دمشق تبتلع استثمارات المنتدى السوري السعودي.. أين المحافظات من التعافي الاقتصادي؟

المنتدى السوري السعودي

رغم أن المنتدى الاستثماري السوري السعودي عُرض كفرصة لإطلاق مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي، إلا أن الأرقام الرسمية تكشف نمطًا مقلقًا من التوزيع غير المتوازن للاستثمارات، بما يعزز النزعة المركزية وتفاقم التفاوت التنموي بين العاصمة وباقي المحافظات.

واستحوذت دمشق، التي لا تشكل سوى 0.5 بالمئة من مساحة سوريا الجغرافية، وحدها على ما يزيد عن 72 بالمئة من إجمالي الاستثمارات المُعلنة خلال المنتدى، وهو رقم صادم بالنظر إلى هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المناطق الأخرى التي تعاني من دمار واسع ونقص شديد في الخدمات الأساسية.

اتفاقيات قياسية.. لصالح العاصمة

انعقد المنتدى الاستثماري السوري–السعودي في دمشق، الخميس الماضي، بحضور نحو 130 من كبار رجال الأعمال السعوديين بقيادة وزير الاستثمار خالد بن عبدالعزيز الفالح، برعاية الرئيس المؤقت أحمد الشرع.

وأُعلن خلاله عن توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 6.4 مليار دولار (حوالي 24 مليار ريال سعودي)، تشمل قطاعات البنية التحتية والعقارات والاتصالات والمال والخدمات المالية.

رسم بياني توضيحي لتوزيع القيمة الاستثمارية حسب المحافظة- تم إنشائه بواسطة الذكاء الاصطناعي

الصفقة المعلنة خلال المنتدى تُعَدّ الأضخم من نوعها منذ سنوات النزاع، حيث يرجح أن تخلق نحو 50 000 وظيفة مباشرة و150 000 وظيفة غير مباشرة، وفق ما أعلن المسؤولين.

على الرغم من ضخامة الصفقة إلا أن معظم المشاريع المُعلنة تمركزت في دمشق ومحيطها، والتي تشمل إنشاء مصانع أسمنت في عدرا ومحافظاتها، مشروع برج تجاري سياحي بقيمة نحو 100 مليون دولار في مركز العاصمة، ومنطقة عقارية ضخمة قيد الإنشاء تُعرف بـ “Marota City” بتمويل سعودي سوري مشترك.

حتى الاتصالات الرقمية والعقار والترفيه تمحورت حول العاصمة فقط، مع غياب شبه كامل لأي استثمارات في المحافظات الشرقية أو الشمالية المتضررة.

المحافظات تُقصى مجددًا!

بخلاف دمشق لم تحصد المحافظات الجنوبية مثل السويداء ودرعا والقنيطرة، والتي شهدت موجات عنف متقطعة مؤخرًا، مجتمعة أكثر من 1.2 بالمئة من إجمالي الاستثمارات، بالرغم من تعهدات الحكومة الانتقالية بـ”الإنصاف المناطقي”، والتي لم تُترجم إلى مشاريع ملموسة في المناطق المهمّشة.

وتتفاقم المفارقة بالنظر إلى حلب، العاصمة الصناعية التاريخية للبلاد، والتي كانت تنتج أكثر من 60 بالمئة من الناتج الصناعي السوري قبل اندلاع الحرب، لكنها لم تنل سوى خمسة مشاريع فقط، جميعها صغيرة أو متوسطة، دون أي مشروع استراتيجي ضخم يعيد لها دورها الإنتاجي أو التصديري، بحسب بيانات اتحاد غرف الصناعة.

رسم بياني يقارن بين حصة المحافظات بعدد المشاريع- تم إنشائه بواسطة الذكاء الاصطناعي

أما على صعيد القطاعات، فقد جاءت الاستثمارات الجديدة منقوصة في رؤيتها للبنية الإنتاجية المستدامة، إذ لم تحظَ الصناعة سوى بـ8 بالمئة من إجمالي الاستثمارات، معظمها مخصص لإعادة تأهيل منشآت قائمة داخل دمشق وريفها، وليس لإنشاء مصانع جديدة في المناطق المتضررة.

في حين تراجعت الزراعة إلى ما يشبه الإقصاء، إذ لم تتجاوز نسبة الاستثمارات المخصصة لهذا القطاع 1.3 بالمئة فقط، رغم أنه كان يشكل نحو ربع الناتج المحلي السوري تاريخيًا، ويلعب دورًا حيويًا في تحقيق الأمن الغذائي وتثبيت السكان في الريف.

تحذيرات من هجرة داخلية جماعية

وفق تقرير صادر عن البنك الدولي نُشر في حزيران/ يونيو 2025، فإنه حذر من أن التمركز الاستثماري في العاصمة دمشق يؤدي إلى رفع معدلات الهجرة الداخلية بنسبة 17 بالمئة سنويًا، مؤكدًا أن المناطق المحرومة تفقد ما يقرب من 40 بالمئة من شبابها المؤهلين الذين يهاجرون إلى دمشق أو خارج البلاد بحثًا عن فرص عمل أو بيئة معيشية أكثر استقرارًا.

 وهو ما يهدد بإفراغ المناطق الريفية والشرقية من طاقاتها البشرية، ما يكرّس التفاوت التنموي ويقوّض جهود التعافي الشامل، كما يعكس هذا التركيز الجغرافي استراتيجية واضحة لتقليل المخاطر الاستثمارية عبر المناطق المأمونة نسبيًا، لكنّه يثير تساؤلات حول إحراز تقدم ملموس في مناطق مثل حلب، دير الزور، إدلب، والرقة، حيث تستمر أصول البنية التحتية في الانهيار.

ورغم غياب البيانات الحكومية الرسمية التي توضح جدول تنفيذ المشروعات في دمشق، إلا أن الحكومة الانتقالية تُصر على أن المرحلة الحالية تقتصر على العاصمة لأسباب تتعلق بالأمن وجذب استثمارات عاجلة، في ظل مخاوف داخلية من إعادة إنتاج “اقتصاد النخبة”، وإهمال العدالة الجغرافية والمجتمعية.

كما لم تُدرج خطط لإشراك المجتمعات المحلية أو دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ما يجعل الاستثمارات الفاخرة تخدم طبقة محدودة، بينما يستمر الفقراء في الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

هذا الأمر ترك تساؤلات عدة حول ما إذا كانت هذه التنمية التي تسعى لها الإدارة الحالية، وما إذا كان يعد تمويلًا لمحفظات المستثمرين في العاصمة، بينما المدن الأخرى تُركت لأطول فترة من الاعتماد على الإغاثة الطارئة والتشرد الداخلي؟.

تخوف سعودي من عقوبات “قيصر”

في تصريح خاص أدلى به مسؤول رفيع في مصرف سوريا المركزي لموقع “الحل نت”، كشف أن الاستثمارات السعودية التي جرى الإعلان عنها مؤخرًا لن تمر عبر القنوات المالية أو المؤسسات الرسمية السورية، بل سيتم تحويل الأموال بالكامل ضمن المنظومة المؤسسية السعودية، من شركات وبنوك ومؤسسات خاصة، دون المرور بمصرف سوريا المركزي أو بأي من البنوك المحلية.

أوضح المصدر أنّ هذا الترتيب تمّ التوافق عليه خلال الاجتماعات الفنية بين الطرفين، نتيجة ما وصفه بـ”التحفظ السعودي المستمر إزاء مخاطر العقوبات”، في إشارة مباشرة إلى التخوّف من إمكانية توسيع أو تمديد مفاعيل قانون “قيصر” الأميركي، رغم عدم سريانه بشكل مباشر على المملكة.

أجازت لجنة الخدمات المالية في مجلس النوّاب الأميركي يوم 23 تموز/ يوليو الجاري، مشروع قانون لتعديل “قانون قيصر” بدلًا من إلغائه، تحت عنوان “قانون محاسبة العقوبات على سوريا” حيث صوّت على مشروع القرار 31 نائبًا في حين عارضه 23 نائبًا.

وفيما يتعلق بآلية التوظيف في المشاريع المعلنة، أكد المصدر أن الشركات السعودية اشترطت التمتع بكامل الحرية في اختيار الكوادر العاملة، بما في ذلك استقدام عمالة من خارج سوريا أو الاعتماد على شبكات محلية غير مرتبطة بترشيحات الحكومة السورية.

سيطرة سعودية و”تسليم” سوري غير مشروط

أضاف المسؤول أن ما يسمى بـ”معايير التنوّع المجتمعي”، والتي كانت الحكومة الانتقالية السورية قد اقترحت إدراجها لضمان تمثيل عادل لمختلف المناطق والمكونات، لم تلقَ قبولًا من الجانب السعودي، الذي أصرّ على استقلالية الشركات في إدارة عملياتها التشغيلية واللوجستية داخل سوريا.

أشار المسؤول إلى أن الموافقة الرسمية من دمشق على هذه الترتيبات لم تكن ثمرة تفاهم اقتصادي أو فني حقيقي، بل جاءت مدفوعة برغبة الحكومة في تسجيل ما وصفه بـ”نصر سياسي معنوي”، يعكس انفتاحًا خارجيًا جديدًا، ولو على حساب السيادة الاقتصادية والمؤسسية.

وتابع قائلًا: “دمشق لم تكن في موقع تفاوضي قوي، بل تنازلت عن معظم الشروط التنظيمية والرقابية كي لا تخسر ما تعتبره ورقة رمزية بوجه العزلة الغربية”، مختتمًا تصريحه بالتأكيد أن “ما يحدث ليس شراكة استراتيجية بقدر ما هو تقاطع مصالح مؤقت”.

دلالة سياسية

من جهته شدد أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتور مجدي الجاموس، في حديث خاص لـ”الحل نت“، على أن المنتدى الاستثماري السوري السعودي، يتجاوز بُعده الاقتصادي الظاهر، ليحمل دلالة سياسية واضحة تُعلن عن عودة سوريا التدريجية إلى الحضن العربي، ممثلًا بالمملكة العربية السعودية.

 واعتبر أن تشكيل مجلس أعمال مشترك بخطة خمسية، يؤكد احتضان الرياض للحكومة السورية الجديدة، واعترافها الضمني بشرعيتها، كما يعكس تبني المملكة لمرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري.

غير أن الدكتور الجاموس يرى أن هذه المبادرة، رغم ما تحمله من وعود اقتصادية، لا يمكن فهمها إلا ضمن إطارها السياسي الأوسع، إذ جاءت كردّ مباشر على اهتزازات شهدتها البلاد، سواء في السويداء أو الساحل أو في سياق المفاوضات المستمرة مع قسد، والتي أظهرت، بحسب تعبيره، عجز السلطة عن تشكيل بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة.

وأوضح الجاموس أن تمركز المشروعات المُعلنة في العاصمة دمشق لم يكن أمرًا عشوائيًا، بل يعكس توجهًا سياسيًا لتكريس مركزية القرار، وطمأنة الحلفاء والداعمين إلى استقرار العاصمة كقلب الحكم الجديد، فرغم أهمية بعض المشروعات الخدمية، كدعم الزراعة والصناعات التحويلية والتعليم والخدمات المالية، فإن تأثيرها المتوقع على معيشة المواطن السوري سيكون محدودًا، في ظل هشاشة البنية التحتية وضعف البيئة التشريعية والاستثمارية في البلاد.

غياب العدالة الاستثمارية

أكد الجاموس أن الحديث عن استثمارات مجدية يتطلب ما هو أعمق من النوايا، بدءًا من ترميم بنى الكهرباء والمياه، وصولًا إلى تشكيل بيئة قانونية واضحة ومحفزة، قبل التفكير بجذب المستثمرين الأجانب.

وانتقد الجاموس غياب مشروعات حيوية في قطاعات الماء والطاقة، التي تعد السعودية رائدة فيها إقليميًا، واعتبر أنه كان من الأجدى إطلاق مشاريع لتحلية المياه أو إمداد سوريا بالنفط والغاز، كما اقترح إنشاء مصرف سعودي سوري مشترك قادر على استيعاب تدفق رؤوس الأموال بالعملة الأجنبية، مما من شأنه تعزيز قدرات القطاع المالي السوري، ومنح البنك المركزي أدوات فعالة لتثبيت سعر الصرف، وضبط السوق النقدية.

وذهب أبعد من ذلك، مشددًا على أن العنوان الحقيقي لهذا المنتدى هو إعادة الثقة بالاقتصاد السوري، لا تحفيزه فوريًا، مشيرًا إلى أن الحكومة تراهن على أن يؤدي النجاح في العاصمة إلى خلق نموذج يمكن تعميمه لاحقًا على باقي المحافظات.

تعميق الفجوة الاقتصادية بين المحافظات

 لكنه نبّه إلى أن هذه الفرضية محفوفة بالمخاطر، إذ قد يترتب على ذلك تعميق الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين دمشق وبقية المحافظات، لا سيما تلك التي تعرضت للدمار، مثل دير الزور والرقة وحلب.

واعتبر أن الاعتماد على مشروعات عقارية ضخمة كرمز للنهضة، مثل “برج الجوهرة” أو “أبراج دمشق”، يفضح انحيازًا طبقيًا في الرؤية الاقتصادية، فهذه المشاريع موجهة لفئة صغيرة جدًا من السوريين، ولا تعني شيئًا لغالبية الشعب الذي يعاني من تدني الأجور وارتفاع كلفة المعيشة.

وبحسب بيانات برنامج الغذاء العالمي، هناك 9.1 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ويعيش أغلبية السكان تحت خط الفقر، كما يُشار إلى أن متوسط الدخل اليومي يكفي لتغطية أقل من خمس الاحتياجات

بينما ترتفع تكلفة المعيشة ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الماضية عند المقارنة، تبقى مشاريع الفنادق والمراكز الترفيهية الكبرى في دمشق ذات أثر محدود على الأكثر، وسط حاجة ماسة لمشروعات تعيد تشغيل الزراعة، الكهرباء، التعليم والمياه في المناطق المنكوبة.

تحذيرات من التحول إلى “القاهرة السورية”

لفت الجاموس إلى أن العاصمة تحظى بأفضل بنية تحتية نسبيًا، لكنها لا يمكن أن تكون وحدها مركزًا لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، محذرًا من أن استمرار هذا التمركز سيؤدي إلى ما يشبه “القاهرة السورية”، أي إلى انفجار سكاني وهجرة داخلية ضخمة من المحافظات نحو دمشق.

وفي هذا السياق، شدد الجاموس على ضرورة اعتماد مقاربة “الاقتصاد المناطقي”، والتي تقوم على دعم كل محافظة بحسب مواردها وميزاتها، فالسويداء، على سبيل المثال، تشتهر بزراعة التفاح والعنب، ودرعا بالقمح والزراعة، والساحل بالحمضيات والسياحة، داعيًا إلى وضع خارطة استثمارية وطنية تنموية واقعية، تُشجع الاستثمارات المحلية والخارجية في المحافظات، لا فقط في دمشق.

وختم الجاموس تصريحه بدعوة واضحة للحكومة إلى العمل على ثلاثة مسارات متوازية، أولاً، ترميم البنية التحتية في جميع المحافظات بما يتيح العدالة الاستثمارية، ثانيًا، تشجيع رؤوس الأموال السورية المحلية والمهاجرة على الاستثمار في مناطقهم، وثالثًا، بناء إطار قانوني وتشريعي يطمئن المستثمرين، ويؤسس اقتصاد متماسك تنمويًا وجغرافيًا.

وأكد أن نجاح أي تجربة اقتصادية حقيقية، لا يتحقق بالرسائل السياسية، بل برؤية متكاملة تنبثق من حاجات المجتمع السوري وتوزيعها العادل عبر الجغرافيا، مشددًا على أن سوريا لا تُبنى من العاصمة وحدها، بل بأيدي أبنائها في كل شبر منها.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم