إيران في دير الزور: هل سيتكرر نموذج ضاحية بيروت الجنوبية في شرق سوريا؟

إيران في دير الزور: هل سيتكرر نموذج ضاحية بيروت الجنوبية في شرق سوريا؟
أستمع للمادة

تسعى إيران في دير الزور إلى توسيع نفوذها وهيمنتها، واستقطاب فئات اجتماعية متعددة من السكان المحليين. سواء في نشاطاتها العسكرية، عبر تنسيبهم للميلشيات الموالية لها. أو في عملها على الجانبين الديني والاجتماعي. من خلال عمليات التشييع، وعدد من النشاطات الثقافية والمدنية.

وفتح الحرس الثوري الإيراني مؤخراً، في مدينة البوكمال جنوبي دير الزور، باب التطوع للنساء، للانضمام لأعمال غير قتالية. وبحسب مصادر محلية من أبناء المنطقة فإن «الحرس الثوري أعلن عن حاجته لتطويع قرابة خمس وعشرين سيدة، للعمل في مجالات مدنية مثل التمريض. برواتب شهرية تصل إلى ثلاثمئة ألف ليرة سورية. ويتم التطويع من خلال منظمة “جهاد البناء” التابعة لـ”الثوري”. والعناصر المحليين من أبناء المنطقة».

لم تكن هذه هي المرة الأولى، التي تعلن فيها إيران في دير الزور، وسوريا عموماً، عن فتح باب التطوّع للنساء، للمشاركة بأعمال غير قتالية. فوفقًا لشبكة “دير الزور 24” الإعلامية المحلية، فإن «”ميلشيا القاطرجي”، التي يقودها “حسام قاطرجي”، أحد أمراء الحرب المدعومين إيرانياً، فتحت الباب أمام العنصر النسائي للتطوّع في صفوفها». كما تقول الشبكة فإن «المهمة التي ستوكل للنساء هي العمل مستخدمات ضمن غرف ومكاتب الميلشيا، المنتشرة بين حقول النفط في ريف دير الزور».

نشاطات متعددة

الصحفي “بشير العباد” أكد لموقع «الحل نت» أنه «أقيم مؤخراً في المحافظة حفل لتخريج ممرضات. حضرته شخصيات إيرانية بارزة». مضيفاً أنه «تم التعاقد مع الفتيات الخريجات للعمل في المشافي الميدانية. التابعة للميلشيات الإيرانية والحرس الثوري».

وبحسب “العباد” «لم تظهر بعد أبعاد ودلالات هذه الخطوة. نظراً لحداثتها. إلا أنها قد تشير إلى توسيع البيئة، التي تسعى إيران في دير الزور إلى استقطابها. ومدى تغلل أذرع “الحرس الثوري” في المحافظة».

من جانبه كشف الصحفي “فراس علاوي”، مدير تحرير موقع “الشرق نيوز”، المهتم بأخبار المنطقة الشرقية، عن «إعلان إيران في دير الزور عن الحاجة لمتطوعات، للإشراف على رياض الأطفال، إضافة لذلك التمريض».

إنشاء بؤر استيطانية لإيران في دير الزور

وعن دلالات تحركات إيران في دير الزور يرى “علاوي”، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «طهران تعتبر منطقتي البوكمال والميادين ركيزة أساسية لمشروعها في سوريا. لكونهما صلة الوصل بين حلفائها في العراق ولبنان. فمروراً من هاتين المنطقتين يمكن للعسكرين الإيرانيين الانتقال من الحدود الإيرانية حتى سواحل البحر المتوسط في لبنان».

متابعاً: «ربما توصلت القيادة الإيرانية إلى قناعة مفادها أن خروجها العسكري من سوريا قادم لا محالة. خاصة مع التسويات الأخيرة، التي تدخل بها الحكومة السورية. وإمكانية إعادة تعويمها دولياً. مقابل ابتعادها عن المحور الإيراني. ولذلك فإن طهران تعمل على إيجاد بؤر استيطانية لها، شبيهة بالضاحية الجنوبية في لبنان. وهذا جوهر العمل الاجتماعي والثقافي والديني، الذي تقوم به إيران في دير الزور».

ويتحدث الصحفي السوري عن «نجاح اقتصادي، حققته إيران في دير الزور. مع سيطرة الميلشيات التابعة لها على أسواق المحافظة. وبناء شبكة رجال أعمال محليين مواليه لها». إلا أنه يستدرك بالقول: «توجد عقبات جمّة تعترض المشروع الإيراني في الجانب الاجتماعي. نابعة من غياب حاضنة شعبية له. وللتغلّب على هذه العقبات يقوم “الحرس الثوري” بالتقرّب من المجتمع المحلي في دير الزور، عبر طرق عديدة. منها عقد علاقات مصاهرة مع بعض العائلات والعشائر الكبيرة في المنطقة. غير أن المجتمع المحلي غير مرحب بهذا المشروع».

كما يضيف “علاوي”: «يمكن استشفاف الرفض الشعبي لجهود إيران في دير الزور من مصير الخطوات الإيرانية الأخيرة لاستقطاب الأهالي. وآخرها الإعلان عن فتح باب التطوّع للنساء في مجالي التعليم والتمريض. والذي لم يلقَ قبولاً إلا من قلة من النساء. القادمات من عائلات ينتمي رجالها للميلشيات الإيرانية. ومليشيا “الدفاع الوطني”، الدائرة في الفلك الإيراني».

دور المركز الثقافي الإيراني في دير الزور

ويشير تقرير صادر عن “مركز حرمون للدراسات المعاصرة” بعنوان “الدور الإيراني في إعادة هندسة المجتمع السوري”، إلى أن «إيران في دير الزور دأبت على اختراق المجتمع بشكل مدروس. عبر نشاط مدني وخيري وخدمي، تقرّبت به من الأهالي، الذين وجدوا أنفسهم، بعد طرد تنظيم الدولة من المحافظة، في مواجهة انعدام شبه كامل للخدمات العامة. التعليمية والصحية والإغاثية. فضلاً عن توقف النشاط الاقتصادي في المحافظة، جراء الدمار الذي خلّفته الحرب».

كما يتابع التقرير: «ينشط المركز الثقافي الإيراني في دير الزور عبر الفعاليات الدعوية. وتشييع المدنيين. وتجنيد الشبان والمتخلفين عن الخدمة الإجبارية في القوات النظامية. كما ينظّم المركز، بتسهيلات من الميلشيات الإيرانية، بعثات دورية إلى إيران عبر العراق. بهدف تعزيز نشاط تعليم اللغة الفارسية، وتدريس المذهب الشيعي».

فيما يؤكد تقرير بحثي، نشره برنامج “مسارات للشرق الأوسط”، للباحث “زياد عواد”، عن «دور منظمة “جهاد البناء” والمركز الثقافي الإيراني، برئاسة “الحاج أبو صادق”، في النشاط المدني والمجتمعي في مناطق مختلفة من المحافظة. والذي استطاع بناء شبكة علاقات واسعة، تساهم في تعزيز وجود إيران في دير الزور. من خلال مشاريع مدنية. مثل التكريم الذي قام به المركز لخمسين يتيماً. بعد التعاون مع “جمعية النهضة النسائية” عام 2019».

مشروع إيران الامبراطوري يمرّ في دير الزور

المعارض الإيراني” مسعود محمد” أكد، في تصريحه لموقع «الحل نت»، أن «النظام الإيراني لا يمتلك قوة كافية بالمقارنة مع القوى الدولية الأخرى. وفي الوقت ذاته لديه مشروع إمبراطوري. يسعى لتحقيقه. مستخدماً في ذلك أموال الشعب الإيراني المنهوبة. لبناء حواضن شعبية. سواءً بالتغيير الديمغرافي المذهبي، أو بالتغيير الفكري. عن طريق ربط قوى مجتمعية بالمشروع الإيراني، رغم الاختلاف المذهبي».

فيما يشير “ضياء قدور”، الكاتب والباحث المختص في الشأن الإيراني، إلى «أهمية دير الزور عموماً، والبوكمال خصوصاً، للمشروع الإيراني التوسعي».

كما يضيف في حديثه لموقع «الحل نت»: «إيران في دير الزور تسعى لتعزيز سيطرتها. لأنها تعتبر هذه المحافظة منطقة نفوذ حصري لها. لذلك تقوم بالتغلغل العسكري والمدني والسياسي والثقافي. وضمن هذا السياق يأتي استقطاب النساء. في محاولة للتغيير المجتمعي، الذي يهدف لبناء الحواضن الشعبية المؤيدة لمشروع ولاية الفقيه».

مقالات قد تهمك: الوجود الإيراني في حمص: من المنتصر بالمعركة الإسرائيلية-الإيرانية على الأرض السورية؟

يذكر أن “أمير حسين عبد اللهيان”، وزير الخارجية الإيراني، قد تحدث، في أول زيارة له إلى دمشق، عن «ضرورة إحياء مضامين اتفاقيات ثقافية قديمة، لم يتم تنفيذها». في إشارة إلى اهتمام القيادة الإيرانية بتواجدها الثقافي في سوريا. بعد تواجدها العسكري. وبهذا المعنى فإن ممارسات إيران في دير الزور تأتي على رأس استراتيجية إيرانية شاملة فيما يتعلّق بالملف السوري.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات