الهجمات السايبرانية الروسية: هل بإمكان موسكو شل قطاعات حيوية في الدول الغربية؟

الهجمات السايبرانية الروسية: هل بإمكان موسكو شل قطاعات حيوية في الدول الغربية؟
أستمع للمادة

تثير الهجمات السايبرانية الروسية المحتملة قلقا كبيرا في الدول الغربية، إذ قد يقوم القراصنة الروس بهجمات إلكترونية، تخترق عددا من أهم المرافق الحيوية: الشركات المسؤولة عن إمداد الطاقة الكهربائية، المصارف وشركات التأمين، بل حتى المواقع العسكرية والمفاعلات النووية.

وكان الغزو الروسي لأوكرانيا القضية الأبرز، خلال المحادثات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، التي عقدت في باريس، في السادس عشر من شهر أيار/مايو الماضي، خلال الدورة الثانية لـ”مجلس التجارة والتكنولوجيا الأوروبي الأميركي”. إذ تأجلت المناقشات حول قانون الأسواق والخدمات الرقمية، وجرى التركيز على التخفيف من تداعيات الغزو الروسي على المستوى التكنولوجي.

وبحسب صحيفة “EURACTIV” فإن “الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وافقا على حظر تصدير معدات التكنولوجيا المتقدمة، التي لا تخضع لسيطرة متعددة الأطراف، ويمكن أن يكون لها استخدامات عسكرية محتملة، إلى روسيا وبيلاروسيا”.

ومجلس التجارة والتكنولوجيا الأوروبي الأميركي هو منصة دائمة لبروكسل وواشنطن، للالتقاء حول الموضوعات السياسية الرئيسية، المتعلقة بالتجارة العالمية والتكنولوجيات الناشئة، تم إطلاقها في أيلول/سبتمبر من العام 2012، وتهدف لأن تصبح منصة تبادل دائمة، لإيجاد أرضية مشتركة، بشأن التجارة الدولية والتقنيات الناشئة.

الآن، وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، تبدو روسيا متعثرة عسكريا، بسبب الدعم الاوروبي والأميركي الكبير للمقاومة الشرسة في أوكرانيا. وكان الخبراء الرقميون وخبراء الانترنت ينتظرون في البداية كثيرا من الهجمات السايبرانية الروسية، ومعركة معلوماتية ورقمية، قد تدمر البنية التحتية الحيوية لأوكرانيا، وتساهم بانتشار واسع لمعلومات مضللة، قد تحسم الحرب لصالح روسيا. لكن يبدو أن الحرب السايبرانية الروسية متعثرة بدورها أيضا.

فهل تعجز روسيا، التي سبق وأن قامت بهجمات سايبرانية فعالة في أستونيا وجورجيا، عن مهاجمة الفضاء السايبراني الأوكراني والأوروبي؟ أم أنها تضبط نفسها لعدم استفزاز دول الناتو؟ أم لعلها نفذت بالفعل عديدا من الهجمات، التي تصدى لها الخبراء الأوكرانيون، بمساعدة الغرب وأميركا؟

الهجمات السايبرانية الروسية التي تمت حتى الآن

قامت روسيا، قبل بدء عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا، بعدة هجمات سايبرانية، استهدفت مواقع للحكومة الأوكرانية، والأنظمة العسكرية للجيش الأوكراني. إلا أن تلك الهجمات لم يكن لها أي أثر يذكر، ربما لأنها لم تؤثر على منظومات الطائرات والدفاع الجوي الأوكرانية.

وجرت الهجمات السايبرانية الروسية السابقة وفق ثلاثة أساليب: حذف البيانات من الأجهزة الإلكترونية؛ وتحريف موقع الويب، لتشويه سمعة الجهات المستهدفة والسخرية منها؛ والهجمات التي تؤدي إلى رفض الخدمة، أي عدم حصول المستخدمين على ما يطلبونه من إجراءات على تلك المواقع. الأمر الذي وصفه خبراء بأنه “قواعد اللعبة المعتادة”، في إشارة إلى عدم تطور الخبرات السايبرانية الروسية، وسهولة التنبؤ بها، والتصدي لها.

إلا أنه منذ شباط/فبراير من العام الحالي، أدت الهجمات السايبرانية الروسية إلى قطع الاتصالات داخل أوكرانيا. واستهدفت أنظمة توليد وتوزيع الطاقة الكهربائية. وبحسب بحث منشور في جامعة جورج تاون الأميركية لشتيفان بلانك، الخبير الأميركي في شؤون روسيا والاتحاد السوفيتي، فإن “موسكو عزلت، خلال الفترة السابقة، مساحة المعلومات الروسية عن التأثير الخارجي. نظرا لأن النخب الروسية تعتقد أن فقدان الدعم الشعبي المحلي، خلال الحرب الشيشانية الأولى، كان عاملا رئيسيا في هزيمة روسيا في تلك الحرب. وقد عقدت العزم على منع حدوث ذلك مرة أخرى. لذلك سعى بوتين إلى إعادة التفكير في الحرب الحالية، وإعادة بناء جيش فعال. وبالفعل فقد انتصرت روسيا في كل حرب شاركت فيها منذ عام 2000. ويشهد استخدامها الناجح لحرب المعلومات، في جميع تلك الحروب، على تحسّن قدراتها في استخدام المعلومات والعمليات السايبرانية”.

إلا أن الخبير الأميركي يستدرك بالقول: “مع ذلك تظهر الحرب ضد أوكرانيا أنه من غير المرجح أن تمتلك روسيا قدرات إلكترونية كبيرة، وأن كل ما تباهت به وحاولت استعراضه، من امتلاكها أسلحة إلكترونية كبيرة الفاعلية وقليلة التكلفة، كان غير صحيح، لأن جميع هجماتها كانت محدودة الفعالية، ومن السهل جدا التصدي لها”.

ما مدى خطر الهجمات السايبرانية الروسية؟

من جهته يؤكد دلشاد عثمان، خبير الأمن السايبراني السوري المقيم في الولايات المتحدة، أن “روسيا ليست عاجزة عن شن هجمات سايبرانية ضد دول حلف الناتو. وتقوم حاليا بشن هجمات على بنى تحتية تخص أوكرانيا، أو دولا تناصر أوكرانيا في الصراع القائم حاليا”.

ويضيف، في حديثه لـ”الحل نت”، أن “الهجمات السايبرانية الروسية تتم ضد قطاع الدفاع والبنى التحتية. وقد يكون هنالك تعتيم إعلامي على الموضوع، أو أن البيروقراطية الأمنية الغربية تفضل عدم الحديث بكثرة حوله، لعدم حرق الدلائل، التي قد تسمح للجهات المستَهدفة بكشف هجمات أخرى”.

وحول قدرات روسيا في هذا المجال يؤكد عثمان أنها “تمتلك ترسانة سايبرانية متقدمة نوعا ما. وقامت بشن هجمات كبيرة سابقا، مثل تلك التي استهدفت البنية التحتية لتشغيل الطاقة الكهربائية في أوكرانيا عام 2015، وتسببت بقطع التيار الكهربائي لعدة ساعات، ونفذتها مجموعة اختراق تسمى Sandworm، تابعة لوحدة المخابرات العسكرية الروسية، المعروفة اختصارا باسم GRU“.

وعن التأثير المحتمل للهجمات السايبرانية الروسية يوضح عثمان أن “تلك الهجمات قد تتسبب بإيقاف قطاعات حيوية كاملة، مثل الطاقة والصحة. ولكن على الطرف الآخر تقوم الدول المساندة لأوكرانيا بتقديم دعم سايبرني، قد يبطئ هكذا هجمات، إلا ان احتمال حصولها ما يزال قائما بشكل كبير. لكون الهجمات السايبرانية تعتمد على النَفَس الطويل، في بناء وصول مستمر للبنى المستهدفة، قد يستغرق سنينا، ومن ثم يتم تفعيل الهجمات، بالوقت الذي يراه المهاجم مناسبا”.

ردود الفعل المحتملة على التصعيد السايبراني الروسي

مارك وارنر، السيناتور الأميركي الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، حذّر، منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، من أن “الهجمات السايبرانية الروسية المحتملة على البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا قد يكون لها آثار غير مقصودة على دول الناتو. وقد يتسبب هجوم إلكتروني روسي، على البنية التحتية للطاقة الأوكرانية، في انقطاع الخدمة في إحدى دول الناتو المجاورة، مثل بولندا. مما يعني، حسب المادة الخامسة من المعاهدة التأسيسية لحلف الناتو، أن ذلك سيكون هجوما على كل دول الحلف”.

بدورها تقول الباحثة جاكلين شنايدر، من معهد هوفر الاميركي للأبحاث، إن “هذا النوع من العمليات السايبرانية قد يعتبر تصعيدا، يجرّ الولايات المتحدة أو الناتو إلى صراع أوسع مع روسيا. ومن المؤكد أن بوتين، الذي يواجه حربا تقليدية يعتقد أنه قد يخسرها، يمكنه مهاجمة البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة، أو دول الناتو الأخرى، على أمل أن يدفع مواطنوها حكوماتهم للتخلي عن أوكرانيا”.

لكن شنايدر تؤكد أن “الجمهور الأمريكي ينظر إلى الهجمات الإلكترونية على أنها مختلفة نوعيا عن الوسائل التقليدية للحرب. بل يراها أقرب إلى العقوبات الاقتصادية منها إلى القنابل والصواريخ. وبالتالي من غير المرجح أن تثير الهجمات السايبرية الروسية استجابة عاطفية كبيرة بين الأميركيين، قد تدفع الولايات المتحدة، أو حلفائها في الناتو، إلى حرب شاملة ضد روسيا”.

وتشير إلى أن “الولايات المتحدة تستطيع تحمل الضرر قصير المدى، الذي قد يلحق ببنيتها التحتية الحيوية، في حال تعرضها لهجمة سايبرانية روسية، وقد يزيد ذلك من إصرار أميركا على دعم أوكرانيا”.

شكوك حول تنسيق الهجمات السايبرانية الروسية مع إيران و الصين

وبحسب تصريح لفيكتور روزا، نائب رئيس الخدمة الحكومية للاتصالات الخاصة وحماية المعلومات في أوكرانيا، فإن ”هناك هجمات سايبرانية ضد أوكرانيا، يمكن أن تنسب إلى دول أخرى غير روسيا وبيلاروسيا، فهناك عدوان مستمر على البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا. وعلى الرغم من أن غالبية الهجمات السايبرانية نفذتها جهات عسكرية روسية، وعصابات إجرامية إلكترونية، إلا أن بعضها لا يمكن أن يُنسب إلى روسيا. إننا ندرك وجود جهات فاعلة في إيران والصين، لكن ربما تكون عصابات إجرامية إلكترونية، تستخدم عمليات معقدة لتنفيذ هجمات إلكترونية”.

وحتى الآن يستبعد روزا “وجود تنسيق بين الجهات العسكرية الروسية في الفضاء السايبراني من جهة، وبين دول أخرى مثل إيران والصين من جهة أخرى، لعدم وجود الأدلة كافية”. ويرجّح أن تكون هذه الهجمات “عمليات صيد وتحري من قبل مجرمي الإنترنت في تلك البلدان”.

حلف الناتو يفتقر إلى قواعد اشتباك في الحرب السايبرانية

صحيفة “European Leadership Network” نشرت بحثا أكدت فيه أن “عمليات الفضاء السايبري، التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، تتطلب استجابات جماعية و وطنية. إذ وضعت كثير من الدول معايير وإجراءات استجابة، باستخدام الدبلوماسية أو المعلومات أو العمل العسكري أو الاقتصادي، بشكل فردي، أو بالاشتراك مع دول أخرى. إلا أن حلف الناتو، باعتباره مؤسسة عسكرية، ما يزال يفتقر إلى قواعد اشتباك في الفضاء السايبراني”.

وتقترح الصحيفة أنه “لكي يحافظ حلف الناتو على أهميته في الوقت الحاضر، وفي السنوات القادمة، يجب أن يتغير نموذج عمله في هذا المجال، خاصة مع استمرار التهديدات الروسية لأعضاء حلف الناتو المحتملين في المستقبل، مثل فنلندا والسويد. ولذلك يجب على الحلف تعديل تفكيره فيما يتعلق بأساليب الحرب، إذ أن عمليات الفضاء السايبراني، سواء كانت هجمات مدمرة أو معلومات مضللة، تزداد تعقيدا، وقد تحلّ محل الحروب التقليدية، وبالتالي يجب أن يكون الناتو مستعدا لأشكال هجينة من الحرب”.

كما توصي الصحيفة بـ”صياغة سياسات محددة، توضح الإجراءات المتزامنة، التي سيتخذها أعضاء الحلف بشكل جماعي، لمنع الهجمات السايبرانية الروسية، بموجب المادة الخامسة من ميثاق الحلف، للسماح باستجابة سريعة ومنسقة للدول الأعضاء”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير