قدّمت الحكومة الانتقالية السورية عملية استبدال العملة باعتبارها خطوة لتنظيم التداول النقدي وتحديث الأوراق المتداولة، إلا أن الأيام الأولى التي أعقبت انتهاء المهلة الرسمية كشفت عن تحديات ميدانية غير متوقعة، كان أبرزها نقص تداول العملة الجديدة في بعض المناطق، ولا سيما في مدينة القامشلي، الأمر الذي انعكس مباشرة على قدرة المواطنين على شراء الوقود، رغم امتلاكهم الأموال اللازمة.
وتزامنت هذه التطورات مع إعلان مصرف سوريا المركزي منح مهلة إضافية تمتد حتى السادس من آب لاستبدال الأوراق القديمة عبر المصارف وفروع المؤسسة السورية للبريد دون رسوم أو عمولات، بعد أن كانت العملة القديمة قد فقدت قوتها الإبرائية اعتباراً من 31 تموز.
أزمة سيولة تشل حركة الوقود
أظهرت الأزمة كيف يمكن لنقص السيولة النقدية من فئة معينة أن يتحول إلى عائق أمام النشاط الاقتصادي اليومي، إذ بات عدد من محطات الوقود في القامشلي يشترط الدفع بالأوراق النقدية الجديدة فقط، في حين لا يزال جزء كبير من السكان يتقاضون دخولهم أو يحتفظون بمدخراتهم بالعملة القديمة، ما خلق فجوة بين ما يملكه المواطن وما يمكنه استخدامه فعلياً في السوق.
وكان قطاع النقل أول المتأثرين بهذه الأزمة، إذ يعتمد سائقو سيارات الأجرة على إيرادات يومية يحصلون عليها من الركاب، بينما وجد كثير منهم أنفسهم عاجزين عن شراء البنزين مع نهاية يوم العمل بسبب رفض بعض المحطات قبول الأوراق القديمة.

ويقول عدد من السائقين إن الركاب ما زالوا يسددون أجور النقل بالعملة القديمة نتيجة محدودية انتشار الإصدار الجديد، الأمر الذي يجعلهم يحملون مبالغ لا يستطيعون استخدامها لتعبئة الوقود اللازم لاستمرار عملهم في اليوم التالي.
ولا تقتصر المشكلة على محطات الوقود، بل تمتد إلى سوق الصرافة أيضاً، حيث يشكو مواطنون من صعوبة استبدال العملة القديمة، في ظل امتناع بعض محال الصرافة عن إجراء عملية الاستبدال المباشر، وربط الحصول على العملة الجديدة بعمليات تصريف الدولار أو بشروط إضافية، ويؤدي هذا الواقع إلى زيادة الضغط على أصحاب المهن اليومية الذين يحتاجون إلى سيولة نقدية جديدة بشكل عاجل لتسيير أعمالهم.
أموال موجودة.. لكنها غير قابلة للاستخدام
تتكرر الصورة نفسها لدى أصحاب السيارات الخاصة، ولا سيما المركبات العاملة على المازوت، إذ اضطر بعضهم إلى التنقل بين أكثر من محطة وقود بحثاً عن جهة تقبل ما بحوزتهم من العملة القديمة، قبل أن يصطدموا برفض متكرر، رغم امتلاكهم القيمة الكاملة للوقود المطلوب.
ويقول متضررون إن المشكلة لا تكمن في نقص الأموال، وإنما في عدم قدرة تلك الأموال على أداء وظيفتها الأساسية كوسيلة للدفع، في وقت لم تنتشر فيه العملة الجديدة بالقدر الكافي داخل الأسواق.
في المقابل، يؤكد أصحاب محطات الوقود أن امتناعهم عن قبول الأوراق القديمة لا يعود إلى قرار فردي، وإنما إلى طبيعة العلاقة مع موردي المحروقات موضحين أن شحنات البنزين والمازوت الواردة من مصافي بانياس تسدد قيمتها بالعملة الجديدة، الأمر الذي يجعل قبول كميات كبيرة من الأوراق القديمة يضعهم أمام صعوبة حقيقية في إعادة تدوير السيولة أو استبدالها، خصوصاً مع القيود التي يفرضها بعض الصرافين على عمليات التحويل.
وتكشف هذه التطورات عن تحدٍ أوسع يواجه عملية الانتقال بين إصدارين نقديين، إذ إن نجاح أي عملية استبدال لا يتوقف عند سحب الأوراق القديمة من التداول، بل يرتبط أيضاً بقدرة السلطات النقدية على ضخ كميات كافية من الإصدار الجديد في جميع المناطق وبوتيرة تتناسب مع احتياجات السوق. فوجود أوراق نقدية قانونية لكنها غير متوافرة بما يكفي قد يؤدي إلى تعطيل جزء من النشاط الاقتصادي، حتى وإن بقيت السلع والخدمات متاحة.
اختبار حقيقي لنجاح الاستبدال
كما تعكس الأزمة أهمية التنسيق بين السياسة النقدية والقطاعات الخدمية، ولا سيما قطاع المحروقات الذي يمثل عصباً للنقل والإنتاج، فحين تختلف قواعد التعامل بين المواطنين ومقدمي الخدمات والموردين، تتحول عملية الاستبدال إلى عبء على النشاط الاقتصادي بدلاً من أن تكون خطوة تنظيمية سلسة، وهو ما يفسر المطالب المتزايدة بتوسيع نقاط الاستبدال، وزيادة ضخ العملة الجديدة، أو السماح بقبول الأوراق القديمة في بعض القطاعات الحيوية طوال المهلة الإضافية التي أعلنها المصرف المركزي.

وفي ظل استمرار المهلة الاستثنائية، يترقب المواطنون ما إذا كانت الأيام المقبلة ستشهد تحسناً في توزيع العملة الجديدة وإنهاء الاختناقات التي ظهرت في بعض المحافظات، أم أن أزمة السيولة ستستمر في إرباك المعاملات اليومية.
وبينما يؤكد مصرف سوريا المركزي أن هدفه هو استكمال عملية الإحلال النقدي بصورة منظمة، فإن نجاح هذه العملية لن يقاس بنسبة الأوراق المستبدلة فحسب، وإنما بقدرتها على ضمان استمرار حركة الأسواق دون أن يتحول نقص الإصدار الجديد إلى عائق أمام شراء أبسط الاحتياجات، وفي مقدمتها الوقود الذي تعتمد عليه حركة النقل والنشاط الاقتصادي اليومي.
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً

