الدستور الانتقالي.. هل ينهي الأزمة السياسية في السودان؟

الدستور الانتقالي.. هل ينهي الأزمة السياسية في السودان؟
أستمع للمادة

السودانيون يترقبون بحذر نتائج مقترح الدستور الانتقالي، وذلك بعد توترات عديدة عاشها السودان خلال العام الماضي، على خلفية حل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين وعزل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، فهل يساهم “الدستور الانتقالي” في حل الأزمة السياسية في البلاد.

انتقال سلمي للسلطة

الصراع أو التنافس في السودان يجري بين المكون العسكري المتمثل بالجيش، والمجلس المركزي لـ “الحرية والتغيير“، حيث أعلن الجانبان الأسبوع الماضي توصلهما لاتفاق ينص على نقل السلطة للمدنيين بشكل كامل وفقا لوثيقة “الدستور الانتقالي“.

رغم التوافق المبدئي على الوثيقة والقبول المحلي، إلا أن هنالك العديد من القوى السياسية أبدت رفضها لما جاء في الوثيقة.

الوثيقة نصت على إقامة دولة مَدنية، تتبع نظام الحكم الفدرالي وتتشكل من مجلس سيادة مدني ومجلس وزراء مدني ومجلس تشريعي، كذلك دمج القوات العسكرية في جيش مهني واحد والنأي به عن العمل السياسي وحصر مهامه في الدفاع عن سيادة وحماية حدود البلاد وحماية الدستور الانتقالي، وتنفيذ السياسات المتعلقة بالإصلاح الأمني والعسكري.

الوثيقة أفضت بحسب ما نقل موقع “سكاي نيوز عربية“، إلى تبَعية جهازي الشرطة والأمن للسلطة التنفيذية على أن يكون رئيس الوزراء هو القائد الأعلى لها، وإصلاح الأجهزة العدلية وتحقيق العدالة الانتقالية مع ضمان عدم الإفلات من العقاب.

القوى السياسية في السودان، تسابق الزمن للبدء بتنفيذ انتقال السلطة بشكل سلمي للقوى المدنية، وذلك في ظل استمرار المظاهرات في البلاد، للمطالبة بإسقاط الانقلاب وعودة الحكم المدني.

بحسب ما نقل موقع صحيفة “اندبندنت عربية“، فإن “الأيام القليلة المقبلة ستشهد تجدد اللقاءات المباشرة بين المكون العسكري والمجلس المركزي للحرية والتغيير، لاستكمال توقيع الاتفاق الإطاري الذي يعتبر حتى الآن بمثابة إعلان حسن نيات من جانب تحالف الحرية والتغيير“.

توسيع قاعدة التوافق

القوى السياسية تسعى إلى توسيع قاعدة التوافق على اتفاق انتقال السلطة، إذ يغطي الاتفاق معظم جوانب انتقال الحكم من العسكر، بينما تبقت القضايا الأصعب الأكثر تعقيدا المتمثلة في العدالة الانتقالية وإصلاح الأجهزة العسكرية والأمنية وإزالة تمكين النظام السائد في انتظار توافق قوى الانتفاضة وأصحاب المصلحة.

المجلس المركزي لـ “الحرية والتغيير”، كشف أن الاتفاق الإطاري يشكل بداية عملية سياسية تفضي إلى إنهاء الانقلاب واستكمال أهداف انتفاضة كانون الأول/ديسمبر عبر مرحلتين، أولاهما الاتفاق المبني على التفاهمات التي تمت بينه والمكون العسكري وأطراف قوى الانتقال الديمقراطي، وستكون الخطوة التالية بتوقيع الاتفاق النهائي بمشاركة جماهيرية واسعة من قوى الانتفاضة.

قد يهمك: روسيا تدعو للحوار بشأن غزوها لأوكرانيا.. موسكو في مأزق بعد التراجع العسكري؟

الشارع السودان يعول في إنهاء الأزمة السياسية في نجاح الاتفاق، وإكمال خطوات تسليم السلطة للهيئات المدنية، في وقت أكد فيه المجلس المركزي في البلاد، على مَدنية هياكل السلطة بالكامل، وأن مجلس الأمن والدفاع المشار إليه في الاتفاق سيكون برئاسة رئيس مجلس الوزراء المدني، لافتاً إلى أن “قضية العدالة الانتقالية لا يمكن تحقيقها من دون أصحاب المصلحة من قوى الانتفاضة وأسر الضحايا“.

وكانت الآلية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومجموعة “إيغاد” تسلمت ملاحظات وتعديلات مقترحة من المكون العسكري على وثيقة مشروع الدستور الانتقالي المقترح من نقابة المحامين، ووصفتها بأنها تعكس تفاهمات أساسية تم التوصل إليها بين العسكريين وقوى “الحرية والتغيير“، لافتة إلى أن المسودة جمعت حولها عدداً كبيراً من القوى المدنية.

النقاط الخلافية بين أطراف السودان

القضايا الأربعة هي؛ العدالة الانتقالية، وتشمل قضية أُسر الضحايا والمتضررين من انتهاكات حقوق الإنسان منذ عام 1989 وحتى الآن، وثانيا الإصلاح الأمني والعسكري، ويهدف إلى بناء جيش مهني وقومي موحد وفق ترتيبات أمنية متفق عليها.

ثالثا تفكيك نظام الرئيس الأسبق عمر البشير، وحل ما تبقى من هياكل حكم الرئيس المخلوع منذ العام 1989، أما القضية الرابعة تتمثل بـ“اتفاق جوبا لسلام السودان” وإكمال عملية السلام.

الاتفاق يأتي بعد أن باتت قوى الحرية والتغيير ترى أن العملية السياسية أصبحت الآن ممكنة، لأن المكون العسكري قبِل بمشروع الدستور الانتقالي الذي عرضته لجنة المحامين ووافق على أن تكون هياكل السلطة مدنية بالكامل، وأن يتولى رئيس مجلس الوزراء رئاسة مجلس الأمن والدفاع.

ما يزيد من فرص نجاح العملية السياسية مؤخرا، هي الجدّية الواضحة لدى الطرف الآخر في المؤسسة العسكرية ورغبته في إنهاء التوتر وتسليم السلطة للمدنيين.

أصوات معارضة

كذلك ستنضم إلى الاتفاق قوى ناصرت التغيير ولم تكن جزءا من ائتلاف الحرية والتغيير، وبينها “المؤتمر الشعبي“، والحزب “الاتحادي الديمقراطي“، وأحزاب أخرى سيسمح لها جميعا بالمشاركة في اختيار مؤسسات الحكومة والتشريع، في حال وقّعت على الإعلان السياسي، وهو الوثيقة المكملة لمشروع دستور نقابة المحامين الذي اختير أساسا لحل الأزمة السياسية.

ومع توقعات بأن إعلانا سياسيا سيرى النور قريبا، يفضي إلى تفاهمات بين الطرفين، تتسع الأصوات المعارضة للاتفاق المرتقب وسط تيارات وكتل سياسية عدة، أعلن بعضها العزم على مقاومته ورفضه.

في حين تبدو اللجان التي تقود الاحتجاجات في الشارع الأكثر تشددا حيال رفض التسوية المرتقبة ما دامت لا تتضمن إقصاء قادة المجلس العسكري عن السلطة ومحاسبتهم على الانتهاكات التي ارتكبت منذ 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021 وما سبقه، إذ سقط 119 قتيلا خلال موجة الاحتجاجات وأصيب ما لا يقل عن 7 آلاف، حسب إحصاءات طبية.

من بين القوى الرافضة تبرز كتلة “مبادرة أهل السودان” كإحدى الواجهات الرافضة للتسوية المنتظرة، ويقول المتحدث باسمها هشام الشواني، إنهم لم يتلقوا تأكيدات من الجيش بقرب الاتفاق مع قوى “الحرية والتغيير“، وأضاف أنه في “حال تأكدنا من ذلك فإن خيارنا سيكون مقاومة هذا الاتفاق، والعمل على إسقاط أي حكومة تقوم وفق مرجعية دستور نقابة المحامين السودانيين“.

بناء على ذلك يرى خبراء أن معارضة التسوية لن تكون هينة؛ فاحتجاجات الشارع لن تتوقف بل قد تتسع، وستبقى إمكانية التعامل معها مستندة على جدية العسكر في تنفيذ الاتفاق وتسويقه بتحقيق مطالب الثوار بألا تغلق الجسور، وبتفكيك النظام السابق، ووقف العنف الممارس ضد الاحتجاجات، وتحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة الجناة.

حظوظ عالية

محللون ومتابعون لتطورات الاتفاق، رأوا أنه يملك حظوظا عالية من النجاح في حال وجد دعما دوليا فعليا، لافتا إلى أنه مسنود من قوى رئيسية ومؤثرة في الساحة.

بحسب موقع “الجزيرة نت“، فإن “الإشارات القادمة من الجيش تؤكد قدرا من الجدية في التعامل مع الاتفاق القادم، وبينها إسكات الأصوات العسكرية الرافضة للتسوية، إذ أُقيل خلال الساعات الماضية رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة الذي عُرف بنقده الشديد لقوى الحرية والتغيير“.

التقرير وبحسب ما نقله عن أحد المسؤولين في قوى “الحرية والتغيير”، لفت إلى أن، العملية السياسية التي تمضي حاليا تحقق في كثير من عناصرها أهداف الثوار ومطالبهم فيما يخص تحقيق العدالة وإعادة الجيش للثكنات وتحقيق مَدنية الدولة والسيادة على المؤسسات العسكرية باعتبار أن الرئيس المدني في الهيكل السيادي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة.

على الرغم من العديد من المعوقات التي تواجه نجاح الاتفاق، فمن خلال تصريح القوى المعنية في البلاد لا سيما الطرف العسكري، يبدو أن هناك جدية في نقل السلطة لقوى مدنية، ما يرفع من فرصة إنهاء التوتر السياسي الذي ارتفعت حدته خلال العام الماضي في السودان.

اقرأ أيضا: الطائرات المسيرة.. سلاح الإرهاب القادم في إفريقيا؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة