محكمة دستورية جديدة بمرسوم رئاسي… من سيراقب استقلاليتها؟

أصدر الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع مرسوماً بتشكيل المحكمة الدستورية العليا، في خطوة تندرج ضمن استكمال بناء مؤسسات المرحلة الانتقالية وإعادة هيكلة السلطة القضائية بعد سقوط نظام الأسد.

وتكتسب المحكمة أهمية خاصة باعتبارها الجهة المخولة بالنظر في دستورية القوانين والبت في النزاعات الدستورية، ما يجعلها إحدى أهم أدوات الرقابة على عمل السلطات العامة. غير أن آلية تشكيلها تثير تساؤلات تتعلق بمدى استقلالها، خاصة أن أعضاءها جرى تعيينهم بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية نفسه وهي الطريقة ذاتها التي كانت متبعة في تعيين المحكمة زمن النظام السابق.

التشكيلة الجديدة

ونص المرسوم رقم 149 لعام 2026 على تعيين الدكتور عصام خالد الخليف رئيساً للمحكمة الدستورية العليا، إلى جانب 6 أعضاء هم القاضي المستشار خير الله نديم غنوم، والقاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، والقاضية المستشارة إيمان أنطوان نوري، والدكتور إسماعيل حمادي الخلفان، والدكتورة ريعان حسن كحيلان، والمحامي عارف أحمد الشعال.

وقالت الرئاسة إن المرسوم يأتي في إطار استكمال تشكيل المحكمة الدستورية العليا بصفتها الجهة المختصة بالنظر في دستورية القوانين والبت في المسائل الدستورية وفق القوانين النافذة.

نص المرسوم رقم 149 لعام 2026. (سانا)

ويأتي الإعلان عن التشكيلة دفعة واحدة من دون نشر تفاصيل حول إجراءات الاختيار أو المداولات التي سبقت إصدار المرسوم، في وقت يرى فيه مختصون أن شفافية آليات التعيين تعد أحد العناصر الأساسية لتعزيز الثقة بالمؤسسات القضائية العليا.

صلاحيات واسعة

وتعد المحكمة الدستورية العليا أعلى هيئة قضائية دستورية في البلاد، إذ تتولى الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم والقرارات ذات الصلة بالشأن الدستوري. وبموجب الإعلان الدستوري، يتولى رئيس الجمهورية تعيين رئيس المحكمة وأعضائها، ما يمنح السلطة التنفيذية دوراً مباشراً في تشكيل المؤسسة المكلفة بمراقبة دستورية التشريعات والقرارات الصادرة عن الدولة. كما يأتي تشكيل المحكمة قبل صدور قانون خاص ينظم آليات عملها واختصاصاتها بصورة تفصيلية، رغم أن الإعلان الدستوري أحال هذه المسائل إلى قانون لاحق.

ويأتي تشكيل المحكمة الدستورية في وقت لم تبدأ فيه مؤسسات دستورية أخرى أداء مهامها بعد، وفي مقدمتها مجلس الشعب الذي شُكّل عبر التعيين ولم يعقد جلسته الأولى حتى الآن. ويرى منتقدون أن تركز صلاحيات تشكيل المؤسسات الأساسية بيد الرئاسة يثير تساؤلات حول فعالية منظومة الرقابة والتوازن بين السلطات خلال المرحلة الانتقالية.

محكمة مماثلة لنظام الأسد

ولا تبدو آلية تشكيل المحكمة مختلفة عن تلك التي كانت قائمة في عهد بشار الأسد. فدستور عام 2012 منح رئيس الجمهورية صلاحية تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا بمرسوم، وهي الآلية نفسها التي تعرضت لانتقادات متكررة من قبل قانونيين ومنظمات حقوقية أبرزها الشبكة السورية لحقوق الإنسان والتي اعتبرت ألية تعيين أعضاء المحكمة الدستورية تجسيداً صارخاً للديكتاتورية، لأن استقلال المحكمة يصبح موضع شك عندما تكون السلطة الخاضعة لرقابتها هي الجهة التي تختار أعضاءها.

ولم تقتصر الانتقادات الموجهة للمحكمة الدستورية العليا في عهد الأسد على طريقة تشكيلها، إذ شملت أيضاً غياب دورها الرقابي. فعلى الرغم من اتساع صلاحياتها المنصوص عليها في دستور 2012، لم تُعرف المحكمة بإصدار أحكام بارزة أبطلت قوانين أو مراسيم ذات طابع سياسي، بينما اعتبر باحثون ومنظمات حقوقية أن آلية تعيين أعضائها من قبل رئيس الجمهورية، إلى جانب القيود المفروضة على الطعن بعدم الدستورية، أضعفت قدرتها على أداء دورها كجهة مستقلة للفصل في النزاعات الدستورية.

وخلال سنوات حكم الأسد، لم يكن الطعن بعدم دستورية القوانين متاحاً بصورة مباشرة أمام الأفراد، بل كان يمر عبر المحاكم الناظرة بالدعاوى، التي تمتلك صلاحية قبول إحالة الدفع الدستوري إلى المحكمة العليا أو رفضه، وهو ما اعتبره قانونيون أحد العوامل التي حدّت من فاعلية الرقابة الدستورية عملياً.

ورغم التغيير السياسي الذي شهدته سوريا خلال الأشهر الماضية، فإن تشكيل المحكمة الدستورية ما زال قائماً على التعيين الرئاسي المباشر، ما يضع المؤسسة الجديدة في دائرة التشكيك بخصوص قدرتها على ممارسة دورها الرقابي باستقلالية، خاصة وأنها مطابقة في تشكيلها للنموذج الذي ارتبط لعقود بتركيز السلطات بيد الرئاسة.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم