في زمن جماعة “الحوثي”.. اليمنيون محرومون من دخول صعدة إلا بكفيل!

في الطريق إلى محافظة صعدة اليمنية، لا تكفي هويتك ولا وثائقك الرسمية للسماح لك بالدخول إليها، بل أنت بحاجة إلى "كفيل" من أبناء المحافظة ممن تثق به جماعة "الحوثي"، يضمنك ويقدم التعهدات بأنك لن تتفوه بما لا يرضي الجماعة، كما أنك لن تلتقط أي صور تذكارية بأي شكل من الأشكال، وبكل تأكيد لن تزور أحداً هناك دون إذن مسبق. 
في الطريق إلى محافظة صعدة اليمنية، لا تكفي هويتك ولا وثائقك الرسمية للسماح لك بالدخول إليها، بل أنت بحاجة إلى "كفيل" من أبناء المحافظة ممن تثق به جماعة "الحوثي"، يضمنك ويقدم التعهدات بأنك لن تتفوه بما لا يرضي الجماعة، كما أنك لن تلتقط أي صور تذكارية بأي شكل من الأشكال، وبكل تأكيد لن تزور أحداً هناك دون إذن مسبق. 

في الطريق إلى محافظة صعدة اليمنية، لا تكفي هويتك ولا وثائقك الرسمية للسماح لك بالدخول إليها، بل أنت بحاجة إلى “كفيل” من أبناء المحافظة ممن تثق به جماعة “الحوثي”، يضمنك ويقدم التعهدات بأنك لن تتفوه بما لا يرضي الجماعة، كما أنك لن تلتقط أي صور تذكارية بأي شكل من الأشكال، وبكل تأكيد لن تزور أحداً هناك دون إذن مسبق.  

هكذا تحولت محافظة صعدة في زمن جماعة “الحوثي”، المدينة التي خرج منها عبد الملك زعيم الجماعة، وقاد انقلاباً دموياً على الدولة عام 2014، باتت اليوم منطقة مغلقة أمام المواطن اليمني نفسه، وتخضع لأجهزة رقابية وأمنية مبنية على هيكل تنظيمي من السلالة الحوثية الهاشمية، لا يتحرك فيها شيء دون معرفة وموافقة “السيد” أو أحد مشرفيه هناك. 

وبالوقت الذي تسوّق جماعة “الحوثي” نفسها كحركة مقاومة تدافع عن المقهورين في أصقاع الأرض، تفرض على المواطنين في صعدة قيوداً لا تخطر على بال إنسان، تمتد هذه القيود من حرية التنقل، إلى مراقبة تفاصيل الحياة اليومية للناس، وليس انتهاءً بتتبع سلوكيات الزوار الذين تٌفرض عليهم رقابة شديدة، منذ دخولهم وحتى المغادرة، هذا إن غادروا أصلاً.  

ومن خلال هذه المادة، يتم تسليط الضوء على واقع هذه المدينة المقهورة، والتي غدت ثكنة أمنية، خاضعة لقبضة جماعة “الحوثي”، يتعرض فيها المزارعون للابتزاز، وتُصادر فيها حريات الناس، كنا تتصاعد حالات الاعتقال ضد المدنيين، في ظل صمت محلي ودولي مريب، عن واحدة من أكثر المناطق قمعاً في اليمن.  

صعدة مدينة مغلقة  

تحولت محافظة صعدة، معقل جماعة “الحوثي”، إلى منطقة مغلقة بشكل كامل، لا يُسمح بدخولها إلا لمن يحمل تصريحاً خاصاً من مشرفي الجماعة، حيث يخضع الزائرين لعمليات تفتيش دقيقة على امتداد النقاط المنتشرة على مداخل المحافظة، قبل السماح لهم بالتحرك ضمن نطاق جغرافي محدود وتحت رقابة صارمة.

 

عناصر يتبعون لـ "الحوثيين" في اليمن - انترنت
عناصر يتبعون لـ “الحوثيين” في اليمن – انترنت

في صعدة، توجد مناطق محرّمة على السكان والزوار على حد سواء، مناطق لا يقترب منها أحد، كونها تحولت إلى مراكز لتخزين الأسلحة التي نهبتها جماعة “الحوثي” من معسكرات الجيش اليمني منذ الانقلاب، وأخرى خصصت لتعديل الصواريخ وصناعة الألغام، بما في ذلك أنواع محرّمة دولياً، وفق مراقبين. 

وفي عمق هذه المناطق المغلقة، يتحصن فريق خاص يتبع عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة، يتولى إدارة الملف الأمني والعسكري للجماعة، ويُشرف على آلية التحكم والسيطرة في المحافظة، التي باتت تدار بعقلية أمنية مغلقة.  

مناطق التهريب على الحدود الشمالية لمحافظة صعدة، بدورها لم تعد مفتوحة، إذ تم تحويلها إلى ممرات خاصة بجماعة “الحوثي” فقط، تسيطر عليها شبكات التهريب المرتبطة بقيادات من الجماعة، تستخدمها لنقل الممنوعات وتوفير مصادر تمويل غير مشروعة.  

وفي مديريتي ضحیان وسحار، كشفت مصادر محلية لموقع “الحل نت”، عن بناء سجون سرية، تُستخدم لاحتجاز المعارضين السياسيين أو أولئك الرافضين لسلطة الجماعة.

وعلى وقع هذا المشهد الأمني القاتم، تشهد صعدة منذ بدء الغارات الأميركية على جماعة “الحوثي”، في 15 آذار/ مارس الماضي، حملة اعتقالات واسعة، ضد كل من لا ينتمي للجماعة، أو يُظهر ملامح الرفض لسياساتها، كما أن الحملة ما تزال مستمرة حتى اليوم، في ظل صمت مطبق من المنظمات الحقوقية الدولية، وتعتيم كامل على ما يجري داخل هذه “المنطقة المعزولة” وفق المصدر.  

صعدة رهينة بيد “الحوثي  

ومع تركزّ أنظار الناس إلى العاصمة اليمنية صنعاء بعد الانقلاب باعتبارها مركز الثقل لجماعة “الحوثي”، فقد تُركت محافظة صعدة رهينة بيد الجماعة، بعيدة عن الأنظار، وتحولت إلى واحدة من أكثر المناطق اليمنية قمعاً وانتهاكاً لحقوق الإنسان، وسط تعتيم إعلامي ممنهج منذ سنوات تمارسه الجماعة، جعل ما يجري هناك خارج نطاق الاهتمام المحلي والدولي. 

ناشط سياسي بارز من أبناء المحافظة، فضّل عدم الكشف عن اسمه قال لموقع “الحل نت”، إن المجتمع في صعدة هو الأكثر معاناة على الإطلاق من بطش جماعة “الحوثي” وقسوتها، مؤكداً أن “الجميع هناك يعاني.. القمع لا يستثني أحداً، وكل من يرفض مشروع الحوثيين يجد نفسه بين قضبان السجون أو في مرمى الاتهامات الجاهزة”.  

وبحسب المصدر، يتعرض الأهالي في صعدة لانتهاكات متعددة الأوجه، تشمل الاعتقال والتنكيل والتشهير والابتزاز، وتُستخدم فيها تهم معلّبة مثل “العمالة للخارج”، أو “رصد إحداثيات للعدو”، أو حتى تلفيق قضايا أخلاقية تهدف لإسكات الأصوات المعارضة، وكسر معنويات السكان ودفعهم إلى الرضوخ خوفاً على حياتهم وكرامتهم.  

يوضح الناشط اليمني “حتى المغتربون خارج اليمن يتم ابتزازهم عند تحويل الأموال لأهاليهم، ويتم استدعائهم فور عودتهم لقضاء إجازاتهم للتحقيق معهم، وكأنّهم أدوات تمويل خارجي لزعزعة الأمن”.  

ووفقاً للناشط، فإن كل من يشغل المناصب الأمنية في صعدة ينتمي حصراً إلى من يسمّون أنفسهم “السادة”، في إشارة إلى ذوي النسب الهاشمي الموالي للجماعة.  

المزارعين والتجار تحت قبضة الابتزاز  

القطاع الزراعي، الذي كانت محافظة صعدة تتصدر به أسواق اليمن والخليج سابقاً لم يسلم من هيمنة جماعة “الحوثي”.  

أحد المزارعين في صعدة قال لموقع “الحل نت” بأن جماعة “الحوثي” تجبره على بيع محاصيله لتجار يتبعون الجماعة بأسعار زهيدة، لا تغطي حتى كلفة الإنتاج، مؤكدا أن من يرفض، يتم منعه من التصدير ويٌهدد بالاعتقال وتلفيق التهم الجاهزة ضده.

  

جنود من الجيش اليمني ينظرون إلى رجال القبائل الموالين لحركة الحوثيين الشيعة وهم يتجمعون في حازم، غرب العاصمة اليمنية صنعاء، في 12 مارس/آذار 2014 – تصوير: محمد حويس وكالة فرانس برس

هذا الواقع القاسي دفع الكثير من المزارعين إلى ترك أراضيهم والتوقف عن الزراعة، برغم أن محافظة صعدة كانت تُعرف سابقاً بأنها أبرز محافظة زراعية على مستوى اليمن.  

ولم يسلم التجار في صعدة كذلك من ابتزاز جماعة “الحوثي”، حيث “يُفرض عليهم دفع إتاوات لتمويل مناسبات الجماعة الدينية، ومن يمتنع يتم التنكيل به بذريعة التهرب أو العمالة أو حتى الفساد”.  

جماعة “الحوثي” لم تتوقف عند التحكم في حركة الناس والأسواق، بل توسعت نحو السيطرة على أراضي وعقارات الناس، عبر تهم ملفقة ودعم مباشر من قيادات ومشايخ موالين للجماعة.  

جهاز المخابرات لقمع الناس   

مصدر مطلع مقرب من قيادات في جماعة “الحوثي” أفاد لموقع “الحل نت” بأن الجماعة لا تسمح لغير الموالين أو من هم خارج السلالة بتولي أي مسؤولية أمنية في صعدة، وهناك جهاز مخابرات يعمل مباشرة بتوجيه من قيادة الجماعة، ويتعقب أي شخص يُظهر أي اعتراض عليها.  

يوضح المصدر بأن جميع من لا يدينون بالولاء المطلق لجماعة “الحوثي” هم أعداء في نظر الجماعة، أما إذا وٌجهت التهم لأي شخص، فإن الحوثيون ينفذون اقتحامات “بأسلوب إرهابي”، حد وصفه.  

يؤكد “تُقتحم المنازل ليلاً، تُرَوّع النساء والأطفال، وتُداس الحرمات دون رادع”، مشيراً إلى أن هذا النهج هو جزء من “ثقافة القمع” المتأصلة لدى جماعة “الحوثي” منذ نشأتها.

يشير المصدر إلى أن “كل انتهاك تقف خلفه قيادات ميدانية تنتمي لجماعة “الحوثي”، بعض هذه القيادات معروفة، لكن هناك قيادات خطيرة منهم يعملون في الظل، ولا يعرفهم إلا من يرتبط بالجهاز الداخلي للجماعة. 

صعدة نموذج لدولة “الحوثي”  

ما يحدث في صعدة اليوم، ليس مجرد تفاصيل عن مزارع تُنهب، أو مدنيين يُعتقلون، أو زائرين يُمنعون من الدخول دون “كفيل”، بل هو نموذج متكامل لطريقة حكم جماعة “الحوثي”، حيث تُختزل السلطة في فئة محددة من الناس، فيما تُكمم أفواه البقية، وتُسخّر كل موارد الأرض والناس لخدمة مشروع الجماعة العابر للحدود. 

في زمن جماعة “الحوثي”، صعدة لم تعد مدينة يمنية، بل نموذج خطير إن لم يٌواجه بحزم، فهو مرشح لأن يتمدد نحو باقي المدن اليمنية، فجماعة “الحوثي” لن تكتفي بصعدة، بل ستعمم “نظام الكفالة” الفكري والأمني على باقي المحافظات بصورة تدريجية.  

وفي المحصلة فإن اليمنيون اليوم يدفعون الثمن وحدهم، لا لأنهم اختاروا هذا المصير الحزين، بل لأن الحكومة الشرعية في حالة وهن ومن خلفها المجتمع الدولي بات يتعامل مع جماعة “الحوثي” كحالة أمر واقع، متغاضيا عن الطابع العقائدي المتطرف لنظامها الداخلي، رغم شواهده الواضحة في صعدة.  

وهكذا تحولت مصادرة الحرية، وتجريف المجتمع، ونهب الرزق، وتكميم الأفواه، ليست مجرد ممارسات فردية، بل سياسة واضحة تنتهجها جماعة “الحوثي” في صعدة، بهدف إعادة صياغة الهوية اليمنية، وفق المشروع الإيراني الذي لا يمت لليمن بصلة، وفي الوقت الذي تتزايد فيه معاناة الناس في صعدة، تستمر إيران في التفاخر بدعمها لهذه الجماعة التي لم يحصل منها اليمنيون سوى الموت والخراب.

أسامة عفيف

أسامة عفيف

صحفي، محرر الشأن اليمني لدى "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم