الشريك الخفي.. لماذا تضاعفت صادرات الصين إلى كوريا الشمالية في عام 2022؟

أستمع للمادة

من المرجح أن ترفع كوريا الشمالية القيود الوبائية على الحدود في عام 2023، إذ سيتطلب سعي بيونغ يانغ لتعزيز قوتها العسكرية دعما ماليا مما يعني إعادة فتح الحدود أمام التجارة والعمال المهاجرين. إلا أن الملفت للنظر العام الفائت هو العكس، فبعد أن أصر الحزب “الشيوعي” الصيني على سياسة “صفر كوفيد” والتي أغرقت البلاد في موجة ركود اقتصادي، تضاعفت صادرات الصين إلى كوريا الشمالية أكثر من ثلاثة أضعاف في عام 2022، ما يشير إلى أن بكين اختارت شريك خفيا لها للنجاة من دوامة الغرق التي افتعلتها.

سابقا، قال الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال خطابه في حزب “العمال” نهاية كانون الأول/ديسمبر 2022، إن عام 2023 هو العام الثالث ذو الأهمية الرئيسية في تنفيذ الخطة الخمسية (2021-2025). ومع ذلك، فإن خطته المحددة الوحيدة لتحقيق هذه الغاية هي بناء شارع جديد به 3700 شقة جديدة في عام 2023. وعلى الجبهة العسكرية، أمر كيم بتوسيع الترسانة النووية لبلاده وتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات يعمل بالوقود الصلب، وإطلاق قمر صناعي للتجسس في عام 2023، وكلها تتطلب موارد مالية كبيرة.

لتحقيق أهدافها لعام 2023، يبدو أن الحكومة بحاجة إلى استراتيجية جديدة. لقد تم بالفعل استنفاد نظامها الاقتصادي المعتمد على الذات بعد قضاء ثلاث سنوات مع قيود صارمة على التجارة عبر الحدود وحركة المرور بسبب وباء “كورونا”، إلا أن اللافت هو لجوء بكين لها في مضاعفة الصادرات إلى 3 ثلاثة أضعاف.

صادرات الصين إلى كوريا الشمالية

صادرات الصين الإجمالية إلى كوريا الشمالية تضاعفت أكثر من ثلاثة أضعاف في عام 2022 مقارنة بالعام الذي سبقه حيث استؤنفت عمليات قطارات الشحن بين البلدين بعد تعليقها للحد من انتشار “كوفيد -19″، إذ أظهرت البيانات التجارية الصادرة عن الإدارة العامة للجمارك في الصين يوم الجمعة الفائت، أن الشحنات الصينية الصادرة إلى كوريا الشمالية ارتفعت بنسبة 247.5 بالمئة على أساس سنوي إلى 894 مليون دولار.

كانت أهم بنود الصادرات من حيث القيمة هي زيت فول الصويا، والإطارات المطاطية، والسكر الحبيبي، والتبغ، والأدوية غير المسماة. بعد أن كانت بيونغ يانغ قد خزنت كميات كبيرة من السلع الطبية الصينية بما في ذلك الأقنعة وأجهزة التهوية في أوائل عام 2022.

بيانات تجارية صادرة عن بكين أظهرت أن كوريا الشمالية أعلنت انتصارها على “كوفيد” في آب/أغسطس الفائت، لكنها اشترت في كانون الأول/ديسمبر 2.27 مليون قناع و12 ألف مقياس حرارة و40 ألف زوج من القفازات الطبية المطاطية من الصين.

وذكرت وسائل إعلام رسمية في كوريا الشمالية يوم الخميس الفائت، أن برلمان بيونغ يانغ حدد خططا لتطبيع الإنتاج الصناعي وتحقيق أهدافه الاقتصادية هذا العام. إذ أشاد كيم توك هون، رئيس الوزراء في الحكومة الكورية، بالبلاد وهدفه لجعل عام 2023 عاما من التحول الكبير والتغيير في مسار التنمية بمناسبة الذكرى 75 لتأسيس البلاد.

الدولة المنعزلة أغلقت حدودها أمام جميع الأعمال التجارية تقريبا، ولم تستأنف سوى الإمدادات والمنتجات من الصين في عام 2022. أدى ذلك إلى وصول التجارة الثنائية إلى 1.03 مليار دولار في عام 2022، بزيادة قدرها 226 بالمئة عن العام السابق، لتكون بمثابة الشريك الخفي للحزب “الشيوعي” الصيني، وفق خبراء.

مقدمة لاستعادة التجارة مع الصين

قد تفتح كوريا الشمالية أخيرا حدودها مع الصين وروسيا ببطء في عام 2023. وقد يعكس ذلك شعورا متزايدا بالاعتراف بأن كوريا الشمالية بحاجة إلى استئناف الأنشطة الاقتصادية عبر الحدود بسبب نقص العملة الأجنبية، وفق ما تحدث به المحلل الصيني، وو يي، لـ”الحل نت”.

منذ كانون الثاني/يناير 2020، بحسب يي حظرت كوريا الشمالية بشدة جميع التبادلات عبر الحدود، بما في ذلك التجارة وحركة المرور والسياحة، والتي تعد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية للبلاد. وأدى إغلاق الحدود إلى تسريع تدهور اقتصاد كوريا الشمالية، حيث قدم كيم اعترافات نادرة بالصعوبات التي تواجهها البلاد في عام 2022. وانخفض الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 4.5 إلى 4.6 في المئة على أساس سنوي خلال الفترة من 2020 إلى 21.

عام 2022 ظهرت بعض الإشارات على أن قيادة بيونغ يانغ تسعى إلى طرق أكثر استدامة للسيطرة على الوباء والأوضاع الاقتصادية. وربما يكون كيم جونغ أون قد اتخذ قرارًا بالسعي للحصول على مناعة القطيع لتشجيع الأنشطة الاقتصادية المحلية، بما في ذلك الأسواق الخاصة والتوزيع عبر الإقليم وتعبئة العمال. 

بحسب يي، يمكن أن يكون إعلان النصر على وباء “كورونا” أيضا مقدمة لاستعادة التجارة مع الصين، التي عرقلها إغلاق الحدود الذي امتد لأكثر من عامين. فمنذ أيلول/سبتمبر 2022، استأنفت كوريا الشمالية والصين خدمات قطارات الشحن من مدينة داندونغ الحدودية الصينية إلى سينويجو في كوريا الشمالية بعد تعليق دام خمسة أشهر بسبب الوباء.

وأيضا وفق حديث المحلل الصيني، فإنه كانت هناك أيضًا مؤشرات على أن كوريا الشمالية تعتزم استئناف التجارة البرية مع الصين من خلال مكتب الجمارك في سينويجو، حيث تمت إضافة مبان ومنشآت جديدة. علاوة على ذلك، بدأت كوريا الشمالية الجولة الأولى من التطعيمات ضد “كوفيد -19” للسكان والمسؤولين التجاريين في مدينة سينويجو الحدودية في منتصف آب/أغسطس الفائت، وجولة ثانية من التطعيمات في أواخر أيلول/سبتمبر 2022، لسكان مقاطعة بيونغان الشمالية ونامبو، وكذلك بعض سكان بيونغ يانغ.

لكن، على الرغم من استئناف عمليات قطارات الشحن عبر الحدود بين كوريا الشمالية والصين العام الماضي، فقد ركزت التجارة على الحد الأدنى من الأدوية والأطعمة ومواد البناء وهو ما يكفي لتلبية احتياجات بيونغ يانغ الأكثر إلحاحًا ويخدم سياسات الحزب “الشيوعي” للمواطنين بالقرب من الحدود الكورية. 

شراكة مزدوجة 

بشكل عام، لا تزال تجارة كوريا الشمالية مع الصين أقل بكثير مما كانت عليه في مستويات ما قبل الوباء. تراجعت تجارة كوريا الشمالية مع الصين بنسبة 80 بالمئة في عام 2021، مما وجه ضربة أكبر لبيونغ يانغ من العقوبات الدولية لمعاقبتها على برنامج أسلحتها النووية، وفقا لـ “اتحاد تجاري في سيئول”.

في الواقع على الرغم من نظام العقوبات الدولي، حققت كوريا الشمالية نموًا إيجابيًا في عام 2019 من خلال تصدير مواد إلى الصين، مثل الألعاب والأحذية والشعر المستعار والحواجب الاصطناعية. وكان إغلاق الحدود المفروض ذاتيا هو الذي تسبب في أضرار اقتصادية جسيمة.

بالنظر إلى تجربتها، من المرجح أن تحاول كوريا الشمالية زيادة حجم صادراتها، ليس فقط عن طريق بيع سلع غير خاضعة للعقوبات ولكن أيضًا عن طريق تصدير سلع غير قانونية، مثل المنسوجات ومصايد الأسماك والمعادن، عبر الحدود البرية والبحرية. زيادة الصادرات يمكن أن تجلب كمية كبيرة من العملات الأجنبية إلى البلاد. قد تسمح علاقات المواجهة الحالية بين الصين والولايات المتحدة لكوريا الشمالية بالالتفاف على عقوبات الأمم المتحدة.

أحد أكبر مصادر العملة الأجنبية بالنسبة للحكومة هو إرسال عمال كوريين شماليين إلى الصين وروسيا، الأمر الذي قد يكون مطروحا مرة أخرى على الرغم من انتهاكه لعقوبات الأمم المتحدة. في الماضي، دفع العمال الكوريون الشماليون في الخارج ما لا يقل عن 50 بالمئة من رواتبهم الشهرية للحكومة.

بالإضافة إلى ذلك، يرسلون إلى النظام الكوري جزءا كبيرا من رواتبهم في شكل ضرائب مختلفة وأموال لمشاريع البناء المختلفة. حقق عمال المصانع الكوري الشمالي في الصين وحدها 12.28 مليون دولار شهريا و147.36 مليون دولار سنويا حتى أثناء الوباء، مما يعني أن الحكومة تكسب مبلغا ضخما من المال من خلال العمال الذين ترسلهم إلى الصين.

كوريا الشمالية بدأت مؤخرا أيضا الاستعدادات لفتح مكاتب تجارية جديدة في جميع أنحاء روسيا لإرسال أفراد إلى فلاديفوستوك، موطن العديد من العمال الكوريين الشماليين، وكذلك سانت بطرسبرغ وموسكو. علاوة على ذلك، كانت هناك تكهنات بأن كوريا الشمالية تخطط لإرسال عمال إلى دونيتسك التي تحتلها روسيا في شرق أوكرانيا بعد رفع القيود الحدودية الوبائية.

على عكس البلدان الأخرى، فإن خيارات كوريا الشمالية في التعامل مع الأزمة الاقتصادية والوبائية في الوقت نفسه محدودة للغاية بسبب نظامها الصحي السيئ ونقص التطعيمات وفقا لصحيفة “ديبلوماتيك”. ومع ذلك، يبدو أن إعادة الانفتاح التدريجي هي الخيار الوحيد لإعادة بناء اقتصادها المحلي. نظرا لأن بيونغ يانغ أدركت أن الاقتصاد الضعيف سيصبح تهديدا لبقاء النظام في المستقبل أكثر من تأثير “كورونا”، فمن المحتمل أن الإجهاد الاقتصادي للوباء يجبر البلاد على استكشاف إعادة فتح تدريجي لحدودها.

ومع ذلك، حتى إذا أعادت كوريا الشمالية فتح أبوابها أمام بعض التبادلات الدولية المحدودة، فإن هذا لا يعني أن بيونغ يانغ ستنخرط في تعاملات مع سيول وواشنطن بل مع بكين وموسكو. وبدلا من ذلك، ستستمر في إجراء تجارب صاروخية ونووية في عام 2023، مما يعزز قوتها العسكرية؛ لكن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا من خلال القوة المالية للحكومة التي يغذيها الحزب “الشيوعي” الصيني والأوليغارشية الروس.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد