العراق.. من أعاد نوري المالكي إلى الواجهة؟

العراق.. من أعاد نوري المالكي إلى الواجهة؟
أستمع للمادة

واقعيا، يعد زعيم “ائتلاف دولة القانون”، نوري المالكي، العقبة الأساس في منع “التيار الصدري” الفائز أولا بالانتخابات العراقية الأخيرة من تشكيل حكومة جديدة، وجاءت عودته لتصدر المشهد السياسي بعد غياب نحو 7 سنوات، فمن أعاده للواجهة؟

كان المالكي الرجل الأول في العملية السياسية العراقية لمدة 8 أعوام، طيلة فترة حكمه للبلاد منذ 2006 وحتى 2014، بكل سلبياته العديدة وبإيجابياته الشحيحة، لكنه اختفى عن تصدر المشهد بعد 2014، وإن لم يبتعد عن العملية السياسية.

المالكي كان مهووسا بالحصول على ولاية ثالثة برئاسة الحكومة العراقية بعد انتخابات 2014، متخطيا الدستور الذي يمنع أي شخص من ترؤس الحكومة لأكثر من ولايتين، لكن القوى السياسية مجتمعة قررت منعه من خرق الدستور، ونجحت بذلك.

نجاح القوى السياسية بمنع المالكي من الولاية الثالثة، رغم أن كتلته “دولة القانون” كانت الفائزة الأولى بانتخابات 2014، ما كان ليحدث لولا اجتياح “داعش” للبلاد صيف ذلك العام، ناهيك عن فتوى مرجعية النجف عندما قالت، إنه لا يجب تجريب المجرّب ثانية، فسقط المالكي مباشرة.

من الانتخابات العراقية الأخيرة

اليوم وبعد الانتخابات المبكرة في عام 2021، عاد رئيس الحكومة العراقية الأسبق، ليتصدر المشهد السياسي، ويمنع زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، من تنفيذ مشروعه بتشكيل حكومة أغلبية، فمن أعاد المالكي للواجهة؟

علاقة “التيار” وقوى إيران

خسارة القوى الشيعية الموالية لإيران الفادحة في الانتخابات المبكرة، هو السبب الأساس بعودة المالكي للواجهة، بحسب بشير الجحيمي، الذي يقول إن الصدر هو الآخر تسبّب بعودته للمشهد من حيث يدري ولا يدري.

الجحيمي يردف في حديث مع “الحل نت”، أن خسارة “تحالف الفتح” الذي يمثل أجندة طهران بالعراق، دفعها للتمسك بأي شيء يضمن لها عدم إقصائها من الحكومة المقبلة، فوجدت المالكي هو الحجر الأساس لمنع الصدر من تشكيل حكومته بدونهم.

ويضيف الجحيمي، أن ما دفع “الإطار” نحو المالكي هي مقاعده الـ 30 التي حصل عليها في الانتخابات المبكرة، ولولا فوزه بذلك الرقم لما ذهبوا له، وما كان قد عاد إلى المشهد، لكنه عاد من خلالهم، وأمسى هو الذي يقودهم عبر “الإطار التنسيقي”.

بعد خسارة القوى الشيعية المقربة من إيران في انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2021، ولجوئها للمالكي، تم تشكيل “الإطار التنسيقي”، وهو تحالف يضم تحت خيمته جميع الأحزاب الشيعية لأجل عرقلة مضي مقتدى الصدر بتشكيل حكومة جديدة.

يقود “الإطار التنسيقي”، 5 شخصيات، هي المالكي وزعيم “تحالف الفتح”، هادي العامري، وزعيم ميليشيا “العصائب”، قيس الخزعلي، وزعيم “ائتلاف النصر”، حيدر العبادي، وزعيم “تيار الحكمة”، عمار الحكيم.

كتل العبادي والعامري والخزعلي والحكيم، كلها حصلت على 21 مقعدا فقط، أي أقل بنحو 10 مقاعد من التي حصدها نوري المالكي، الأمر الذي جعلها تلتحف بعباءته تحت “إطار تنسيقي“، كي ينقذها من مشروع الصدر الإقصائي.

الباحث السياسي بشير الجحيمي، يبين أن مقتدى الصدر تسبّب بعودة خصمه اللدود المالكي لتصدر المشهد، من خلال إصراره على تشكيل حكومة أغلبية مع الكرد والسنة دون الشيعة، ولو أشرك بقية القوى الشيعية معه وفق منظومة التوافق، لما عاد المالكي من الأساس.

المالكي يحجب الصدر

الجحيمي يتابع، أنه في انتخابات 2018، كان المالكي الخاسر الأكبر في القوى الشيعية، وحدث الصراع حينها بين الصدر و”تحالف الفتح”، وكان المالكي على الهامش، وبقي هكذا عندما توافق الصدر مع هادي العامري لاحقا لتشكيل حكومة توافقية.

نوري المالكي ومقتدى الصدر

السيناريو ذاته لو أعاده الصدر بالتوافق مع العامري والعبادي والحكيم بعد الانتخابات الأخيرة، لكان قد ضمن انتهاء المسيرة السياسية للمالكي بشكل شبه كلي في العراق، لكنه أعاد خصمه للواجهة بإصراره على حكومة الأغلبية، حتى منعه المالكي من تحقيق مشروعه، بل وأجبره على الانسحاب من العملية السياسية، على حد قول الجحيمي.

وتسبّب المالكي بأزمة سياسية كبيرة، بعد أن فرض على قوى “الإطار” التي تخشى على مصلحتها بسبب فقر مقاعدها النيابية، ترشيح المقرب منه، محمد شياع السوداني، لرئاسة الحكومة المقبلة، ما دفع بالصدريين للتظاهر لمنع تشكيل حكومة يقودها المالكي من خلف الكواليس، بحسبهم.

في 30 تموز/ يوليو الماضي، اشتدّت الأزمة السياسية العراقية، إذ اقتحم جمهور “التيار الصدري”، المنطقة الخضراء حينها، وأقاموا اعتصاما مفتوحا من داخلها وأمام مبنى البرلمان العراقي، بعد 72 ساعة من الاقتحام الأول لهم للخضراء، الذي لم يتجاوز 5 ساعات قبل أن ينسحبوا بتوجيه من زعيم “التيار“، مقتدى الصدر وقتئذ.

وشهدت العاصمة العراقية بغداد، في 29 آب/ أغسطس الماضي، تصعيدا صدريا على إثر إعلان زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، اعتزاله الحياة السياسية نهائيا، من خلال اقتحام آنصاره لكل بقعة في المنطقة الخضراء، وأهمها القصر الجمهوري، قبل أن يتطور المشهد لصراع مسلح.

الميليشيات “الولائية” هاجمت أنصار الصدر لتفريقهم وإخراجهم من الخضراء، فتدخل فصيل “سرايا السلام” التابع للصدر للدفاع عن المتظاهرين الصدريين، واندلعت مواجهة مسلحة داخل الخضراء منذ ليل 29 آب/ أغسطس، وحتى ظهر 30 آب/ أغسطس، عندما دعا الصدر في مؤتمر صحفي، أتباعه للانسحاب وإنهاء اعتصاماتهم.

وسقط جراء العنف المسلح 37 قتيلا و700 جريح، وانتهت اعتصامات الحمهور الصدري بعد شهر من خروجها أمام البرلمان للمطالبة بحله وإجراء انتخابات مبكرة جديدة.

أزمة مختنقة

الأزمة السياسية العراقية، تأتي نتيجة لصراع سياسي دام لأكثر من 10 أشهر منذ انتهاء الانتخابات المبكرة الأخيرة، وفوز الصدر فيها وخسارة “الإطار” الموالي لإيرلن، الذي وقف بوجه مشروع “التيار الصدري“، عندما سعى إلى تشكيل حكومة “أغلبية”.

بعد الانتخابات المبكرة، ذهب “التيار الصدري” بقيادة الصدر، إلى تشكيل تحالف ثلاثي مع الحزب “الديمقراطي الكردستاني” وتحالف “السيادة” الجامع لأغلب القوى السنية، وسمي بتحالف “إنقاذ وطن“.

الصدر مع المالكي وبقية قيادات “الإطار”

“إنقاذ وطن”، أصر بـ 180 مقعدا نيابيا على الذهاب نحو تشكيل حكومة “أغلبية” تستثني مشاركة كل “الإطار التنسيقي” أو بعض أطرافه، في وقت استمر الآخير بالدعوة إلى حكومة “توافقية” يشترك فيها الجميع، وذلك ما لم يقتنع به الصدر، ولم ينجح في ذات الوقت بتمرير مشروعه.

الفشل في تمرير مشروع حكومة الأغلبية، جاء بسبب عدم تمكن التحالف الثلاثي من حشد النصب القانوني لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 3 مناسبات، والذي تكمن أهمية انتخابه في تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، ودونه لا يمكن المضي بحكومة جديدة.

سبب الفشل كان إلزام “المحكمة الاتحادية العليا” -التي لجأ إليها “الإطار” صاحب 83 مقعدا نيابيا بالتصدي لمشروع الأغلبية- البرلمان العراقي بعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بحضور ثلثي أعضاء المجلس، أي 220 نائبا من أصل 329، وفقا للدستور.

بعد ذلك، شهد العراق انسدادا سياسيا أضطر الصدر للانسحاب من العملية السياسية، وتوجيه أعضاء كتلته بالاستقالة من البرلمان في 12 حزيران/ يونيو الماضي، لتستبشر قوى “الإطار” بعدها بسهولة تشكيل الحكومة، وهذا ما لم يحدث إلى الآن.

ما منع “الإطار” من تشكيل الحكومة، توجيه الصدر لأنصاره بالنزول إلى الشارع، مجرد أن أعلن “الإطار” توصله إلى تفاهمات داخلية أفضت لترشيح السياسي محمد شياع السوداني، لرئاسة الحكومة لتشكيلها وفق عملية التوافق والمحاصصة، وهو الأمر الذي رفض الصدر تكراره جملة وتفصيلا.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة