تحديات النظام السياسي المتعثر في الكويت.. مفترق طرق أم ركود متجدد؟

أستمع للمادة

لم تجد القيادة الكويتية الشيفرة المناسبة لحل عقدة العلاقة بين “مجلس الأمة” الكويتي والحكومة أو السلطة التنفيذية في البلاد، ليواجه النظام السياسي تحديات عدة بعد الإطاحة بالحكومة و”مجلس الأمة” خلال العام الفائت.

بعد انتخاب أعضاء “مجلس الأمة” الجدد أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، وتعيين الحكومة، شهدت البلاد حالة من التفاهم الظاهري بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، لكن محللين أكدوا أن البلاد تواجه الآن مفترق طرق، بين الصراعات السياسية المتجددة والتفاهم المستمر بين السلطتين.

انسداد سياسي مستمر؟

خلال العامين الماضيين، شهدت البلاد حالة من الانسداد السياسي، نتيجة الصراع بين “مجلس الأمة” الكويتي والحكومة، والتي انتهت في كثير من الأحيان في استجواب وزراء وحل حكومات ولاحقا حل المجلس بقرار من الأمير.

كثيرا ما كان “مجلس الأمة” يناقش قوانين ترفضها بشدة الحكومة، وهو أكثر ما يثير قلق السياسيين في الكويت خلال المرحلة الحالية، إذ أن استمرار المجلس في مناقشة قوانين ترفضها الحكومة، قد يهدد العلاقة بين الجانبين.

أبرز هذه القوانين، هي قوانين تعهدت المعارضة خلال حملاتها الانتخابية بإقرارها، لكنّها لا تلقى القبول الكافي من الحكومة، مثل بسط سلطة القضاء على مسائل الجنسية، أو تعديل قانون النظام الانتخابي وفق القوائم النسبية، أو إلغاء قانون منع المسيء من الترشح للانتخابات.

المحلل السياسي الكويتي محمود جنيدي، رأى أن أبرز نقاط الشلل السياسي في الكويت، هو عدم وجود قواعد ناظمة للعلاقة بين السلطة التشريعية المتمثلة بـ“مجلس الأمة” والسلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومة، مشيرا إلى أن الصراع بين الجانبين هو حالة صحية تعبّر عن وجود نوع من الديمقراطية وتأثير البرلمان في البلاد.

اقرأ أيضا: لماذا تتجه أوروبا نحو دول الخليج العربي؟

جنيدي قال في حديث خاص مع “الحل نت“، “الصراع بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية هو أمر طبيعي وصحي، لكن يجب أن يكون هنالك قواعد ناظمة لهذا الصراع، بحيث تعلم كل جهة مالها وما عليها، إضافة إلى التدخلات في هذا الصراع. كانت هناك تدخلات في الماضي هدفها التهدئة المرحلية، عبر حل المجلس أو حل الحكومة“.

العام الفائت شهد حالة استثنائية من الصدام بين رئيسي الحكومة والبرلمان وفق جنيدي، موضحا أن الطرفان تعديا على الدستور وخالفا الإرادة الشعبية، في حين أن نواب المعارضة كان لهم الدور الأكبر في التصدي لهذا العبث، “حتى جاء خطاب أمير الكويت الذي أعلن من خلاله حل مجلس الأمة، ووضع النقاط على الحروف، ونقلنا إلى مرحلة جديدة“.

تعثر سياسي قادم؟

جنيدي أشار كذلك إلى أن التوترات المستمرة مع الحكومة، وعدم اتخاذ خطوات إصلاحية جدية، ستؤدي في وقت لاحق إلى تعثر النظام السياسي في البلاد، واستمرار دوامة حل “مجلس الأمة” والحكومات المستمرة منذ عقود.

حول ذلك أضاف، “المرحلة الراهنة، تحتاج لنواب يعبّرون عن آلام الشعب وآماله، في انتشال البلد من حالة الجمود والتردي، من خلال الاتفاق على أولويات تشريعية إصلاحية تُلزم الحكومة بتضمينها في برنامج عملها، إضافة إلى تدخل إيجابي من القيادة“.

العام الفائت كان قد شهد العديد من الصراعات بين “مجلس الأمة” والحكومة، في وقت طالبت فيه كتلة المعارضة بـ“رحيل الرئيسين“، في إشارة إلى رئيسي “مجلس الأمة” والحكومة معا.

كتلة المعارضة تمكنت من الحصول على أصوات كافية ضد الحكومة، ليتم استجواب ثلاثة وزراء من الحكومة، وهم وزير الدفاع ووزير الخارجية، بينما كان الاستجواب الثالث من نصيب وزير الأشغال علي الموسى، وقد تسبب ذلك باستقالة كل من وزير الدفاع السابق الشيخ حمد جابر العلي، ووزير الداخلية السابق الشيخ أحمد المنصور، في 16 شباط/فبراير الماضي، باستقالتيهما من منصبيهما احتجاجا على ما وصفاه بـ“تعسف النواب باستخدام أداة الاستجواب“.

ولاحقا تمكنت المعارضة أيضا من إجراء استجوابها الرابع إلى رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الخالد. وأدى استنزافها بالاستجوابات المتتالية، وتراكم السخط من الشارع الكويتي، إلى عدم تحصيلها العدد الكافي لحماية رئيس الحكومة، بعد ارتفاع عدد أعضاء “مجلس الأمة” المؤيدين لطلب عدم التعاون معه إلى 26 نائبا، ما يعني الإطاحة بالحكومة كاملة، ما أجبر رئيس الوزراء على تقديم استقالة الحكومة في 5 نيسان/أبريل الماضي، قبل يوم واحد من موعد التصويت على طلب عدم التعاون.

بعد استقالة رئيس الحكومة، تعطل البرلمان لعدم انعقاد جلساته، بسبب عدم تسمية رئيس جديد للحكومة، ما تسبب باحتجاجات واسعة في الكويت رفضا لتعطيل انعقاد “مجلس الأمة“.

في حزيران/يونيو الماضي، أعلن أمير الكويت إنهاء الأزمة السياسية والاستجابة إلى المطالب النيابية، عبر خطاب تلاه عنه ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد، بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة. وأكّد من خلاله على عدم المساس بالدستور، ومنح تعهدات بعدم التدخل في خيارات الشعب لممثليه في “مجلس الأمة”، أو في اختيار المجلس لرئيسه ولجانه.

المرسوم الأميري بحلّ البرلمان جاء رسميا في 2 آب/أغسطس الماضي، وجاءت الانتخابات البرلمانية التي جرت في 29 أيلول/سبتمبر الماضي، وسط إقبال من الناخبين الكويتيين، أسفر عن اكتساح المعارضة وسيطرتها على “مجلس الأمة” الجديد.

ظاهرة حل “مجلس الأمة”

منذ تأسيسه قبل نحو 60 عاما، شهد “مجلس الأمة” الكويتي العديد من الأحداث البارزة، التي أدت إلى حله عدة مرات، كما تسببت باستقالة العديد من النواب في مراحل مختلفة.

لعل أبرز تلك المحطات في حياة “مجلس الأمة”، منذ الفصل التشريعي الأول، كان مجلس عام 1963، الذي حمل البداية الأولى للحياة البرلمانية في البلاد، إذ شهد استقالة 8 نواب، احتجاجا على إقرار قوانين مقيدة للحريات؛ في حين شهِد مجلس 1967، استقالة 7 نواب اعتراضا على اتهاماتهم بأنه جرى “تزوير الانتخابات“؛ بينما تم حلّ مجلس 1975، بأمر أميري عام 1976 بعد أن قدّمت الحكومة استقالتها على خلفية تعطيل مشروعات القوانين التي تراكمت منذ مدة.

قبل ذلك، شهِد مجلس 1971، طلب طرح الثقة بوزير التجارة والصناعة -آنذاك- خالد العدساني، إلا أن الطلب فشل بعد أن رفضه 20 نائبا، وأيده 13 نائبا.

في عام 1986، حُل المجلس بعد ما عُرف بـ “أزمة المناخ“، بعد انهيار سوق المناخ غير الرسمي للأوراق المالية، وما تلا ذلك من استجوابات للمسؤولين، أدت إلى استحالة التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

مجلس 1992، يُعد أول مجلس بعد انقطاع العمل النيابي لمدة 6 سنوات قبل محنة غزو الكويت عام 1990، بينما أكمل مجلس 1999 مدّة الفصل التشريعي رغم ما اعتراه من كثرة استجوابات.

مشاركة المرأة للمرة الأولى في الانتخابات النيابية في الكويت، كانت في مجلس عام 2006، بينما كان مجلس 2008، أول مجلس تجري انتخابات أعضائه وفق نظام الدوائر الخمس، وقد جرى حلّه عام 2009، لعدم التعاون بين السلطتين.

مجلس عام 2009، شهد كذلك طلب استجواب لرئيس مجلس الوزراء، للمرة الأولى في تاريخ المجلس، كذلك شهد حادثة اقتحامه، ليصدر أمر أميري بحله عام 2011.

لا يبدو أن هناك توجها لإيجاد حل من شأنه إنهاء ظاهرة “حل مجلس الأمة“، لا سيما في ظل سوء العلاقة بين السلطتين “التشريعية والتنفيذية“، في حين يرى مختصون أن البلاد بحاجة إلى مراجعة قواعد اللعبة في الدستور والواقع السياسي من ناحية، والقواعد البرلمانية من ناحية أخرى.

الجدير بالذكر، أن المادة 107 من الدستور الكويتي، تنص على أن لأمير البلاد، أن يحل “مجلس الأمة” بمرسوم تُبين فيه أسباب الحل، على أنه لا يجوز حل المجلس للأسباب ذاتها مرة أخرى، وإذا تم حل المجلس وجب إجراء الانتخابات للمجلس الجديد في موعد لا يتجاوز شهرين من تاريخ الحل، وإن لم تجرِ الانتخابات خلال تلك المدة يسترد المجلس المنحل كامل سلطته الدستورية، ويجتمع فورا كأن الحل لم يكن، ويستمر في أعماله إلى أن يُنتخب المجلس الجديد.

في عام 2006، أُعيد تقسيم الكويت إلى 5 دوائر انتخابية بدلا من 25، وأصبح لكل ناخب الحق في منح صوته لأربعة مرشحين بدلا من اثنين كما كان الحال في السابق. وكان الهدف هو محاربة ظاهرة شراء الأصوات وإجراء “الانتخابات الفرعية” التي جرمها القانون، وهي عبارة عن انتخابات استباقية تقوم بها الكتل والتجمعات السياسية لاختيار مرشحيها بغرض حشد التأييد لهم، تمهيدا لدخول الانتخابات البرلمانية أو البلدية.

وفي عام 2012، بدأ العمل بنظام الصوت الواحد بعد تعديل قانوني أصدره أمير الكويت بمرسوم بموجب الدستور. ويرى مؤيدو هذا النظام أنه نجح في القضاء على ما يُعرف بظاهرة “نواب الصوت الثاني“، الذين ينجحون بفضل حلفائهم من النواب ذوي الشعبية، والذين يطالبون ناخبيهم بمنح صوتهم الثاني لهؤلاء النواب الأقل شعبية.

أما معارضوه فيقولون إنه أدى إلى تفشي ظاهرة شراء الأصوات، والتصويت وفقا للانتماءات القَبلية والعرقية، ما أدى برأيهم إلى انتخاب نواب موالين بشكل تام للحكومة.

بعد وفاة أمير الكويت، الشيخ سالم المبارك الصباح في عام 1921، اجتمع بعض أعيان البلاد ووجهائها بأعضاء أسرة آل الصباح الحاكمة، وأبلغوهم برغبتهم في أن يكون لهم كلمة في شؤون البلاد والحكم، ما أسفر عن إنشاء مجلس الشورى.

وأصبح أمير البلاد آنذاك، أحمد الجابر الصباح يحكم البلاد بطريقة تختلف عن طريقة حكم أسلافه، إذ كان يتعين عليه استشارة أعضاء المجلس الـ 12 الذين تم تعينهم. ولم يمضِ على المجلس أكثر من شهرين قبل أن يُحل بسبب كثرة الخلافات والمنازعات بين الأعضاء.

الرغبة في إنهاء هذا الصراع السلبي بين “مجلس الأمة” والحكومة الكويتية، يحتاج بالتأكيد إلى تدخل السلطة الحاكمة للبلاد، إذ دائما ما كانت تتخذ الأخيرة الحل الأسهل لإنهاء هذه الصراعات، وذلك عبر حل الحكومة أو البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة تؤدي إلى تهدئة مرحلية لمدة عام أو عامين لتعود الصراعات من جديد.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة