه أن مشروع لولر يتناقض مع التوجه الذي رسمه ترامب، ويرسل إشارات خاطئة للداخل السوري، مؤكداً أن استمرار العقوبات يفاقم من معاناة السوريين ويؤخر أي مسار محتمل لإعادة الإعمار أو عودة اللاجئين.

لكن خصوم هذا الطرح يرون أن رفع العقوبات الآن، في ظل الفوضى الأمنية وتنامي نشاط الجماعات المسلحة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يمنح النظام موارد إضافية دون ضمان التزامه بأي إصلاحات سياسية.

وتتحدث تقارير دبلوماسية عن أن الحوادث المتكررة في السويداء أصبحت عاملاً محورياً في النقاش الأميركي حول سوريا، حيث تزايدت المخاوف من أن أي تنازل في ملف العقوبات سيُستغل لتعزيز نفوذ الميليشيات المسلحة أو توسيع اقتصاد الحرب.

وقد دفعت حادثة مقتل الأميركي من أصل سوري، الأسبوع الماضي، بعض النواب إلى التشدد أكثر، معتبرين أن أي تخفيف للعقوبات في ظل هذه الظروف قد يُفسر كضعف في الموقف الأميركي.

مصير القانون

على الصعيد الدولي، تأتي هذه التطورات في وقت يتزايد فيه الضغط من الأمم المتحدة وعدة دول أوروبية لتخفيف القيود الاقتصادية عن دمشق، بهدف دعم جهود الإغاثة الإنسانية وإعادة بناء البنى التحتية.

لكن الولايات المتحدة لا تزال ترى في العقوبات أداة فاعلة للضغط السياسي، خاصة في ظل غياب أي تقدم ملموس على صعيد المفاوضات السياسية بين النظام والمعارضة.

وتشير أرقام صادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي إلى أن الناتج المحلي السوري تراجع بأكثر من 60 بالمئة منذ 2011، وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وواحدا من كل أربعة عاطل عن العمل، وهو ما يدفع جماعات الضغط إلى التحذير من أن استمرار القيود الاقتصادية قد يفاقم الأزمات الإنسانية ويزيد من موجات النزوح نحو دول الجوار وأوروبا.

في ظل هذا المشهد المتشابك، يبقى مصير قانون قيصر رهن موازين القوى داخل الكونغرس، وبمدى قدرة الأطراف الداعية إلى الإلغاء على إقناع صانعي القرار بأن استمرار العقوبات لم يعد يخدم المصالح الأميركية أو الاستقرار الإقليمي.

 إلا أن استمرار تصاعد الأحداث في السويداء وتدهور الأوضاع الأمنية قد يعزز موقف المعارضين لأي تخفيف في الوقت الراهن، ما يجعل من المرجح أن يتأجل أي قرار حاسم إلى حين اتضاح ملامح المرحلة الانتقالية في سوريا أو تحقيق اختراق سياسي يضمن التزام دمشق بالمعايير الدولية، وهو ما يعيق أي محاولات للاصلاح الاقتصادي بالبلاد.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم