تتجاوز تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية التي اندلعت في شباط/ فبراير الماضي، حدود الصراع الميداني المباشر بين أطرافه وكذا ما يتصل به من ملفات أبرزها الاتفاق النووي، إذ بدأت تنعكس بصورة واضحة على مقاربة الولايات المتحدة للشرق الأوسط، لا سيما في سوريا ولبنان والعراق، حيث تتمركز أبرز أذرع طهران العسكرية والسياسية.
وتدشن الحرب خصوصاً مع استئناف الهجمات الأميركية مرحلة جديدة تتعلق بإعادة تشكيل البيئة الأمنية أو بالأحرى حلحلة هذه البيئة بخلاف ما كانت عليه خلال العقد الماضي تحديداً والذي شهد تنامي نفوذ القوى الميلشياوية لـ”الحرس الثوري” الإيراني في سوريا والعراق واليمن، في حين تسعى واشنطن من خلال التحولات الطارئة إقليمياً وعسكرياً إثر اندلاع الحرب وقبلها سقوط نظام بشار الأسد وزعزعة نفوذ “حزب الله” في لبنان إلى تقليص نفوذ الحلفاء الإقليميين لإيران بالمنطقة.
إعادة هندسة البيئة الأمنية بالمنطقة
فيما تكشف تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب اللقاءات التي جمعته أخيراً بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والرئيس اللبناني جوزيف عون، عن ملامح مقاربة مختلفة تتجاوز سياسة الضغط القصوى التقليدية، لتستهدف البنية الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقود الماضية. كما ركزت القمة الأميركية اللبنانية على تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني.

خلال السنوات الماضية، ركزت الإدارات الأميركية المتعاقبة على إضعاف القدرات الإيرانية عبر العقوبات الاقتصادية واستهداف البرنامج النووي. لكن الحرب الأخيرة، خصوصاً في سياق التحولات الإقليمية المتمثلة في سقوط نظام الأسد، الحليف لإيران، واندلاع حرب غزة إثر هجمات حركة “حماس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ضد إسرائيل، وانكشاف الدور الذي اضطلعت به الميليشيات في ما عُرف بـ”حرب الإسناد”، سواء في مرحلتها الأولى أو الثانية، جعلت واشنطن ترى أن الفرصة باتت مواتية لإضعاف إيران من خلال تقليص نفوذ وكلائها في المنطقة، واستثمار المتغيرات المختلفة. فالعواصم التي ارتهنت لنفوذ طهران، خصوصاً في بيروت وبغداد ودمشق، لم تعد كما هي.
وفيما يبدو أن الإدارة الأميركية تتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها فرصة لإعادة هندسة النظام الأمني الذي رافق تعظيم فرص طهران كلاعب إقليمي مؤثر، وذلك من خلال تمتين الدولة الوطنية في لبنان، كما يحدث مع الرئيس عون ورئيس الوزراء نواف سلام، واستعادة السيادة عبر حصر السلاح ونشر الجيش في الجنوب، ومن ثم الانخراط في مفاوضات مع إسرائيل لطي صفحة الحرب.
والأمر ذاته يضطلع به رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي. ومن اللافت أن القاسم المشترك بين بغداد وبيروت، في ما يخص رئاسة الحكومة، هو انتفاء صفة الطائفية السياسية والحزبية عن كل من الزيدي وسلام، وعدم تبعيتهما لطرف على حساب الآخر، بل تبني كل منهما أجندة وخطاباً وطنيين بالكلية.
واشنطن وتفكيك شبكة النفوذ الإيراني عبر دول المنطقة
كان الملف السوري الأكثر لفتاً للانتباه في تصريحات ترامب المتكررة مؤخراً، بعدما كشف أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع قدم له “تعهدات” تتعلق بـ”حزب الله”، قبل أن يوضح لاحقاً أن الشرع سيتعامل مع “الحزب” اللبناني والموالي لإيران “بطريقة مختلفة”، وأنه سيكون “أكثر دقة من الإسرائيليين”، في إشارة إلى مقاربة تعتمد العمل الأمني والسياسي بدلاً من العمليات العسكرية واسعة النطاق.
وتعكس هذه التصريحات تحولاً كبيراً في نظرة واشنطن إلى دمشق. فبعد سنوات كان الهدف الأميركي خلالها محصوراً في عزل النظام السوري السابق واحتواء الأزمة، تبدو الإدارة الحالية معنية بتحويل السلطة السورية الجديدة إلى شريك في إعادة ضبط الحدود مع لبنان، وإغلاق المسارات التي استُخدمت طويلاً لنقل السلاح والعتاد إلى “حزب الله”.
ويحمل ذلك بعداً استراتيجياً، إذ إن سوريا كانت تاريخياً الحلقة اللوجستية الأهم في شبكة النفوذ الإيرانية الممتدة من طهران إلى البحر المتوسط.
كذلك في بغداد، حمل لقاء ترامب مع رئيس الوزراء علي الزيدي في واشنطن رسائل لا تقل أهمية. فإعلان الحكومة العراقية أنها لن تسمح، بعد نهاية أيلول/سبتمبر المقبل، لأي جهة بحمل السلاح المتفلت وغير الشرعي خارج إطار الدولة، يتجاوز مجرد كونه إجراءً أمنياً داخلياً، بل هي بمثابة خطوة تستهدف الفصائل العراقية المسلحة المرتبطة بإيران، التي شكلت أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني داخل العراق منذ ما بعد عام 2003.
وليس ثمة شك في أنه، في حال نجحت بغداد في تنفيذ تعهداتها، فإن ذلك سيمثل ضربة مهمة لقدرة إيران على استخدام العراق كعمق استراتيجي وممر لوجستي نحو سوريا ولبنان.

وتكشف تصريحات الرئيس الأميركي ترامب، إلى جانب سلسلة اللقاءات التي عقدها في الأسابيع الأخيرة مع قادة سوريا والعراق ولبنان، عن ملامح استراتيجية أميركية جديدة تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، بفصل إيران سياسياً وأمنياً عن شبكاتها الخارجية، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران من خلال الحكومات المحلية نفسها.
التحالفات الدفاعية الجديدة
إذاً، تبدو جغرافيا الشرق الأوسط في لحظة عاصفة واستثنائية، على هامش الصراع السياسي والميداني بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وفي إطار الصراع بين “حزب الله” وإسرائيل، فضلاً عن مسارات التفاوض السياسي بين الأطراف المعنية، الأمر الذي يضع دول المنطقة أمام سؤال حاسم يتعلق بمسارات الاستقرار السياسي والأمني، ومحددات العلاقة الاستراتيجية بين دول المنطقة وإيران، في خضم هذه التوترات التي وضعت العديد من الدول في قلب الصراع وعلى عتبة تداعياته بكل صورها وأنماطها.
يمكن فهم اللقاء الذي جرى مطلع تموز/يوليو الجاري في البحرين، برعاية الولايات المتحدة وبمشاركة اثنتي عشرة دولة عربية، في سياق إقليمي بالغ التعقيد، حيث يتقاطع مع مسارات التفاوض المفتوحة بين واشنطن وطهران، كما يتقاطع مع ترتيبات ميدانية وسياسية لم تُحسم نتائجها بصورة نهائية حتى الآن، وتعد إيران طرفاً رئيساً في جميعها.
وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في بيان إنها قادت حواراً أمنياً إقليمياً استضافته قوة دفاع البحرين في الأول من تموز/يوليو، بمشاركة قادة دفاع إقليميين من 12 دولة، مضيفة أن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، وكبار المسؤولين العسكريين من البحرين، ومصر، والأردن، والكويت، ولبنان، وعُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وسوريا، والإمارات العربية المتحدة، واليمن، ناقشوا البيئة الأمنية الإقليمية الراهنة، وفرص تعزيز التعاون الدفاعي في جميع أنحاء المنطقة.
كما أكد القادة التزامهم المشترك بضمان التدفق الحر لحركة التجارة عبر مضيق هرمز. وقال كوبر: “نواصل الوقوف جنباً إلى جنب مع شركائنا الإقليميين”، مضيفاً أن “المناقشات أكدت التزامنا المشترك بالأمن والاستقرار الإقليميين”.
وكان يبدو جلياً أن الولايات المتحدة، ورغم الجلسات التي جرت مع إيران في باكستان وسويسرا، ثم اللقاءات الأخيرة في الدوحة، كانت تتحرك وفق مقاربة تجمع بين التفاوض وبناء أدوات الردع في الوقت ذاته، وهي معادلة أكدت أن مسارات السلام لا تمثل بالضرورة تراجعاً في الاستعدادات العسكرية، بل تسير بالتوازي معها.
والأمر نفسه ينسحب على الاتفاق المبدئي بين بيروت وتل أبيب، الذي لم يحسم حتى الآن وضع “حزب الله” بصورة كاملة خارج المعادلة الميدانية المرتبطة بإيران، خاصة أنه يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح “حزب الله”، ورفض الأخير وطهران لصيغته الحالية، وبالتالي هذا يعني أن الملفات الأكثر حساسية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.
لذا، تكتسب الحالة السورية أهمية مضاعفة في هذا السياق، ليس فقط بسبب انضمام دمشق، وربما بيروت أيضاً، إلى الإطار الدفاعي الذي تم التأكيد عليه خلال لقاء البحرين، وإنما كذلك في ضوء التطورات السياسية المتسارعة المحيطة بها. فالمحادثات بين سوريا وإسرائيل لم تعد مجرد تسريبات أو تكهنات، بل باتت تتكرر الإشارات إليها في أكثر من مناسبة، بالتوازي مع حرص الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تكرار الحديث عن دوره في وصول أحمد الشرع إلى سدة السلطة في سوريا، في رسالة تؤكد أن واشنطن لا تزال ترى نفسها اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم ملامح المشهد السوري.
ويضاف إلى ذلك الجدل المتصاعد بشأن احتمال اضطلاع سوريا بدور جديد في التعامل مع ملف “حزب الله” داخل لبنان، وهو ما يعكس أن الترتيبات الجارية لا تتوقف عند حدود إعادة تشكيل العلاقات السورية الإسرائيلية، وإنما تمتد إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة.
هل باتت هزيمة إيران قريبة؟
وبالعودة إلى اللقاء الأمني الذي حدث في البحرين، فقد جرى الإعلان عن إنشاء خلية تنسيق جديدة للدفاع الجوي في الشرق الأوسط، تتولى تبادل المعلومات والإنذارات المبكرة بشأن التهديدات وتعزيز الاستجابة للحالات الطارئة. وأوضح البيان أن هذا الإطار يأتي ضمن “حوار دفاعي” أُطلق في مطلع العام الجاري، وليس تحالفاً عسكرياً هجومياً، ويركز على تنسيق أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والتعاون الدفاعي بين الدول المشاركة.

ويُعد انضمام سوريا إلى هذا الحوار من أبرز المستجدات، إذ يثير تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه مستقبلاً، وما إذا كان ذلك سيمهد لتعزيز قدراتها في مجال الدفاع الجوي ضمن ترتيبات أمنية إقليمية تقودها الولايات المتحدة، خاصة في ظل التحولات الأمنية المتسارعة في المنطقة.
إذ إن هذا التكتل الدفاعي أيضاً يأتي في إطار دور تضطلع به كل من سوريا ولبنان، بحكم الجغرافيا، باعتبارهما مرتكزاً لحماية استباقية في مواجهة أي هجمات إيرانية محتملة في المنطقة، بما يحقق اكتمال المظلة الدفاعية التي تعمل الولايات المتحدة على بنائها في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، فإن التعاون بين الدول المنضوية تحت هذا التكتل لا يقتصر على حماية المنطقة ومن ضمنهم إسرائيل، وإنما يشكل أيضاً تحالفاً ميدانياً للتعامل مع أي سيناريو قد يتكرر فيه استهداف إيران لدول الخليج، كما حدث خلال فترات سابقة، سواء بصورة مباشرة أو عبر وكلائها، ولا سيما فيما يتعلق بمنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في دول الخليج، التي ظلت في قلب دائرة التهديدات الإيرانية خلال السنوات الماضية.
من هذا المنطلق، فإن هذا التكتل، الذي يقدم نفسه كإطار دفاعي عبر منظومات الدفاع الجوي وتبادل المعلومات والإنذارات المبكرة، يبدو في مضمونه جداراً عازلاً في مواجهة أي هجمات إيرانية محتملة في المنطقة، أو على الأقل وسيلة لاحتواء آثارها وتقليل قدرتها على إحداث اختراقات استراتيجية.
كما أن انضمام دول بعينها، مثل سوريا ولبنان، إلى هذا الإطار يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بطبيعة الأدوار الأمنية الجديدة التي قد يجري إعدادها خلال المرحلة المقبلة، في ظل شبكة متداخلة من التفاهمات السياسية والعسكرية التي لم تكتمل ملامحها بعد.
بالتالي، فإن سيناريوهات السيولة وعدم الاستقرار لا يمكن استبعادها على الإطلاق، حتى مع عودة مباحثات السلام والاتصالات السياسية بين واشنطن وطهران، لأن التجربة في الشرق الأوسط أثبتت مراراً أن التفاوض لا ينفي سيناريوهات التصعيد، بل قد يكون في كثير من الأحيان جزءًا من بنية الصراع وتطوره، وليس مدخلاً لإنهائه.
ولعل هذا ما يفسر أيضاً أن الولايات المتحدة لا تبدو منشغلة بإدارة أزمة الصراع مع إيران باعتبارها نسقاً منفرداً يتعلق بتضارب المصالح أو النفوذ بين دولتين في نقطة جغرافية شديدة الحساسية، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، بقدر ما تنظر إلى هذا الصراع باعتباره جزءًا من حالة أكبر وأعمق وأشمل ترتبط ببنية النظام الإقليمي والنظام الدولي، ورؤية واشنطن لمحددات هذا النظام وأنساقه الأمنية. ومن ثم، فإن ما يجري اليوم يدفع الولايات المتحدة نحو إعادة هندسة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، وإعادة ترتيب أنماط التحالفات العسكرية، بصورة تجعل أي مواجهة مستقبلية مع إيران أقل كلفة على البيئة الأمنية الإقليمية، وأكثر قابلية للاحتواء، سواء انتهت مسارات التصعيد الحالي إلى اتفاق وتسوية ما أو بقيت المنطقة في دوائر التصعيد الجاري.
في المقابل، فإن السذاجة السياسية قد تتموضع إذا ما استمرت طهران في مسارات الاقتناع بأنها “حققت انتصاراً ميدانياً وسياسياً” في الحرب الأخيرة، وأن من حقها فرض اعتباراتها وشروطها، دون الانتباه إلى مكر السياسة ودهاء الوقت، وإلى أن القوى الكبرى كثيراً ما تؤجل تحقيق أهدافها إلى زمن آخر يكون أكثر ملاءمة، من دون أن يعني ذلك التخلي عن تلك الأهداف، وإنما انتظار اللحظة التي تسمح بفرضها، ولو بعد حين.
