ليست المشكلة في إعلان تشكيل مجلس شعب جديد، الذي سيكون أول برلمان سوري ما بعد سقوط نظام الأسد، بل في الكيفية التي يُطرح بها هذا التشكيل وطريقة هندسة أعضائه.
إذ يبدو أن الحديث عن برلمان يمثل السوريين، سيمر عبر حملات انتخابية وصناديق اقتراع، وهذا ما يتضح من اسمه، لكن التفاصيل تشير إلى عكس ذلك.
مقدّمة
في البيان الذي بُثّ خلال مؤتمر النصر 29 كانون الثاني / يناير 2025، أُعلن الرئيس أحمد الشرع، عن تولية مهام رئاسة الجمهورية خلال المرحلة الانتقالية، و”إلغاء العمل بدستور سنة 2012، وإيقاف العمل بجميع القوانين الاستثنائية، وحلّ مجلس الشعب المشكّل في زمن النظام السائد، واللجان المنبثقة عنه”، وتفويضه بـ “تشكيل مجلس تشريعي مؤقت”.

وفي الثاني من حزيران/يونيو 2025، وقع الشرع مرسوماً حمل الرقم 66، نصّ على تشكيل لجنة عليا للانتخابات تتألف من 11 عضواً، تتولى تنظيم آلية تشكيل أول مجلس شعب في مرحلة ما بعد الأسد.
ليست انتخابات عامة تلك التي يجري التحضير لها، بل عملية تقوم على انتقاء هيئات ناخبة فرعية، تتولى بدورها اختيار ثلثي أعضاء البرلمان المقبل. أما الثلث المتبقي، فسيُعيّنه الرئيس وفقاً لما نصّت عليه المادة 24 من الإعلان الدستوري.
وبحسب ما ورد في المرسوم، فإن كل محافظة تُعدّ دائرة انتخابية واحدة. وتم تخصيص عدد المقاعد لكل محافظة استناداً إلى تعداد السكان الرسمي لعام 2010، ليكون نصيب حلب 20 مقعداً، ودمشق 11، وريف دمشق 10، تليها حمص بـ 9، ثم حماة بـ 8، فاللاذقية 6، وطرطوس 5، وإدلب 7، ودير الزور والحسكة بـ 6 مقاعد لكل منهما، والرقة 3، ودرعا 4، والسويداء 3، وأخيراً القنيطرة بمقعدين.
بذلك يكتمل نصاب 100 مقعد يتم اختيارهم عبر ما سُمي بـ “الهيئات الناخبة”، فيما تبقى 50 مقعداً محجوزاً للرئاسة.
مجلس شعب بلا شعب
الخطوة التي أعلنت عنها اللجنة العليا للانتخابات تبدو للوهلة الأولى خطوة واعدة نحو مستقبل سياسي لسوريا، فمجلس المؤلف من 150 عضواً، بتوزيع جغرافي، ومراعاة للتنوع، وصلاحيات تشريعية، واضحة لكن، حين نقرأ السطر الثاني، نكتشف أن لا مكان لصوت الشعب في هذا التشكيل.
فلا يوجد انتخابات مباشرة من قبل الشعب، بل ستكون عملية من قبل “هيئات ناخبة” يتم اختيار أعضائها من قبل لجان فرعية، واللجان بدورها تابعة للجنة العليا. واللجنة العليا عيّنها الرئيس.
في الأنظمة الديمقراطية، الشعب يختار. لا أحد يختار بالنيابة عنه. أما ما يجري هنا، فهو صناعة تمثيل افتراضي، وهكذا نكون أمام مجلس شعب لا صوت للشعب فيه، صوت الحكومة فقط هي من تختار وتعين عبر لجانها، هذا عدا الـ 50 عضوا الذين سيعينهم الرئيس.
تمثيل دون إقصاء!
الخطير في النموذج المطروح أنه يُسوَّق كمخرج اضطراري تفرضه ظروف البلاد، لكن هذه الظروف -وإن كانت واقعية- لا تبرر حجب المواطن عن اتخاذ القرار. بل على العكس، في لحظات الانتقال، يجب أن يكون صوت الناس هو الأصل لا الاستثناء.
اللجنة تقول إنها تريد “تمثيلاً دون إقصاء”، لكن ما وقع فعلياً هو إقصاء بعينه للمواطنين من آلية الاختيار. الفارق بين الناخب والهيئة الناخبة، ليس تقنياً فحسب، بل سياسي وجوهري. الأولى تعني المشاركة، الثانية تعني الوصاية.
من سيقيّم من؟
التوزيع المقترح يبدو مغرياً: الاعتماد على الكفاءات. لكن من يقرر من هو الكفء؟ ما هي القاعدة التي لو طبقها أي شخص سيصل إلى نتيجة حتمية تقول حقا هذا الشخص كفء.
وما الضمانة بأن لا تكون “الكفاءة” مجرد وسيلة لتدوير نخب سياسية قديمة، أو تمرير ولاءات جديدة بلباس تقني؟
أما الأعيان، فهم مصطلح فضفاض بدوره، وجهاء؟ زعامات محلية؟ شخصيات محسوبة على جهات نافذة؟ وهل هؤلاء يُمثلون فعلاً شرائح واسعة من المجتمع أم فقط يمثلون أنفسهم أو من عيّنهم؟
عدالة أم إقصاء؟
أحد الشروط المعلنة: أن يكون المرشح “حسن السيرة”، وألا يكون قد ارتكب “جريمة مشينة”. هذه المصطلحات تبدو بريئة، لكنها من أكثر العبارات القابلة للتأويل السياسي والأمني. فمن يحدد من هو حسن السيرة وما هي الجريمة المشينة؟ بالتأكيد اللجنة العليا نفسها تُشرف وتُقرر وتراقب وتحكم.
لذا نجد أن التحصينات القانونية هشة، فلا إشراف قضائي مستقل. ولا ضمانات حقيقية تحمي العملية من التلاعب أو الانحياز.
الجغرافيا المنقوصة
توزيع المقاعد وفق التعداد السكاني لعام 2010 لا يُراعي واقع التهجير والانقسام، وعدد الضحايا الذين سقطوا خلال الحرب، مناطق مثل الرقة ودير الزور والحسكة خارجة جزئياً عن السيطرة الحكومة الجديدة بدمشق، السويداء أيضا لا يزال ملفها عالقاً، وملايين السوريين خارج البلاد أو في مخيمات النزوح.
كيف يمكن الحديث عن “تمثيل عادل” في ظل هذا الواقع؟ وهل تكفي مشاورات شكلية مع وجهاء محليين لتعبئة الفراغ؟ وهل يمكن تعيين ممثلين عن مناطق دون أن يكون لهم أي تواصل مع أهلها؟
كما أن الخطاب الرسمي يؤكد الحرص على التمثيل الكردي، وتمثيل المخيمات، وتمثيل النساء. لكن، كيف يتم ذلك عملياً؟ ما هي الآليات؟ من يختار؟ وهل من تم اختياره هو فعلاً معبر عن هذه الفئات أم مجرد اسم في لائحة الترشيحات لإكمال العدد؟
فرغم الحديث المتكرر عن أهمية تشكيل مجلس شعب كجزء من إعادة بناء الدولة، إلا أن ملامح الدور الحقيقي لهذا المجلس لا تزال غامضة. هل نحن فعلاً أمام هيئة تشريعية تمهد لبناء نظام سياسي جديد؟ أم أننا نشهد تشكيل كيان مؤسساتي هدفه الأساسي إضفاء طابع رسمي على مرحلة انتقالية تتسم بالتعقيد والانقسام؟
حتى الآن، لا يوجد نص نظام داخلي منشور يحدد صلاحيات المجلس بوضوح. ولا توجد آلية معلنة للمحاسبة، ولا جدول زمني مرتبط بمهامه أو أفق واضح لصلاحياته في مراقبة السلطة التنفيذية أو مساءلتها.
بل إن الوثائق المتاحة تتحدث عن دور عام في “اقتراح القوانين والمصادقة على الاتفاقيات والموازنة”، لكن من دون توضيح ما إذا كان هذا الدور تشريعياً فعلياً أم استشارياً بحكم الواقع.
تعزيز الشرعية
تعزيز الشرعية السياسية لأي مؤسسة تشريعية لا يتم فقط من خلال الإعلان عنها، بل عبر الشفافية في بنائها وآليات عملها. وفي الحالة السورية، ما زال من غير المعروف كيف سيتم تنظيم العمل داخل المجلس، من يقرر جدول أعماله، ومن يراقب قراراته أو يقيم أداءه. وهذا لا يُعد تفصيلاً إدارياً، بل إشكالاً جوهرياً قد يضعف ثقة الجمهور في المجلس حتى قبل أن يبدأ.
المراسيم قد تنشئ لجاناً ومجالس، لكنها لا تصنع شرعية. كما حدث في التجربة التونسية بعد الثورة، حيث صيغ الدستور عبر مجلس تأسيسي انتُخب شعبي، وبالانفتاح، وبالثقة. وما دام صوت المواطن غائباً، ستبقى كل هذه البُنى مُعلّقة في فضاء الرمزية.
تبقى كل التصريحات الطموحة رهينة التنفيذ. فليس المهم أن يُعلَن عن برلمان جديد، بل أن يُبنى هذا البرلمان على قاعدة شرعية وشفافة وشاملة.
وفي النهاية، لا شيء يبرر حرمان الناس من حقهم في اختيار من ينوب عنهم. لا الحرب، ولا الانقسام، ولا الطوارئ. فالشعوب التي خرجت من أنقاض الحروب وبنت جمهوريات جديدة لم تفعل ذلك إلا حين استُعيد صوتها، وسوريا ليست أقل من تلك الشعوب. بل ربما تستحق أكثر من مجرد مجلس بلا شعب.
- القبض على رئيس أركان “الحرس الجمهوري” في عهد الأسد
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة

