يبدو أن الرؤية الأميركية تجاه سوريا ثابتة في خطوطها العريضة، إذ يجدد المسؤولون الأميركيون التأكيد بين الحين والآخر على أن مستقبل البلاد مرهون بمشاركة جميع المكونات في قيادتها.
وترى واشنطن أن هذا المسار يمثل إحدى الركائز الأساسية لإعادة إعمار سوريا ونهضتها، بما يجنبها من الوقوع في حروب وصراعات جديدة.
وفي هذا الصدد، أكد نائب مساعد الرئيس الأميركي والمدير الأول لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، سيباستيان غوركا، أن مستقبل سوريا مرتبط بالتوافق الإقليمي وبمشاركة جميع المكونات في قيادة البلاد، محذرا من أن النزعات الانفصالية قد تدفع نحو حرب أهلية جديدة.
شروط استقرار سوريا
وجاءت تصريحات غوركا خلال ندوة في مركز السلام والأمن بالشرق الأوسط التابع لمعهد “هادسن“، أمس الثلاثاء، حيث أوضح أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عرضت على الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع خطة لإعادة إعمار سوريا بتمويل سعودي وتركي وقطري، واصفا ذلك بأنه “فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الدولة السورية” رغم صعوبة التحديات.
وشدد غوركا على أن ضمان وحدة سوريا واستقرارها يتطلب تمثيل جميع المكونات الطائفية في دمشق، بما يحمي التنوع السوري ويفتح ويضمن وحدة البلاد واستقرارها.
وأوضح نائب مساعد الرئيس الأميركي والمدير الأول لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، أن الإدارة الأميركية تسعى إلى دعم الحكومة السورية الجديدة في جهودها لمكافحة الإرهاب ومنع تكرار المجازر بحق أي مكون سكاني، مؤكدا أن ذلك يتم بالتنسيق المباشر مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك.
وقال غوركا خلال الندوة، إن الهدف الأميركي هو “ضمان عدم تكرار مشاهد المذابح اليومية في السويداء أو اللاذقية أو غيرها من المناطق”.
ووفق وجهة نظر غوركا، فإن التوصل إلى صيغة توافق بين الأطراف الإقليمية، خاصة تركيا والسعودية وقطر، شرط أساسي لتحقيق الاستقرار في سوريا، مشيرا إلى أن بلاده تعمل على تعزيز التفاهم بين إسرائيل وتركيا حول مستقبل البلاد.
كما رأى أن أي حل لا يمكن فرضه “بالأوامر والتعليمات”، بل يتطلب قدرا من التوافق بين جميع الأطراف المعنية.
واعتبر أن قطع طريق الإمداد الإيراني عبر سوريا يمثل أحد أعظم الإنجازات الاستراتيجية لإسرائيل خلال العقد الماضي، إذ ساهم بشكل كبير في تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.
هذا واستقبل أحمد الشرع، أمس الثلاثاء، وفدا من “الكونغرس” الأميركي يضم أعضاء من مجلسي الشيوخ والنواب، بحضور وزيري الخارجية والداخلية السوريين.
وتأتي الزيارة بعد أيام من لقاء الشرع بالنائب الأميركي إبراهيم حمادة، الذي قام برحلة غير مسبوقة من القدس إلى دمشق، دعا خلالها إلى تطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل والانضمام لاتفاقيات أبراهام.
ويرجح أن تكون زيارة الوفد مرتبطة ببحث ملف التطبيع ورفع العقوبات عن دمشق مقابل تعهدات الشرع بمحاربة الإرهاب، وسط تأكيدات أميركية على متابعة التزام الحكومة السورية بتعهداتها.
وكان حمادة قد أجرى في وقت سابق اتصالا مع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي. وأشار إلى أن قوات “قسد”، التي تضم أكثر من 100 ألف مقاتل من العرب والأكراد والمسيحيين، تعد جزءًا أساسيا من مستقبل سوريا، إذ أسهمت على مدى أكثر من عقد في تأمين مناطق واسعة من شمال شرق البلاد، وأرست نموذج حكم لا مركزي يضمن حماية الأقليات، من مسيحيين وعرب وأكراد وغيرهم.
وتسعى قوات “قسد”، وفق عحمادة، إلى إيجاد الوقت والمساحة لتعزيز إطار الحكم الشامل في العملية الانتقالية في سوريا.
رؤية “البنتاغون” لدمشق و”قسد”
وفي سياق ذي صلة، كشف تقييم أعدته وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لصالح أعضاء “الكونغرس”، أن “الجيش السوري الجديد” التابع لقيادة السلطات الانتقالية لا يمتلك بنية جيش نظامي متماسك، بل يعتمد على تحالف هش ومجزأ يضم قيادات من “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا) وعددا من الميليشيات السنية المتطرفة.

وبحسب التقرير المنشور مؤخرا، فإن مجموعات مصنفة خطيرة من قبل واشنطن، مثل تنظيم “حراس الدين” -رغم إعلان حلّ نفسه عقب سقوط نظام بشار الأسد- استعادت نفوذا ملحوظا في دمشق، وتواصل التأثير في تشكيل سياسات الحكومة الانتقالية، رغم الخلافات السابقة بينها وبين “هيئة تحرير الشام”.
التقييم المطوّل، الذي يتكون من نحو 70 صفحة، لخصته الإعلامية المقيمة في واشنطن هديل عويس، وأشارت فيه إلى أن “البنتاغون” أبدى حذره من توسيع سلطات الحكومة الحالية أو زيادة مواردها.
ويرجح “البنتاغون” من أن تؤدي هذه الرؤية إلى تعزيز نفوذ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق البلاد، ومنحها استقلالية أكبر من أي وقت مضى.
ويشير التقرير إلى أن هذا الموقف يمثل تحولا عن توجهات سابقة في “وزارة الدفاع الأميركية” و”الخارجية الأميركية” و”مكتب الأمن القومي الأميركي”، التي كانت تدعم فكرة دمج “قسد” مع دمشق -حتى في عهد الأسد- لتخفيف عبء حمايتها من التهديدات التركية.
كما خلص التقييم إلى أن الحفاظ على “قسد” يخدم مصالح الأمن القومي الأميركي، وأن إسرائيل تميل بشكل متشدد نحو توسيع منطقة الأمان على حدودها مع سوريا، وربما السيطرة على أجزاء من الجنوب السوري، بما يجعلها على مقربة من العاصمة دمشق.
ويثير التقرير مخاوف داخل “الكونغرس” من أي تخفيف للعقوبات المفروضة على دمشق، ما يجعل من الصعب على الإدارة الأميركية تجديد الاستثناءات أو السماح بتنفيذ مذكرات التفاهم الاقتصادية التي وقعتها دمشق مع بعض الدول.

